الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.]]. ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258.]]. قال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو [[في (ش): (و).]] القصاص [[لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس. أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 259، وأورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 893.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. اختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين [[قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في "تفسيره" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر. انظر: "الحجة" 3/ 223، "النشر" 2/ 254.]]، جعلوا الواو للإشراك في نصب (أنّ)، ولم يقطعوا الكلام مما قبله [["الحجة" 3/ 223.]]. ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا [[من "الحجة" 3/ 223، 224.]]. والحمل على المعنى كثير في التنزيل والشعر، من ذلك قوله: بادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ... إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ ومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ... فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ [[البيتان بدون عزو في "الكتاب" 1/ 173، 174، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 84، "الحجة" 3/ 225. ومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.]] لما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج [["الحجة" 3/ 225، وانظر: "الكتاب" 1/ 174.]]. قال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس [[في (ج): (أن النفس)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 179: النفس.]])، لأن المضمر في: (بالنفس [[في "معاني الزجاج" النفس.]]) في موضع رفع، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، والعين معطوفة على: هي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 193.]]. وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) [[هذه قراءة ابن كثير في "تفسيره" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر. انظر: "الحجة" 3/ 223، "معاني القراءات" 1/ 329، "النشر" 2/ 254.]] فالكلام في رفع (الجروحُ) كما ذكرنا في رفع العين. قال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف [[انظر: "الأم" 6/ 5، 50، والطبري في "تفسيره" 6/ 258، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258 - 259، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63، "زاد المسير" 2/ 368.]]. فأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش [[الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس. "التعريفات" للجرجاني ص 17، وانظر: "اللسان" 1/ 60 (أرش).]] حكومة [[انظر: "الأم" 6/ 80 - 83، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 204.]]. والقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾. أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله ﷺ: "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم [[هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم. انظر: "الاستيعاب" 4/ 257، "أسد الغابة" 6/ 177، "الإصابة" 4/ 112.]]؟ كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس" [[أخرجه بنحوه أبو داود (4887) كتاب الأدب، باب (43): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه 5/ 199، من طرق، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 257، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 177، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 112.]]. والكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271]. وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له. ﴿فَهُوَ﴾ أي: التصدق، ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم. وهذا قول أكثر أهل التأويل [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 317، "بحر العلوم" 1/ 440.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 895 ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب. "تفسير ابن عباس" ص 180، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 72 من هذه الطريق أيضًا.]]. وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة [[أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 43 - 44]]. وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله -عز وجل- عنه بقدره من ذنوبه" [[أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 316، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 895 من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 63، وصححه الألباني، انظر: "صحيح الجامع" (6151)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- (1393) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (2693) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.]]. وقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 261، "النكت والعيون" 1/ 470.]]. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.]]. وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم [[أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 261 - 262، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.]]. وعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له. والقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾ [[وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 262.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب