قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اليَهُودَ تَغْشانا، ويُكْثِرُونَ مَسْألَتَنا عَنِ الأهِلَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم سَألُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ: لِمَ خُلِقَتْ هَذِهِ الأهِلَّةُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ . وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ عَنَمَةَ، وهُما رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ، قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو فَيَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يُنْتَقَصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ والحَوْضِيُّ، قالا: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ، قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ يَقُولُ: كانَتِ الأنْصارُ إذا حَجُّوا فَجاءُوا لا يَدْخُلُونَ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِن ظُهُورِها، فَجاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِن قِبَلِ بابِهِ، فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي الوَلِيدِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الشَّيْخِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُبَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبِيدَةُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى الحُمْسَ، وكانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ في الإحْرامِ، وكانَتِ الأنْصارُ وسائِرُ العَرَبِ لا يَدْخُلُونَ مِن بابٍ في الإحْرامِ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بُسْتانٍ إذْ خَرَجَ مِن بابِهِ، وخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عامِرٍ الأنْصارِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قُطْبَةَ بْنَ عامِرٍ رَجُلٌ فاجِرٌ، وإنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ البابِ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ“ . فَقالَ: رَأيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَما فَعَلْتَ. فَقالَ: ”إنِّي أحْمَسِيٌّ“ . قالَ: فَإنَّ دِينِي دِينُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا أحْرَمَ الرَّجُلُ مِنهم بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حائِطًا ولا بَيْتًا ولا دارًا مِن بابِهِ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ المَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا في ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، أوْ يَتَّخِذُ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ فِيهِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الوَبَرِ خَرَجَ مِن خَلْفِ الخَيْمَةِ والفُسْطاطِ، ولا يَدْخُلُ مِنَ البابِ حَتّى يَحِلَّ مِن إحْرامِهِ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا دِينًا، إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الحُمْسِ، وهم: قُرَيْشٌ، وكِنانَةُ، وخُزاعَةُ، وثَقِيفٌ، وخَثْعَمٌ، وبَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وبَنُو النَّضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ. سُمُّوا حُمْسًا لِشِدَّتِهِمْ في دِينِهِمْ. قالُوا: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الأنْصارِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى أثَرِهِ مِنَ البابِ وهو مُحْرِمٌ، فَأنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وأنْتَ مُحْرِمٌ ؟“ . فَقالَ: رَأيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلى أثَرِكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنِّي أحْمَسِيٌّ“ . قالَ الرَّجُلُ: إنْ كُنْتَ أحْمَسِيًّا فَإنِّي أحْمَسِيٌّ، دِينُنا واحِدٌ، رَضِيتُ بِهَدْيِكَ وسَمْتِكَ ودِينِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
{"ayah":"۞ یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِیَ مَوَ ٰقِیتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَیۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُوا۟ ٱلۡبُیُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُوا۟ ٱلۡبُیُوتَ مِنۡ أَبۡوَ ٰبِهَاۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ"}