الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ البَيْتُ إمّا فَإنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ، واكْتَفى بِذِكْرِ البَيْتِ مُطْلَقًا لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ؛ إذْ كانا يَدْخُلانِ لِتَعْرِيفِ المَعْهُودِ أوِ الجِنْسِ، وقَدْ عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الجِنْسَ، فانْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ عِنْدَهم وهو الكَعْبَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ أنَّ مَعْناهُ أنَّهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ وهو يَرى أنَّهُ قَدْ قَضى وطَرًا مِنهُ، فَهم يَعُودُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ فِيهِ: إنَّهم يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ عَلَيْهِ،
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابَةً وثَوابًا: إذا رَجَعَ؛ قالَ بَعْضُهم: إنَّما أدْخَلَ الهاءَ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ لَمّا كَثُرَ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ، كَما يُقالُ: نَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ وسَيّارَةٌ وقالَ الفَرّاءُ: هو كَما قِيلَ المَقامَةُ والمَقامُ.
وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ مِن رُجُوعِ النّاسِ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ، ومِن قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا وهو يُحِبُّ العَوْدَ إلَيْهِ ومِن أنَّهم يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ كُلَّهُ. ويَشْهَدُ لِقَوْلِ مَن قالَ إنَّهم يُحِبُّونَ العَوْدَ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْصِرافِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ نَصَّ هَذا اللَّفْظُ عَلى فِعْلِ الطَّوافِ؛ إذْ كانَ البَيْتُ مَقْصُودًا ومَثابَةً لِلطَّوافِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِهِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ بِفِعْلِهِ.
ورُبَّما احْتَجَّ مُوجِبُو العُمْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ مَثابَةً لِلنّاسِ يَعُودُونَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَقَدِ اقْتَضى العَوْدَ إلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ بَعْدَ الحَجِّ ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ دَلِيلُ الإيجابِ، وإنَّما فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ العَوْدَ إلَيْهِ ووَعَدَهُمُ الثَّوابَ عَلَيْهِ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي النَّدْبَ لا الإيجابَ؛ ألا تَرى أنَّ القائِلَ: لَكَ أنْ تَعْتَمِرَ ولَكَ أنْ تُصَلِّيَ، لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الوُجُوبِ وعَلى أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصِ العَوْدَ إلَيْهِ بِالعُمْرَةِ دُونَ الحَجِّ ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الحَجَّ فِيهِ طَوافُ القُدُومِ وطَوافُ الزِّيارَةِ وطَوافُ الصَّدَرِ، ويَحْصُلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ العَوْدُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضى عُهْدَةَ اللَّفْظِ.
فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْنًا﴾ فَإنَّهُ وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ، والمُرادُ (p-٩٠)جَمِيعُ الحَرَمِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمُرادُ الحَرَمُ لا الكَعْبَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّهُ لا يُذْبَحُ في الكَعْبَةِ ولا في المَسْجِدِ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " وذَلِكَ أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ " .
وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنعُهم مِنَ الحَجِّ وحُضُورِهِمْ مَواضِعَ النُّسُكِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ بِالبَراءَةِ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وأنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» مُنْبِئًا عَنْ مُرادِ الآيَةِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقالَ حاكِيًا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ وصْفَهُ البَيْتَ بِالأمْنِ اقْتَضى جَمِيعَ الحَرَمِ؛ ولِأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ لَمّا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالبَيْتِ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ البَيْتِ لِوُقُوعِ الأمْنِ بِهِ وحَظْرِ القِتالِ والقَتْلِ فِيهِ؛ وكَذَلِكَ حُرْمَةُ الأشْهُرِ الحُرُمِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَيْتِ، فَكانَ أمْنُهم فِيها لِأجْلِ الحَجِّ وهو مَعْقُودٌ بِالبَيْتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ إنَّما هو حُكْمٌ مِنهُ بِذَلِكَ لا خَبَرٌ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كُلُّ هَذا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، لا عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّ مَن دَخَلَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ سُوءٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لَوَجَدَ مُخْبِرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ؛ لِأنَّ أخْبارَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ مِن وُجُودِها عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، وقَدْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَأخْبَرَ بِوُقُوعِ القَتْلِ فِيهِ؛ فَدَلَّ أنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ إنَّما هو مِن قَبْلِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأمْنِ فِيهِ وأنْ لا يُقْتَلَ العائِذُ بِهِ واللّاجِئُ إلَيْهِ.
وكَذَلِكَ كانَ حُكْمُ الحَرَمِ مُنْذُ عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمِنا هَذا، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِلْحَرَمِ وتَسْتَعْظِمُ القَتْلَ فِيهِ عَلى ما كانَ بَقِيَ في أيْدِيهِمْ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ هي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تُحَلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدِها فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنا. فَقالَ ﷺ: إلّا الإذْخِرَ» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي (p-٩١)شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ القِصَّةِ: " ولا يُخْتَلى خَلاها " . وقالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ» .
ورَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ ولَمْ يُحَرِّمْها النّاسُ، فَلا يُسْفَكَنَّ فِيها دَمٌ وإنَّ اللَّهَ أحَلَّها لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ولَمْ يُحِلَّها لِلنّاسِ» . وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ وحَظَرَ فِيها سَفْكَ الدِّماءِ، وأنَّ حُرْمَتَها باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْبَرَ أنَّ مِن تَحْرِيمِها تَحْرِيمَ صَيْدِها وقَطْعَ الشَّجَرِ والخَلا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ اسْتِثْنائِهِ الإذْخِرَ مِنَ الحَظْرِ عِنْدَ مَسْألَةِ العَبّاسِ وقَدْ أطْلَقَ قَبْلَ ذَلِكَ حَظْرَ الجَمِيعِ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ لا يَجُوزُ ؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَيَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ في إباحَةِ الإذْخِرِ وحَظْرِهِ عِنْدَ سُؤالِ مَن يَسْألُهُ إباحَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فَخَيَّرَهُ في الإذْنِ عِنْدَ المَسْألَةِ ومَعَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حُرْمَتِها بِالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، فَإنَّ مِن آياتِها ودَلالاتِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ لَها ما يُوجِبُ تَعْظِيمَها ما يُشاهَدُ فِيها مِن أمْنِ الصَّيْدِ فِيها وذَلِكَ أنَّ سائِرَ بِقاعِ الحَرَمِ مُشْبِهَةٌ لِبِقاعِ الأرْضِ ويَجْتَمِعُ فِيها الظَّبْيُ والكَلْبُ فَلا يُهِيجُ الكَلْبُ الصَّيْدَ ولا يَنْفِرُ مِنهُ، حَتّى إذا خَرَجا مِنَ الحَرَمِ عَدا الكَلْبُ عَلَيْهِ وعادَ هو إلى النُّفُورِ والهَرَبِ وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وعَلى تَفْضِيلِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ حَظْرُ صَيْدِ الحَرَمِ وشَجَرِهِ ووُجُوبُ الجَزاءِ عَلى قَتْلِهِ أوْ قَطْعِهِ
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا اقْتَضى فِعْلَ الطَّوافِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهو أمْرٌ ظاهِرُهُ الإيجابُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الطَّوافَ مُوجِبٌ لِلصَّلاةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ صَلاةَ الطَّوافِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ وذَكَرَ حَجَّةَ النَّبِيِّ ﷺ إلى قَوْلِهِ: «اسْتَلَمَ النَّبِيُّ ﷺ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا ومَشى أرْبَعًا ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَقَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ المَقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ» .
فَلَمّا تَلا ﷺ عِنْدَ إرادَتِهِ الصَّلاةَ خَلْفَ المَقامِ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ دَلَّ ذَلَكَ عَلى أنَّ (p-٩٢)المُرادَ بِالآيَةِ فِعْلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الطَّوافِ، وظاهِرُهُ أمْرٌ فَهو عَلى الوُجُوبِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّاهُما عِنْدَ البَيْتِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوارِيرِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا السّائِبُ عَنْ مُحَمَّدٍ المَخْزُومِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ يَقُودُ ابْنَ عَبّاسٍ فَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثّالِثَةِ مِمّا يَلِي الرُّكْنَ الَّذِي يَلِي الحَجَرَ مِمّا يَلِي البابَ فَيَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: " أُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي هاهُنا " فَيَقُومُ فَيُصَلِّي.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ صَلاةِ الطَّوافِ، ودَلَّ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَها تارَةً عِنْدَ المَقامِ وتارَةً عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى أنَّ فِعْلَها عِنْدَهُ لَيْسَ بِواجِبٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ القارِي عَنْ عُمَرَ أنَّهُ طافَ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَكِبَ وأناخَ بِذِي طَوًى، فَصَلّى رَكْعَتَيْ طَوافِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ صَلّاها في الحَطِيمِ، وعَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ أنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ خَلْفَ المَقامِ أجْزَأ. .
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " الحَجُّ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ " . وقالَ " عَطاءٌ: مَقامُ إبْراهِيمَ عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ " .
وقالَ مُجاهِدٌ: " الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ " .
وقالَ السُّدِّيُّ: مَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَتْ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ وضَعَتْهُ تَحْتَ قَدَمِ إبْراهِيمَ حِينَ غَسَلَتْ رَأْسَهُ، فَوَضَعَ إبْراهِيمُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِهِ وقَدْ غابَتْ رِجْلُهُ في الحَجَرِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الآخَرِ فَغَسَلَتْهُ فَغابَتْ رِجْلُهُ أيْضًا فِيهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مِن شَعائِرِهِ فَقالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو المُرادُ؛ لِأنَّ الحَرَمَ يُسَمّى عَلى الإطْلاقِ مَقامَ إبْراهِيمَ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَواضِعِ الَّتِي تَأوَّلَهُ غَيْرُهم عَلَيْها مِمّا ذَكَرْناهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو المُرادُ ما رَوى حُمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ» مُصَلًّى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثُمَّ صَلّى فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِذِكْرِ المَقامِ هو الحَجَرُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أمْرُهُ تَعالى إيّانا بِفِعْلِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ لِلصَّلاةِ تَعَلُّقٌ بِالحَرَمِ ولا سائِرِ المَواضِعِ الَّذِي تَأوَّلَهُ عَلَيْها مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ، وهَذا المَقامُ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ لِلْحَجَرِ رُطُوبَةَ الطِّينِ حَتّى دَخَلَتْ قَدَمُهُ فِيهِ، وذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَلَّ عَلى نُبُوَّتِهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المَعْنى المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿مُصَلًّى﴾ فَقالَ فِيهِ مُجاهِدٌ: " مُدَّعًى " وجَعَلَهُ مِنَ الصَّلاةِ؛ إذْ هي الدُّعاءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقالَ الحَسَنُ: " أرادَ بِهِ قِبْلَةً " .
وقالَ قَتادَةُ (p-٩٣)والسُّدِّيُّ: " أُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ " . وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ إذا أُطْلِقَ تُعْقَلُ مِنهُ الصَّلاةُ المَفْعُولَةُ بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، ألا تَرى أنَّ مُصَلّى المِصْرِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ صَلاةُ العِيدِ ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «المُصَلّى أمامَكَ» يَعْنِي بِهِ مَوْضِعَ الصَّلاةِ المَفْعُولَةِ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ تِلاوَتِهِ الآيَةَ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ " قِبْلَةٌ " فَذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَعْنى الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَجْعَلُهُ المُصَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ فَيَكُونُ قِبْلَةً لَهُ، وعَلى أنَّ الصَّلاةَ فِيها الدُّعاءُ، فَحَمْلُهُ عَلى الصَّلاةِ أوْلى؛ لِأنَّها تَنْتَظِمُ سائِرَ المَعانِي الَّتِي تَأوَّلُوا عَلَيْها الآيَةَ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قالَ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " طَهِّرا مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُشْرِكُونَ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ في يَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ " .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «لَمّا كانَ فَتْحُ مَكَّةَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَهم قَدْ نَصَبُوا عَلى البَيْتِ الأوْثانَ فَأمَرَ بِكَسْرِها وجَعَلَ يَطْعَنُ فِيها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا» . وقِيلَ فِيهِ: طَهِّراهُ مِن فَرْثٍ ودَمٍ كانَ المُشْرِكُونَ يَطْرَحُونَهُ عِنْدَهُ وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ ابْنِياهُ عَلى الطَّهارَةِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ [التوبة: ١٠٩] الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وجَمِيعُ ما ذُكِرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ غَيْرَ مُنافِيهِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: " ابْنِياهُ عَلى تَقْوى اللَّهِ وطَهِّراهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ ومِنَ الأوْثانِ أنْ تُجْعَلَ فِيهِ أوْ تَقْرَبَهُ " . وأمّا " الطّائِفِينَ " فَقَدِ اخْتُلِفَ في مُرادِ الآيَةِ مِنهُ، فَرَوى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: " الطّائِفِينَ " مَن جاءَ مِنَ الحُجّاجِ " والعاكِفِينَ ": أهْلُ مَكَّةَ وهُمُ القائِمُونَ.
ورَوى عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: " العاكِفُونَ ": مَنِ انْتابَهُ مِن أهْلِ الأمْصارِ والمُجاوِرِينَ " . ورَوى أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيِّ قالَ: " إذا كانَ طائِفًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ " ورَوى ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قالَ: " الطَّوافُ قَبْلَ الصَّلاةِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُ الضَّحّاكِ: مَن جاءَ مِنَ الحُجّاجِ فَهو مِنَ الطّائِفِينَ " راجِعٌ أيْضًا إلى مَعْنى الطَّوافِ بِالبَيْتِ؛ لِأنَّ مَن يَقْصِدُ البَيْتَ فَإنَّما يَقْصِدُهُ لِلطَّوافِ بِهِ، إلّا أنَّهُ قَدْ خَصَّ بِهِ الغُرَباءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةُ التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ والغُرَباءَ في فِعْلِ الطَّوافِ سَواءٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَإنَّما تَأوَّلَهُ الضَّحّاكُ عَلى الطّائِفِ الَّذِي هو طارِئٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩٤)﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قِيلَ لَهُ: إنَّهُ وإنْ أرادَ ذَلِكَ فالطَّوافُ مُرادٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الطّارِئَ إنَّما يَقْصِدُهُ لِلطَّوافِ فَجَعَلَهُ هو خاصًّا في بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وهَذا لا دَلالَةَ لَهُ فِيهِ، فالواجِبُ إذًا حَمْلُهُ عَلى فِعْلِ الطَّوافِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والعاكِفِينَ مَن يَعْتَكِفُ فِيهِ؛ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الِاعْتِكافُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَخَصَّ البَيْتَ في هَذا المَوْضِعِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: المُقِيمُونَ بِمَكَّةَ اللّائِذُونَ بِهِ، إذا كانَ الِاعْتِكافُ هو اللُّبْثُ، وقِيلَ في العاكِفِينَ: المُجاوِرُونَ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنى اللُّبْثِ والإقامَةِ في المَوْضِعِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهو عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ الطّائِفِينَ عَلى الغُرَباءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّوافَ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ قَدْ أفادَ لا مَحالَةَ الطَّوافَ لِلْغُرَباءِ؛ إذْ كانُوا إنَّما يَقْصِدُونَهُ لِلطَّوافِ، وأفادَ جَوازَ الِاعْتِكافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ وأفادَ فِعْلَ الصَّلاةِ فِيهِ أيْضًا وبِحَضْرَتِهِ، فَخَصَّ الغُرَباءَ بِالطَّوافِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ الطَّوافِ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ والِاعْتِكافِ الَّذِي هو لُبْثٌ مِن غَيْرِ طَوافٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: أنَّ الطَّوافَ لِأهْلِ الأمْصارِ أفْضَلُ، والصَّلاةَ لِأهْلِ مَكَّةَ أفْضَلُ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَعانِيَ، مِنها: فِعْلُ الطَّوافِ في البَيْتِ وهو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأنَّهُ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ وفِعْلُ الِاعْتِكافِ في البَيْتِ وبِحَضْرَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾
وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ الصَّلاةِ في البَيْتِ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفْلًا؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها، وهو خِلافُ قَوْلِ مالِكٍ في امْتِناعِهِ مِن جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ في البَيْتِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ صَلّى في البَيْتِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» فَتِلْكَ الصَّلاةُ لا مَحالَةَ كانَتْ تَطَوُّعًا؛ لِأنَّهُ صَلّاها حِينَ دَخَلَ ضُحًى ولَمْ يَكُنْ وقْتَ صَلاةٍ. وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ الجِوارِ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والعاكِفِينَ﴾ يَحْتَمِلُهُ إذا كانَ اسْمًا لِلُّبْثِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ؛ عَلى أنَّ عَطاءً وغَيْرَهُ قَدْ تَأوَّلَهُ عَلى المُجاوِرِينَ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الطَّوافَ قَبْلَ الصَّلاةِ لِما تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما قَدَّمْناهُ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في تَقْدِيمِ الطَّوافِ عَلى الصَّلاةِ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُهُ، قِيلَ لَهُ: قَدِ اقْتَضى اللَّفْظُ فِعْلَ الطَّوافِ والصَّلاةِ جَمِيعًا، وإذا ثَبَتَ طَوافٌ مَعَ صَلاةٍ فالطَّوافُ لا مَحالَةَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: اتِّفاقُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَقْدِيمِهِ عَلَيْها. فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ عَلى جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ في البَيْتِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا دَلالَةَ (p-٩٥)فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ " والرُّكَّعِ السُّجُودِ في البَيْتِ " وكَما لَمْ يَدُلَّ عَلى جَوازِ فِعْلِ الطَّوافِ في جَوْفِ البَيْتِ وإنَّما دَلَّ عَلى فِعْلِهِ خارِجَ البَيْتِ كَذَلِكَ دَلالَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ إلى البَيْتِ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قَدِ اقْتَضى فِعْلَ ذَلِكَ في البَيْتِ كَما دَلَّ عَلى جَوازِ فِعْلِ الِاعْتِكافِ في البَيْتِ، وإنَّما خَرَجَ مِنهُ الطَّوافُ في كَوْنِهِ مَفْعُولًا خارِجَ البَيْتِ بِدَلِيلِ الِاتِّفاقِ.
ولِأنَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ إنَّما هو بِأنْ يَطُوفَ حَوالَيْهِ خارِجًا مِنهُ؛ ولا يُسَمّى طائِفًا بِالبَيْتِ مَن طافَ في جَوْفِهِ؛ واللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أمَرَنا بِالطَّوافِ بِهِ لا بِالطَّوافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ومَن صَلّى داخِلَ البَيْتِ يَتَناوَلُهُ الإطْلاقُ بِفِعْلِ الصَّلاةِ فِيهِ وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ لَما كانَ لِذِكْرِ تَطْهِيرِ البَيْتِ لِلرُّكَّعِ والسُّجُودِ وجْهٌ؛ إذْ كانَ حاضِرُو البَيْتِ والنّاءُونَ عَنْهُ سَواءً في الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَطْهِيرَهُ إنَّما هو لِحاضِرِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ دُونَ فِعْلِ الصَّلاةِ فِيهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ أمَرَ بِتَطْهِيرِ نَفْسِ البَيْتِ لِلرُّكَّعِ السُّجُودِ وأنْتَ مَتى حَمَلْتَهُ عَلى الصَّلاةِ خارِجًا كانَ التَّطْهِيرُ لِما حَوْلَ البَيْتِ ؟ وأيْضًا إذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، فَيَكُونانِ جَمِيعًا مُرادَيْنِ، فَيَجُوزُ في البَيْتِ وخارِجَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] كَذَلِكَ قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وذَلِكَ يَقْتَضِي فِعْلَها خارِجَ البَيْتِ فَيَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى شَطْرِهِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ حَمَلْتَ اللَّفْظَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَعَلى قَضِيَّتِكَ أنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ في المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ومَتى كانَ فِيهِ فَعَلى قَوْلِكَ لا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ فَإنْ قالَ: أرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ البَيْتَ نَفْسَهُ؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ التَّوَجُّهَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لا يُوجِبُ جَوازَ الصَّلاةِ إذا لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا إلى البَيْتِ.
قِيلَ لَهُ: فَمَن كانَ في جَوْفِ البَيْتِ هو مُتَوَجِّهٌ شَطْرَ البَيْتِ؛ لِأنَّ شَطْرَهُ ناحِيَتُهُ، ولا مَحالَةَ أنَّ مَن كانَ فِيهِ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى ناحِيَتِهِ؛ ألا تَرى أنَّ مَن كانَ خارِجَ البَيْتِ فَتَوَجَّهَ إلَيْهِ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ناحِيَةٍ مِنهُ دُونَ جَمِيعِهِ.
وكَذَلِكَ مَن كانَ في البَيْتِ فَهو مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ، فَفِعْلُهُ مُطابِقٌ لِظاهِرِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] إذْ مَن كانَ في البَيْتِ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى ناحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ ومِنَ المَسْجِدِ جَمِيعًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ: والَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِنَ (p-٩٦)الطَّوافِ عامٌّ في سائِرِ ما يُطافُ مِنَ الفَرْضِ والواجِبِ والنَّدْبِ؛ لِأنَّ الطَّوافَ عِنْدَنا عَلى هَذِهِ الأنْحاءِ الثَّلاثَةِ، فالفَرْضُ هو طَوافُ الزِّيارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والواجِبُ هو طَوافُ الصَّدَرِ، ووُجُوبُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ الطَّوافَ» والمَسْنُونُ والمَندُوبُ إلَيْهِ ولَيْسَ بِواجِبٍ طَوافُ القُدُومِ لِلْحَجِّ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ حاجًّا، فَأمّا طَوافُ الزِّيارَةِ فَإنَّهُ لا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ، يَبْقى الحاجُّ مُحْرِمًا مِنَ النِّساءِ حَتّى يَطُوفَهُ، وأمّا طَوافُ الصَّدَرِ فَإنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ دَمًا إذا رَجَعَ الحاجُّ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَطُفْهُ، وأمّا طَوافُ القُدُومِ فَإنَّ تَرْكَهُ لا يُوجِبُ شَيْئًا؛ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
{"ayah":"وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ مُصَلࣰّىۖ وَعَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ أَن طَهِّرَا بَیۡتِیَ لِلطَّاۤىِٕفِینَ وَٱلۡعَـٰكِفِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق