الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى [[انظر: الطبري 6/ 34، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 146 أ، و"زاد المسير" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. ومعنى ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 133، والطبري 6/ 34، و"تهذيب اللغة" 3/ 2682 (غلا)، و"المفردات" ص 364.]]. والنصارى غلت في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى جعلوه إلهًا. قال ابن عباس: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تشددوا فتفتروا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 260، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك. وهذا هو الحق. وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45].]]. وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى [[أخرجه بنحوه الطبري 6/ 36.]]. ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي من عنده. ويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده [[لم أقف عليه.]]. ويجوز أن يكون معنى ﴿مِنْهُ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13] أي من خلقه وإيجاده. وقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح [[انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546 - 547، و"زاد المسير" 2/ 261.]]، ومنه قول ذي الرمه في نار اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال: فقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ... بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا [["ديوانه" ص 176، والطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، ومعنى "اجعله لها قيئةً قدرًا" أي اجعل فوقها من الحطب قليلًا قليلًا، فالشاعر يتحدث عن نار موقدة.]] أحيها بروحك أي: بنفخك [[الطبري 6/ 36، و"ديوان ذي الرمة" ص 176.]]. وروي أن جبريل عليه السلام نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله [[انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546.]]. ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه. وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91، والتحريم: 12] [[المرجع السابق.]]. وقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه [[الطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب.]]. وقيل في تفسير قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22] أي: برحمة كذلك قال المفسرون [[انظر: "زاد المسير" 8/ 200.]]. وكذلك قراءة من قرأ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [[القراءة بضم الراء من (روح) وهي ليعقوب من العشرة. انظر: "المبسوط" ص 361، و"النشر" 2/ 283.]] [الواقعة: 89] أي: فرحمة، وهذا كما قال ﷺ: "إنما أنا رحمة مهداة" [[صححه الألباني، وعزاه إلى ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلًا، كما عزاه إلى الحاكم، ولم أجده عنده. انظر: "صحيح الجامع" رقم (2345).]]. وقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿أَلْقَاهَا﴾، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل. معنى ﴿مِنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك [[انظر: الطبري 6/ 36، وانظر: "زاد المسير" 2/ 261.]]. وهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْه﴾ [[قال الطبري 6/ 36: "ولكل هذِه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب".]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه [[هكذا في المخطوط، والصواب: وابنه. انظر: "تنوير المقباس" ص 105.]]. قال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: 22] [["معاني القرآن" 1/ 296.]]. وقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:171] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135.]]. وقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: 170]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. وقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب. وكان الكسائي يقول: هو [[هكذا في المخطوط، وعند الفراء: "هي".]] في موضع خفض، في كثير من أشباهها [["معاني القرآن" 1/ 296.]]. وذكرنا هذه المسألة قديمًا. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب