الباحث القرآني

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، الخَمْرُ: هي المُعْتَصَرُ مِنَ العِنَبِ إذا غَلى واشْتَدَّ وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ، وتَخَمَّرَتْ واخْتَمَرَتْ، وهي حَسَنَةُ الخِمْرَةِ، والخَمْرُ ما واراكَ مِنَ الشَّجَرِ وغَيْرِهِ، ودَخَلَ في خِمارِ النّاسِ وغِمارِهِمْ أيْ: في مَكانٍ خافٍ، وخَمْرُ فُتاتِكم، وخامِرِي أُمَّ عامِرٍ، مِثْلَ الأحْمَقِ، وخامِرِي حَضاجِرِ أتاكِ ما تُحاذِرِ، وحَضاجِرُ: اسْمٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ السِّباعِ، ومَعْناهُ: ادْخُلِي الخَمْرَ واسْتَتِرِي. فَلَمّا كانَتْ تَسْتُرُ العَقْلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّها تُخَمِّرُ أيْ تُغَطِّي حَتّى تُدْرِكَ وتَشْتَدَّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ: تُخالِطُهُ، يُقالُ: خامَرَ الدّاءُ: خالَطَ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُتْرَكُ حِينَ تُدْرَكُ، يُقالُ: اخْتَمَرَ العَجِينُ بَلَغَ إدْراكُهُ، وخَمَّرَ الرَّأْيَ تَرَكَهُ حَتّى يُبَيَّنَ فِيهِ الوَجْهُ، فَعَلى هَذِهِ الِاشْتِقاقاتِ تَكُونُ مَصْدَرًا في الأصْلِ وأُرِيدَ بِها اسْمُ الفاعِلِ أوِ اسْمُ المَفْعُولِ. المَيْسِرُ: القِمارُ، وهو مَفْعِلٌ مِن يَسَرَ، كالمَوْعِدِ مِن وعَدَ، يُقالُ: يَسَّرْتُ المَيْسِرَ، أيْ: قامَرْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَوْ تَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ وهو السُّهُولَةُ، أوْ مِنَ اليَسارِ لِأنَّهُ يَسْلُبُ يَسارَهُ، أوْ مِن يَسَرَ الشَّيْءُ إذا وجَبَ، أوْ مِن يَسَرَ إذا جَزَرَ، والياسِرُ الجازِرُ، وهو الَّذِي يُجَزِّئُ الجَزُورَ أجْزاءً، قالَ الشّاعِرُ: ؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ تَيْسِرُونَنِي: ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ ؟ وسُمِّيَتِ الجَزُورُ الَّتِي يُسْهَمُ عَلَيْها مَيْسِرًا لِأنَّها مَوْضِعُ اليَسَرِ، ثُمَّ قِيلَ لِلسِّهامِ مَيْسِرٌ لِلْمُجاوَرَةِ، واليَسَرُ: الَّذِي يَدْخُلُ في الضَّرْبِ بِالقِداحِ، وجَمْعُهُ أيْسارٌ، وقِيلَ: يَسَرٌ جَمْعُ ياسِرٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٌ وأحْراسٌ. وصِفَةُ المَيْسِرِ أنَّهُ عَشَرَةُ أقْداحٍ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ، وهي: الأزْلامُ، والأقْلامُ، والسِّهامُ، لِسَبْعَةٍ مِنها حُظُوظٌ، وفِيها فُرُوضٌ عَلى عِدَّةِ الحُظُوظِ: القَدُّ، ولَهُ سَهْمٌ واحِدٌ؛ والتَّوْأمُ، ولَهُ سَهْمانِ؛ والرَّقِيبُ، ولَهُ ثَلاثَةٌ؛ والحِلْسُ، ولَهُ أرْبَعَةٌ؛ والنّافِسُ، ولَهُ خَمْسَةٌ؛ والمُسْبِلُ ولَهُ سِتَّةٌ؛ والمُعَلّى ولَهُ سَبْعَةٌ؛ وثَلاثَةُ أغْفالٍ لا حُظُوظَ لَها، وهي: المَنِيحُ، والسَّفِيحُ، والوَغْدُ، وقِيلَ: أرْبَعَةٌ وهي: المَصْدَرُ، والمُضْعِفُ، والمَنِيحُ، والسَّفِيحُ. تُزادُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ أوِ الأرْبَعَةُ عَلى الخِلافِ لِتَكْثُرَ السِّهامُ وتَخْتَلِطَ عَلى الحُرْضَةِ وهو الضّارِبُ بِالقِداحِ، فَلا يَجِدُ إلى المَيْلِ مَعَ أحَدٍ سَبِيلًا، ويُسَمّى أيْضًا: المُجِيلُ، والمُغِيضُ، والضّارِبُ، والضَّرِيبُ، ويُجْمَعُ ضُرَباءُ، وهو رَجُلٌ عَدْلٌ عِنْدَهم. وقِيلَ يُجْعَلُ رَقِيبٌ لِئَلّا يُحابِي أحَدًا، ثُمَّ يَجْثُو الضّارِبُ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ويَلْتَحِفُ بِثَوْبٍ، ويُخْرِجُ رَأْسَهُ، يَجْعَلُ تِلْكَ القِداحَ في الرِّبابَةِ، وهي خَرِيطَةٌ يُوضَعُ فِيها، ثُمَّ يُجَلْجِلُها، ويُدْخِلُ يَدَهُ ويُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قَدَحًا مِنها، فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المَوْسُومَ بِهِ ذَلِكَ القَدَحُ، ومَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وغَرِمَ الجَزُورَ كُلَّهُ. وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تَضْرِبَ بِهَذِهِ القِداحِ (p-١٥٥)فِي الشَّتْوَةِ وضِيقِ العَيْشِ وكَلَبِ البَرْدِ عَلى الفُقَراءِ، فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ وتَضْمَنُ الأيْسارُ ثَمَنَها، ثُمَّ تُنْحَرُ ويُقَسَّمُ عَلى عَشَرَةِ أقْسامٍ في قَوْلِ أبِي عَمْرٍو، وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ عَلى قَدْرِ حُظُوظِ السِّهامِ في قَوْلِ الأصْمَعِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأخْطَأ الأصْمَعِيُّ في قِسْمَةِ الجَزُورِ عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ، وأيُّهم خَرَجَ لَهُ نُصِيبٌ واسى بِهِ الفُقَراءَ، ولا يَأْكُلُ مِنهُ شَيْئًا، ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، ويُسَمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ”البَرَمَ“ ويَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، ومِنَ الِافْتِخارِ بِذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ؎المُطْعِمُو الضَّيْفَ إذا ما شَتا ∗∗∗ والجاعِلُو القُوتَ عَلى الياسِرِ وقالَ زُهَيْرٌ في البَرَمِ: ؎حَتّى تَآوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا ورُبَّما قامُوا لِأنْفُسِهِمْ. التَّفَكُّرُ في الشَّيْءِ: إجالَةُ الفِكْرِ فِيهِ وتَرَدُّدُهُ، والفِكْرُ هو الذِّهْنُ. الخَلْطُ: مَزْجُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وخالَطَ فاعَلَ مِنهُ، والخِلْطُ: الشَّيْءُ المَخْلُوطُ كالرِّغْيِ. الإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، والأخُ مَعْرُوفٌ، وهو مَن ولَدَهُ أبُوكَ وأُمُّكَ، أوْ أحَدُهُما، وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى فِعْلانٍ لا يَنْقاسُ. العَنَتُ: المَشَقَّةُ، ومِنهُ عَنَتُ الغُرْبَةِ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: شاقَّةُ المَصْعَدِ، وعَنَتَ البَعِيرُ: انْكَسَرَ بَعْدَ جَبْرٍ. النِّكاحُ: الوَطْءُ، وهو المُجامَعَةُ، قالَ التَّبْرِيزِيُّ: وأصْلُهُ عِنْدَ العَرَبِ لُزُومُ الشَّيْءِ الشَّيْءَ وإكْبابُهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: نَكَحَ المَطَرُ الأرْضَ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ في (الأمالِي) عَنْ أبِي زَيْدٍ وابْنِ الأعْرابِيِّ، وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: نُكْحُ المَرْأةِ، بِضَمِّ النُّونِ: بِضْعَةٌ هي بَيْنَ القُبُلِ والدُّبُرِ، فَإذا قالُوا نَكَحَها فَمَعْناهُ: أصابَ نُكْحَها، أيْ ذَلِكَ المَوْضِعَ مِنها، وقَلَّما يُقالُ ناكَحَها كَما يُقالُ باضَعَها، قِيلَ: وقَدْ جاءَ النِّكاحُ في أشْعارِ العَرَبِ يُرادُ بِهِ العَقْدُ خاصَّةً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ فانْكِحَنْ أوْ تَأبَّدا أيْ فاعْقِدْ وتَزَوَّجْ، وإلّا فاجْتَنِبِ النِّساءَ وتَوَحَّشْ؛ لِأنَّهُ قالَ: لا تَقْرَبَنْ جارَةً عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَحْرُمُ. وجاءَ بِمَعْنى المُجامَعَةِ، كَما قالَ: ؎البارِكِينَ عَلى ظُهُورِ نِسْوَتِهِمْ ∗∗∗ والنّاكِحِينَ بِشاطِي دِجْلَةَ البَقَرا وقالَ أبُو عَلِيٍّ: فَرَّقَتِ العَرَبُ بَيْنَ العَقْدِ والوَطْءِ بِفَرْقٍ لَطِيفٍ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةً؛ أرادُوا بِهِ العَقْدَ لا غَيْرَ، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ؛ فَلا يُرِيدُونَ غَيْرَ المُجامَعَةِ. الأمَةُ: المَمْلُوكَةُ مِنَ النِّساءِ، وهي ما حُذِفَ لامُهُ وهو واوٌ؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ظُهُورُها في الجَمْعِ، قالَ الكِلابِيُّ: ؎أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدًا ∗∗∗ إذا تَداعى بَنُو الأمْواتِ بِالعارِ وفِي المَصْدَرِ: يُقالُ أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ، وأقَرَّتْ بِالأُمُوَّةِ، أيْ: بِالعُبُودِيَّةِ، وجُمِعَتْ أيْضًا عَلى: إماءٍ، وأآمٍ، نَحْوَ أكَمَةٍ وآكامٍ وأكَمٍ، وأصْلُهُ أأْمُو، وجَرى فِيهِ ما يَقْتَضِيهِ التَّصْرِيفُ، وفي الحَدِيثِ: (لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎يَمْشِي بِها رَيْدَ النَّعا ∗∗∗ مِ تَماشِيَ الآمِ الدَّوافِرِ ووَزْنُها أمْوَةٌ، فَحُذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ إذْ كانَ قِياسُها أنْ تَنْقَلِبَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها كَقَناةٍ، وزَعَمَ أبُو الهَيْثَمِ أنَّ جَمْعَ الأمَةِ أمْوٌ، وأنَّ وزْنَها فَعْلَةٌ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَتَكُونُ مِثْلَ نَخْلَةٍ ونَخْلٍ، وبَقْلَةٍ وبَقْلٍ، فَأصْلُها أمْوَةٌ، فَحَذَفُوا لامَها إذْ كانَتْ حَرْفَ لِينٍ، فَلَمّا جَمَعُوها عَلى مِثالِ نَخْلَةٍ ونَخْلٍ لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا: أمَةٌ وأُمٌّ، فَكَرِهُوا أنْ يَجْعَلُوها حَرْفَيْنِ، وكَرِهُوا أنْ يَرُدُّوا الواوَ المَحْذُوفَةَ لَمّا كانَتْ آخِرَ الِاسْمِ، فَقَدَّمُوا الواوَ، وجَعَلُوهُ ألِفًا ما بَيْنَ الألِفِ والمِيمِ، وما زَعَمَهُ أبُو الهَيْثَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَوْ كانَ عَلى ما زَعَمَ لَكانَ الإعْرابُ عَلى المِيمِ كَما كانَ عَلى لامِ نَخْلٍ، ولَكِنَّهُ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ الَّتِي هي لامٌ؛ إذْ أصْلُهُ (p-١٥٦)ألامُو، ثُمَّ عُمِلَ فِيهِ ما عُمِلَ في قَوْلِهِمْ: الأدْلُوُّ، والأجْرُوُّ، جَمْعُ: دَلْوٍ، وجَرْوٍ، وأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا كَما أُبْدِلَتْ في ”آدَمَ“؛ ولِذَلِكَ تَقُولُ: جاءَتِ الآمِيُّ، ولَوْ كانَ عَلى ما زَعَمَ أبُو الهَيْثَمِ لَكانَ: جاءَتِ الآمُّ، بِرَفْعِ المِيمِ. المَحِيضُ: مَفْعِلٌ مِنَ الحَيْضِ، يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ والمَكانِ والزَّمانِ، تَقُولُ: حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحِيضًا، بَنَوْهُ عَلى: مَفْعِلٍ، بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِها، وفِيما كانَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي هو يائِيُّ العَيْنِ عَلى: فَعَلَ يَفْعِلُ، فِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ. أحَدُها: أنَّهُ قِياسُهُ مَفْعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ في المُرادِ بِهِ المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها في المُرادِ بِهِ المَكانُ أوِ الزَّمانُ، فَيَصِيرُ كالمَضْرِبِ في المَصْدَرِ، والمَضْرِبِ بِالكَسْرِ، أيْ بِكَسْرِ الرّاءِ في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا المَحِيضِ، إذا أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، شاذًّا، وإذا أُرِيدَ بِهِ الزَّمانُ والمَكانُ كانَ عَلى القِياسِ. المَذْهَبُ الثّانِي: أنَّكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ تَفْتَحَ عَيْنَهُ أوْ تَكْسِرَهُ، كَما جاءَ في هَذا المَحِيضِ والمَحاضِ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كَثُرَ في ذَلِكَ الوَجْهانِ فاقْتاسا. المَذْهَبُ الثّالِثُ: القَصْرُ عَلى السَّماعِ، فَما قالَتْ فِيهِ العَرَبُ: مَفْعِلٌ بِالكَسْرِ، أوْ مَفْعَلٌ بِالفَتْحِ؛ لا نَتَعَدّاهُ، وهَذا هو أوْلى المَذاهِبِ. وأصْلُ الحَيْضِ في اللُّغَةِ السَّيَلانُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وقالَ الفَرّاءُ: حاضَتِ الشَّجَرَةُ إذا سالَ صَمْغُها، وقالَ الأزْهَرِيُّ: ومِن هَذا قِيلَ لِلْحَوْضِ حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ أيْ يَسِيلُ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ والياءَ عَلى الواوِ، ولِأنَّها مِن حَيِّزٍ واحِدٍ وهو الهَواءُ. الِاعْتِزالُ: ضِدُّ الِاجْتِماعِ، وهو التَّيَؤُّسُ مِنَ الشَّيْءِ والتَّباعُدُ مِنهُ، وتارَةً يَكُونُ بِالبَدَنِ، وتارَةً بِالقَلْبِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العَزْلِ، وهو تَنْجِيَةُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ. أنّى: اسْمٌ، ويُسْتَعْمَلُ شَرْطًا ظَرْفَ مَكانٍ، ويَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى ”مَتى“، واسْتِفْهامًا بِمَعْنى ”كَيْفَ“، وهي مَبْنِيَّةٌ لِتَضَمُّنِ مَعْنى حَرْفِ الشَّرْطِ، وحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ البَتَّةَ. * * * ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، سَبَبُ نُزُولِها «سُؤالُ عُمَرَ ومُعاذٍ، قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ فَإنَّهُ مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ، مَسْلَبَةٌ لِلْمالِ»؛ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهم لَمّا سَألُوا عَنْ ماذا يُنْفِقُونَ ؟ فَبَيَّنَ لَهم مَصْرِفَ ذَلِكَ في الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فَرْضَ القِتالِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ناسَبَ ذِكْرَ سُؤالِهِمْ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ إذْ هُما أيْضًا مِن مَصارِفِ المالِ، ومَعَ مُداوَمَتِهِما قَلَّ أنْ يَبْقى مالٌ فَتَتَصَدَّقَ بِهِ، أوْ تُجاهِدَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُما. وقالَ بَعْضُ مَن ألَّفَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها ناسِخَةٌ لِما كانَ مُباحًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ، وسُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ؛ فَلا يُعْتَبَرُ بِما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ كَرِهَ الخَمْرَ قَوْمٌ لِلْإثْمِ، وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فاجْتَنَبُوها في أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَحُرِّمَتْ. قالَ مَكِّيٌّ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، ولا شَكَّ في أنَّ نُزُولَ المائِدَةِ بَعْدَ البَقَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: ذَمَّ اللَّهُ الخَمْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُحَرِّمْها، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا يُقالُ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِما كانَ مُباحًا مِن شُرْبِ الخَمْرِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ إباحَتَها، ثُمَّ نُسِخَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ وإنَّما كانَ مَسْكُوتًا عَنْ شُرْبِها، فَكانُوا جارِينَ في شُرْبِها عَلى عادَتِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ التَّحْرِيمُ، كَما سَكَتَ عَنْهم في غَيْرِها مِنَ المُحَرَّماتِ إلى وقْتِ التَّحْرِيمِ. وجاءَ: (ويَسْألُونَكَ) بِواوِ الجَمْعِ، وإنْ كانَ مَن سَألَ اثْنَيْنِ وهُما: عُمَرُ ومُعاذٌ، عَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَنْسِبُ الفِعْلَ الصّادِرَ مِنَ الواحِدِ إلى الجَماعَةِ في كَلامِها، وقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ. والسُّؤالُ هُنا لَيْسَ عَنِ الذّاتِ، وإنَّما هو عَنْ حُكْمِ هَذَيْنِ، مِن حِلٍّ وحُرْمَةٍ وانْتِفاعٍ، ولِذَلِكَ جاءَ الجَوابُ مُناسِبًا لِذَلِكَ، لا جَوابًا عَنْ ذاتٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الخَمْرِ في اللُّغَةِ، وأمّا في الشَّرِيعَةِ فَقالَ الجُمْهُورُ: كُلُّ ما خامَرَ العَقْلَ وأفْسَدَهُ مِمّا يُشْرَبُ يُسَمّى خَمْرًا، وقالَ الرّازِيُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: الخَمْرُ اسْمُ ما يُتَّخَذُ مِنَ العِنَبِ خاصَّةً، ونَقَلَ عَنْهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أنَّ الخَمْرَ عِنْدَهُ هو اسْمُ ما اتُّخِذَ مِنَ العِنَبِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ، وقالَ: (p-١٥٧)إنَّ المُتَّخَذَ مِنَ الذُّرَةِ والحِنْطَةِ لَيْسَ مِنَ الأشْرِبَةِ، وإنَّما هو مِنَ الأغْذِيَةِ المُشَوِّشَةِ لِلْعَقْلِ، كالبَنْجِ والسَّيْكَرانِ، وقِيلَ: الصَّحِيحُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ القَطْرَةَ مِن هَذِهِ الأشْرِبَةِ مِنَ الخَمْرِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ، وهو قِمارُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وأمّا في الشَّرِيعَةِ فاسْمُ المَيْسِرِ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ ضُرُوبِ القِمارِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ عَلى تَحْرِيمِهِ. قالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ مِن نَرْدٍ وشِطْرَنْجَ وغَيْرِهِ؛ فَهو مَيْسِرٌ، حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ، إلّا ما أُبِيحَ مِنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ، والقُرْعَةِ في إبْرازِ الحُقُوقِ. وقالَ مالِكٌ: المَيْسِرُ مَيْسِرانِ: مَيْسِرُ اللَّهْوِ، فَمِنهُ النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ والمَلاهِي كُلُّها، ومَيْسِرُ القِمارِ: وهو ما يَتَخاطَرُ النّاسُ عَلَيْهِ، وقالَ عَلى الشِّطْرَنْجِ: مَيْسِرُ العَجَمِ. وقالَ القاسِمُ: كُلُّ شَيْءٍ ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. * * * ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، أُنْزِلَ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ [النحل: ٦٧] بِ مَكَّةَ، ثُمَّ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، ثُمَّ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قالَ القَفّالُ: ووَقَعَ التَّحْرِيمُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ القَوْمَ كانُوا ألِفُوا شُرْبَها والِانْتِفاعَ بِها كَثِيرًا؛ فَجاءَ التَّحْرِيمُ بِهَذا التَّدْرِيجِ رِفْقًا مِنهُ تَعالى. انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الرَّبِيعُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أمْ لا تَدُلُّ ؟ والظّاهِرُ أنَّها تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والمَعْنى: قُلْ في تَعاطِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ، أيْ: حُصُولُ إثْمٍ كَبِيرٍ؛ فَقَدْ صارَ تَعاطِيهِما مِنَ الكَبائِرِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فَما كانَ إثْمًا أوِ اشْتَمَلَ عَلى الإثْمِ فَهو حَرامٌ، والإثْمُ هو الذَّنْبُ، وإذا كانَ الذَّنْبُ كَثِيرًا أوْ كَبِيرًا في ارْتِكابِ شَيْءٍ لَمْ يَجُزِ ارْتِكابُهُ، وكَيْفَ يُقْدَمُ عَلى ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالخُسْرانِ إذا كانَ الإثْمُ أكْبَرَ مِنَ النَّفْعِ ؟ وقالَ الحَسَنُ: ما فِيهِ الإثْمُ مُحَرَّمٌ، ولَمّا كانَ في شُرْبِها الإثْمُ سُمِّيَتْ إثْمًا في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ ومَن قالَ: لا تَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ، اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، والمُحَرَّمُ لا يَكُونُ فِيهِ مَنفَعَةٌ؛ ولِأنَّها لَوْ دَلَّتْ عَلى التَّحْرِيمِ لَقَنِعَ الصَّحابَةُ بِها، وهم لَمْ يَقْنَعُوا حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ، وآيَةُ التَّحْرِيمِ في الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُحَرَّمَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَنفَعَةٌ عاجِلَةٌ في الدُّنْيا، وبِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ سَألَ أنْ يَنْزِلَ التَّحْرِيمُ بِالأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ عَلى أحَدٍ؛ فَيَكُونُ آكَدَ في التَّحْرِيمِ. وظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ بِأنَّ فِيهِما إثْمًا كَبِيرًا ومَنافِعَ حالَةَ الجَوابِ وزَمانَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ: الإثْمُ فِيهِما بَعْدَ التَّحْرِيمِ، والمَنفَعَةُ فِيهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإثْمُ في وقْتٍ والمَنفَعَةُ في وقْتٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الحالِ، والإثْمُ الَّذِي فِيهِما هو الذَّنْبُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: الإثْمُ الَّذِي في الخَمْرِ ذَهابُ العَقْلِ، والسِّبابُ، والِافْتِراءُ، والتَّعَدِّي الَّذِي يَكُونُ مِن شارِبِها، والمَنفَعَةُ الَّتِي في الخَمْرِ - قالَ الأكْثَرُونَ: ما يَحْصُلُ مِنها مِنَ الأرْباحِ والأكْسابِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ما ذَكَرَ الأطِبّاءُ في مَنافِعِها: مِن ذَهابِ الهَمِّ، وحُصُولِ الفَرَحِ، وهَضْمِ الطَّعامِ، وتَقْوِيَةِ الضَّعِيفِ، والإعانَةِ عَلى الباءَةِ، وتَسْخِيَةِ البَخِيلِ، وتَصْفِيَةِ اللَّوْنِ، وتَشْجِيعِ الجَبانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِها. وقَدْ صَنَّفُوا في ذَلِكَ مَقالاتٍ وكُتُبًا، ويُسَمُّونَها ”الشَّرابَ الرَّيْحانِيَّ“، وقَدْ ذَكَرُوا أيْضًا لَها مَضارَّ كَثِيرَةً مِن جِهَةِ الطِّبِّ. والمَنفَعَةُ الَّتِي في المَيْسِرِ إيسارُ القامِرِ بِغَيْرِ كَدٍّ ولا تَعَبٍ، وقِيلَ: التَّوْسِعَةُ عَلى المَحاوِيجِ؛ فَإنَّ مَن قَمَرَ مِنهم كانَ لا يَأْكُلُ مِنَ الجَزُورِ، ويُفَرِّقُهُ عَلى الفُقَراءِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا حُكْمَ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ الخَمْرِ العِنَبِيَّةِ، وحَدَّ الشّارِبِ، وكَيْفِيَّةَ الضَّرْبِ، وما يُتَوَقّى مِنَ المَضْرُوبِ فَلا يُضْرَبُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وهو مَذْكُورٌ في عِلْمِ الفِقْهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”إثْمٌ كَثِيرٌ“ بِالثّاءِ، ووُصِفَ الإثْمُ بِالكَثْرَةِ إمّا بِاعْتِبارِ الآثِمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ لِلنّاسِ آثامٌ، أيْ: (p-١٥٨)أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مُتَعاطِيها إثْمٌ، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى شُرْبِها مِن تَوالِي العِقابِ وتَضْعِيفِهِ؛ فَناسَبَ أنْ يُنْعَتَ بِالكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى شُرْبِها مِمّا يَصْدُرُ مِن شارِبِها مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ المُحَرَّمَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ مَن زاوَلَها مِن لَدُنْ كانَتْ إلى أنْ بِيعَتْ وشُرِبَتْ، فَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَمْرَ، ولَعَنَ مَعَها عَشَرَةً: بائِعَها، ومُبْتاعَها، والمُشْتَراةَ لَهُ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، والمَعْصُورَةَ لَهُ، وساقِيها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ لَهُ، وآكِلَ ثَمَنِها؛ فَناسَبَ وصْفُ الإثْمِ بِالكَثْرَةِ بِهَذا الِاعْتِبارِ. وقَرَأ الباقُونَ ”كَبِيرٌ“ بِالباءِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ والقِمارَ ذَنْبُهُما مِنَ الكَبائِرِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ تَرْجِيحًا لِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ القِراءَتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى؛ فَلا يَجُوزُ تَفْضِيلُ شَيْءٍ مِنهُ عَلى شَيْءٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا؛ إذْ كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. * * * ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾، في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَتِهِ ”أكْثَرُ“ بِالثّاءِ، كَما في مُصْحَفِهِ ”كَثِيرٌ“ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ فِيهِما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعِقابُ الإثْمِ في تَعاطِيهِما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما، وهو الِالتِذاذُ بِشُرْبِ الخَمْرِ، والقِمارِ، والطَّرَبِ فِيهِما، والتَّوَصُّلِ بِهِما إلى مُصادَقاتِ الفِتْيانِ ومُعاشَراتِهِمْ، والنَّيْلِ مِن مَطاعِمِهِمْ ومَشارِبِهِمْ وأُعْطِياتِهِمْ، وسَلْبِ الأمْوالِ بِالقِمارِ، والِافْتِخارِ عَلى الأبْرامِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ”وإثْمُهُما أقْرَبُ“، ومَعْنى الكَثْرَةِ: أنَّ أصْحابَ الشُّرْبِ والقِمارِ يَقْتَرِفُونَ فِيهِما الآثامَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: إثْمُهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وقِيلَ ”أكْبَرُ“ لِأنَّ عِقابَهُ باقٍ مُسْتَمِرٌّ والمَنافِعَ زائِلَةٌ، والباقِي أكْبَرُ مِنَ الفانِي. * * * ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾، تَقَدَّمَ هَذا السُّؤالُ وأُجِيبُوا هُنا بِذِكْرِ الكَمِّيَّةِ والمِقْدارِ، والسّائِلُ في هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ، وهو الظّاهِرُ مِن واوِ الجَمْعِ. والنَّفَقَةُ هُنا قِيلَ: في الجِهادِ، وقِيلَ: في الصَّدَقاتِ. والقائِلُونَ في الصَّدَقاتِ، قِيلَ: في التَّطَوُّعِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: في الواجِبِ. والقائِلُونَ في الواجِبِ، قِيلَ: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وجاءَ ذِكْرُها هُنا مُجْمَلًا، وفَصَّلَتْها السُّنَّةُ. وقِيلَ: كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ أنْ يُنْفِقُوا ما فَضَلَ مِن مَكاسِبِهِمْ عَنْ ما يَكْفِيهِمْ في عامِهِمْ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الزَّكاةِ. والعَفْوُ: ما فَضَلَ عَنِ الأهْلِ والمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ اليَسِيرُ السَّهْلُ الَّذِي لا يُجْحِفُ بِالمالِ، قالَهُ طاوُسٌ، أوِ الوَسَطُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ولا تَقْصِيرَ، قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الطَّيِّبُ الأفْضَلُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوِ الكَثِيرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أيْ: كَثُرُوا، قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَكِنّا يَعَضُّ السَّيْفُ مِنها بِأسْوُقِ عافِياتِ اللَّحْمِ كَوْمِ أوِ الصَّفْوُ، يُقالُ: أتاكَ عَفْوًا، أيْ: صَفْوًا بِلا كَدَرٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ أوْ ما فَضَلَ عَنْ ألْفِ دِرْهَمٍ، أوْ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ، وكانَ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ ما فَضَلَ عَنِ الثُّلُثِ. أوْ عَنْ ما يَقُوتُهم حَوْلًا لِذَوِي الزِّراعَةِ، وشَهْرًا لِذَوِي الفِلاتِ، أوْ عَنْ ما يَقُوتُهُ يَوْمَهُ لِلْعامِلِ بِهَذِهِ، وكانُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَفُرِضَتِ الزَّكاةُ. أوِ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وما لا يَسْتَنْفِدُ المالَ ويُبْقِي صاحِبَهُ يَسْألُ النّاسَ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ الَّذِي جاءَ يَتَصَدَّقُ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ، حَذَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إيّاهُ بِها، وقَوْلُهُ: (يَجِيءُ أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ويَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ، إنَّما الصَّدَقَةُ عَلى ظَهْرِ غِنًى) . وفي حَدِيثِ سَعْدٍ: (لَأنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَفْوُ نَقِيضُ الجَهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجَهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنْفِقُوا ما فَضَلَ عَنْ حَوائِجِكم ولَمْ تُؤْذُوا فِيهِ أنْفُسَكم فَتَكُونُوا عالَةً. وقالَ الرّاغِبُ: العَفْوُ مُتَناوِلٌ لِما هو واجِبٌ ولِما هو تَبَرُّعٌ، وهو الفَضْلُ عَنِ (p-١٥٩)الغِنى، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الفَضْلُ عَنِ القُوتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”العَفْوَ“ بِالنَّصْبِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ ”قُلْ يُنْفِقُونَ العَفْوَ“، وعَلى هَذا الأوْلى في قَوْلِهِ: ”ماذا يُنْفِقُونَ“ أنْ يَكُونَ ماذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُنْفِقُونَ، وتَكُونَ كُلُّها اسْتِفْهامِيَّةً. التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ ؟ فَأُجِيبُوا بِالنَّصْبِ لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و”ذا“ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، وهي خَبَرُهُ، ولا يَكُونُ إذْ ذاكَ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى، ويَكُونُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفًا لِوُجُودِ شَرْطِ الحَذْفِ فِيهِ، تَقْدِيرُهُ: ما الَّذِي يُنْفِقُونَهُ ؟، وقَرَأأبُو عَمْرٍو: ”قُلِ العَفْوَ“ بِالرَّفْعِ، والأوْلى إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ”قُلِ المُنْفَقُ العَفْوُ“، وأنْ يَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و”ذا“ مَوْصُولٌ، كَما قَرَّرْناهُ؛ لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِيُنْفِقُونَ، وتَكُونَ المُطابَقَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، واخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في العَفْوِ، فَرُوِيَ عَنْهُ النَّصْبُ كالجُمْهُورِ، والرَّفْعُ كَ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ - وقَدْ ذَكَرَ القِراءَتَيْنِ في العَفْوِ - ما نَصُّهُ: وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى ”ما“، فَمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً، و”ذا“ خَبَرَهُ بِمَعْنى الَّذِي، وقَدَّرَ الضَّمِيرَ في يُنْفِقُونَهُ عائِدًا؛ قَرَأ العَفْوُ بِالرَّفْعِ لِتَصِحَّ مُناسَبَةُ الحَمْلِ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم، أوِ: الَّذِي يُنْفِقُونَ العَفْوُ. ومَن جَعَلَ ”ماذا“ اسْمًا واحِدًا مَفْعُولَ ”يُنْفِقُونَ“ قَرَأ العَفْوَ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وصَحَّ لَهُ التَّناسُبُ. ورَفْعُ العَفْوِ مَعَ نَصْبِ ”ما“ جائِزٌ ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها. انْتَهى كَلامُهُ. وتَقْدِيرُهُ: العَفْوُ إنْفاقُكم، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ أتى بِالمَصْدَرِ، ولَيْسَ السُّؤالُ عَنِ المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: جائِزٌ، ضَعِيفٌ، وكَذَلِكَ نَصْبُهُ مَعَ رَفْعِها لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ هو جائِزٌ، ولَيْسَ بِضَعِيفٍ. * * * ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، الكافُ لِلتَّشْبِيهِ وهي في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أيْ: تَبْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ يُبَيِّنُ، أوْ في حالِ كَوْنِهِ مِنها ذَلِكَ التَّبْيِينَ يُبَيِّنُهُ، أيْ: يُبَيِّنُ التَّبْيِينَ مُماثِلًا لِذَلِكَ التَّبْيِينِ، واسْمُ الإشارَةِ الأقْرَبُ أنْ يَعُودَ إلى الأقْرَبِ مِن تَبَيُّنِهِ حالَ المُنْفِقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو تَبْيِينُ أنَّ العَفْوَ أصْلَحُ مِنَ الجَهْدِ في النَّفَقَةِ أوْ حُكْمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والإنْفاقَ القَرِيبِ. أيْ: مِثْلَ ما يُبَيِّنُ في هَذا يُبَيِّنُ في المُسْتَقْبَلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يُوَضِّحُ الآياتِ مِثْلَ ما أوْضَحَ هَذا، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى بَيانِ ما سَألُوا عَنْهُ، فَبَيَّنَ لَهم كَتَبْيِينِ مَصْرَفِ ما يُنْفِقُونَ، وتَبْيِينِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ عِلْمُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، وتَبْيِينِ حُكْمِ القِتالِ، وتَبْيِينِ حالِهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَبْيِينِ حالِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وتَبْيِينِ مِقْدارِ ما يُنْفِقُونَ. وأبْعَدَ مَن خَصَّ اسْمَ الإشارَةِ بِبَيانِ حُكْمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ فَقَطْ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ مَن جَعَلَهُ إشارَةً إلى بَيانِ ما سَبَقَ في السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. وكافُ الخِطابِ إمّا أنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِلسّامِعِ أوْ لِلْقَبِيلِ؛ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ، أوْ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِمَعْنى ”كَذَلِكم“ وهي لُغَةُ العَرَبِ يُخاطِبُونَ الجَمْعَ بِخِطابِ الواحِدِ، وذَلِكَ في اسْمِ الإشارَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا هُنا قَوْلُهُ: (يُبَيِّنُ لَكم)، فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ. (لَكُمُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَيِّنُ“، واللّامُ فِيها لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لَكَ، ويَبْعُدُ فِيها التَّعْلِيلُ، والآياتُ: العَلاماتُ والدَّلائِلُ، لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ: تَرْجِئَةٌ لِلتَّفَكُّرِ تَحْصُلُ عِنْدَ تَبْيِينِ الآياتِ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَتِ الآيَةُ مُبِيَّنَةً وواضِحَةً لا لَبْسَ فِيها؛ تَرَتَّبَ عَلَيْها التَّفَكُّرُ والتَّدَبُّرُ فِيما جاءَتْ لَهُ تِلْكَ الآيَةُ الواضِحَةُ مِن أمْرِ الدُّنْيا وأمْرِ الآخِرَةِ. و(في الدُّنْيا والآخِرَةِ)، الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلتَّفَكُّرِ ومُتَعَلِّقًا بِهِ، ويَكُونَ تَوْضِيحُ الآياتِ لِرَجاءِ التَّفَكُّرِ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مُطْلَقًا، لا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ مِن أحْوالِها، بَلْ لِيَحْصُلَ التَّفَكُّرُ فِيما يُعْنَ مِن أمْرِهِما، وهَذا ذَكَرَ مَعْناهُ أوَّلًا الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ ”تَتَفَكَّرُونَ“ فِيما يَتَعَلَّقُ (p-١٦٠)بِالدّارَيْنِ، فَتَأْخُذُونَ بِما هو أصْلَحُ لَكم، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وتَسْتَدْرِكُونَ طاعَتَهُ في الدُّنْيا، وثَوابَهُ في الآخِرَةِ، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: تَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ النَّفَقَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَتُمْسِكُونَ مِن أمْوالِكم ما يُصْلِحُكم في مَعاشِ الدُّنْيا، وتُنْفِقُونَ الباقِيَ فِيما يَنْفَعُكم في العُقْبى، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في زَوالِ الدُّنْيا وبَقاءِ الآخِرَةِ؛ فَتَعْمَلُونَ لِلْباقِي مِنهُما. قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في مَنافِعِ الخَمْرِ في الدُّنْيا، ومَضارِّها في الآخِرَةِ؛ فَلا تَخْتارُوا النَّفْعَ العاجِلَ عَلى النَّجاةِ مِنَ العِقابِ المُسْتَمِرِّ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: تَتَفَكَّرُونَ في الدُّنْيا فَتُمْسِكُونَ، وفي الآخِرَةِ فَتَتَصَدَّقُونَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”يُبَيِّنُ لَكُمُ“ الآياتِ، لا بِـ ”تَتَفَكَّرُونَ“، ويَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ ”يُبَيِّنُ“ أيْ: يُبَيِّنُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. ولا بُدَّ مِن تَأْوِيلٍ عَلى هَذا إنْ كانَ التَّبْيِينُ لِلْآياتِ يَقَعُ في الدُّنْيا؛ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ يَقَعُ فِيهِما فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ الآياتِ - وهي العَلاماتُ - يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: ”كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ“، قالَ: ويُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِتَعَلُّقِ ”في الدُّنْيا والآخِرَةِ“ بِـ ”تَتَفَكَّرُونَ“، فَفَرْضُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ، يَكُونُ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا الدَّلِيلِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ لِأنَّ ”لَعَلَّ“ هُنا جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ، فَهي كالمُتَعَلِّقَةِ بِـ ”يُبَيِّنُ“، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهي والظَّرْفُ مِن مَطْلُوبِ ”يُبَيِّنُ“، وتَقَدُّمُ أحَدِ المَطْلُوبَيْنِ وتَأخُّرُ الآخَرِ، لا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ“ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ لِأنَّ شَرْطَ جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ أنْ تَكُونَ فاصِلَةً بَيْنَ مُتَقاضِيَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِينَ آياتٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِما وعَلى مَنزِلَتِهِما، لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في تِلْكَ الآياتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَقَوْلُهُ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِالآياتِ، انْتَهى كَلامُهُ. وشَرَحَ مَكِّيٌّ الآيَةَ بِأنْ جَعَلَ الآياتِ مُنَكَّرَةً، حَتّى يَجْعَلَ الظَّرْفَيْنِ صِفَةً لِلْآياتِ، والمَعْنى عِنْدَهُ: آياتٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو شَرْحُ مَعْنى لا شَرْحُ إعْرابٍ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِالآياتِ، إنْ عَنى ظاهِرَ ما يُرِيدُهُ النُّحاةُ بِالتَّعَلُّقِ فَهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ الآياتِ لا يَتَعَلَّقُ بِها جارٌّ ومَجْرُورٌ، ولا تَعْمَلُ في شَيْءٍ البَتَّةَ، وإنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ الظَّرْفُ مِن تَمامِ الآياتِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِاعْتِقادِ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ مَكِّيٌّ بِما يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ صِفَةً، إذْ قَدَّرَ الآياتِ مُنَكَّرَةً، والحالَ والصِّفَةَ سَواءً في أنَّ العامِلَ فِيهِما مَحْذُوفٌ إذا كانا ظَرْفَيْنِ أوْ مَجْرُورَيْنِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ ”في الدُّنْيا“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لا بِالآياتِ، وعَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ تَكُونُ الآياتُ مَوْصُولًا وُصِلَ بِالظَّرْفِ؛ ولِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ ورَدِّهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب