الباحث القرآني

(p-١٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَوْضِعُ "أنَّ" الثانِيَةِ رَفْعٌ، التَقْدِيرُ: "فَحُكْمُهُ أنَّ"، فَهي في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والغَنِيمَةُ في اللُغَةِ ما يَنالُهُ الرَجُلُ أوِ الجَماعَةُ بِسَعْيٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وقَدْ طُفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ وقالَ آخَرُ: ؎ ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في الرَهْنِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ مَخْرَجُهُ"،» وقَوْلُهُ: « "الصِيامُ في الشِتاءِ هو الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"». فالشَيْءُ الَّذِي يَنالُهُ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ بِالسَعْيِ وإيجافِ الخَيْلِ والرِكابِ: غَنِيمَةٌ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ هَذا المَعْنى حَتّى صارَ عُرْفًا لَهُ. والفَيْءُ مَأْخُوذٌ مِن "فاءَ يَفِيءُ" إذا رَجَعَ، وهو كُلُّ ما دَخَلَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ (p-١٩٣)حَرْبٍ ولا إيجافٍ كَخَراجِ الأرْضِ، وجِزْيَةِ الجَماجِمِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ، ونَحْوِ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والزَكَواتُ أيْضًا مالٌ عَلى حِدَتِهِ، أحْكامُهُ مُنْفَرِدَةٌ دُونَ أحْكامِ هَذَيْنِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "الغَنِيمَةُ: ما أُخِذَ عنوَةً والفَيْءُ: ما أُخِذَ صُلْحًا"، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا بَيَّناهُ. وقالَ قَتادَةُ: الفَيْءُ والغَنِيمَةُ شَيْءٌ واحِدٌ فِيهِما الخُمْسُ، وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في الأنْفالِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ كانَتِ الحُكْمَ أوَّلًا، ثُمَّ أعْطى اللهُ أهْلَها الخُمْسَ فَقَطْ، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ في المُقاتِلِينَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ نَصَّ العُلَماءُ عَلى ضَعْفِهِ، وأنْ لا وجْهَ لَهُ مِن جِهاتٍ، مِنها أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، هَذِهِ بِبَدْرٍ، وتِلْكَ في بَنِي النَضِيرِ وقُرى عُرَيْنَةَ. ولِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَّفِقَتانِ وحُكْمُ الخُمْسِ وحُكْمُ تِلْكَ الآيَةِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ في بَنِي النَضِيرِ حِينَ جُلُوا وهَرَبُوا، وأهْلُ فَدَكٍ حِينَ دُعُوا إلى صُلْحٍ ونالَ المُسْلِمُونَ ما لَهم دُونَ إيجافٍ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّ في الفَيْءِ الخُمْسَ، وأنَّهُ كانَ في قُرى عُرَيْنَةَ زَمَنَ النَبِيِّ ﷺ، وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُها حَيْثُ شاءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةُ، ولَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنائِمَ بَدْرٍ فَنُسِخَ حُكْمُهُ في تَرْكِ التَخْمِيسِ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في البُخارِيِّ: "كانَتْ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ بِبَدْرٍ، وشارِفٌ أعْطانِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الخُمْسِ حِينَئِذٍ" أنَّ (p-١٩٤)غَنِيمَةَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَسَدَ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُمْسُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِن إحْدى الغَزَواتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَقَدْ كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، وغَزْوَةُ السَوِيقِ، وغَزْوَةُ ذِي أمْرٍ، وغَزْوَةُ بَحْرانِ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيها قِتالٌ ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ غُنِمَتْ غَنائِمُ. واللهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ، فَأمّا الناضُّ والمَتاعُ والأطْفالُ والنِساءُ وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الحَيَوانِ ويَصِحُّ تَمَلُّكُهُ فَلَيْسَ لِلْإمامِ في جَمِيعِ ذَلِكَ ما كَثُرَ مِنهُ وما قَلَّ كالخايِطِ والمَخِيطِ إلّا أنْ يَأْخُذَ الخُمْسَ ويُقَسِّمَ الباقِيَ في أهْلِ الجَيْشِ، وأمّا الأرْضُ فَقالَ فِيها مالِكٌ: يُقَسِّمُها الإمامُ إنْ رَأى ذَلِكَ صَوابًا كَما فَعَلَ النَبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ، ولا يُقَسِّمُها إنْ أدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى ذَلِكَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأرْضِ مِصْرَ وسَوادِ الكُوفَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ فِعْلَ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَيْسَ بِمُخالِفٍ لِفِعْلِ النَبِيِّ ﷺ، إذْ لَيْسَتِ النازِلَةُ واحِدَةً بِحَسَبِ قَرائِنِ الوَقْتَيْنِ وحاجَةِ الصَحابَةِ وقِلَّتِهِمْ، وهَذا كُلُّهُ انْعَكَسَ في زَمانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا الرِجالُ ومَن شارَفَ البُلُوغَ مِنَ الصِبْيانِ فالإمامُ -عِنْدَ مالِكٍ وجُمْهُورِ العُلَماءِ- مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلى خَمْسَةِ أوجُهٍ، مِنها: القَتْلُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في أهْلِ الشَجاعَةِ والنِكايَةِ، ومِنها: الفِداءُ، وهو مُسْتَحْسَنٌ في ذِي المَنصِبِ الَّذِي لَيْسَ بِشُجاعٍ ولا يُخافُ مِنهُ رَأْيٌ ولا مَكِيدَةٌ لِانْتِفاعِ المُسْلِمِينَ بِالمالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنهُ، ومِنها: المَنُّ، وهو مُسْتَحْسَنٌ فِيمَن يُرْجى أنْ يَحْنُوَ عَلى أسْرى المُسْلِمِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ، ومِنها: الِاسْتِرْقاقُ، ومِنها: ضَرْبُ الجِزْيَةِ والتَرْكُ في الذِمَّةِ. وأمّا الطَعامُ والغَنَمُ ونَحْوُهُما مِمّا يُؤْكَلُ فَهو مُباحٌ في بَلَدِ العَدُوِّ يَأْكُلُهُ الناسُ فَما بَقِيَ كانَ في المَغْنَمِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا أرْبَعَةُ أخْماسِ ما غَنِمَ فَيُقَسِّمُهُ الإمامُ عَلى الجَيْشِ، ولا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ (p-١٩٥)القِسْمَةِ فَأنا أخْتَصِرُهُ هُنا، وأمّا الخُمْسُ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ. قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الرَأْيُ فِيهِ لِلْإمامِ يُلْحِقُهُ بِبَيْتِ الفَيْءِ، ويُعْطِي مِن ذَلِكَ البَيْتِ لِقَرابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ما رَآهُ، كَما يُعْطِي مِنهُ اليَتامى والمَساكِينَ وغَيْرَهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ عَلى وجْهِ التَنْبِيهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ، قالَ الزَجّاجُ مُحْتَجًّا لِمالِكٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، ولِلْإمامِ بِإجْماعٍ أنْ يُنْفِقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ إذا رَأى ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الخُمْسُ يُقَسَّمُ عَلى سِتَّةِ أقْسامٍ: قِسْمٍ لِلَّهِ وهو مَرْدُودٌ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ أو عَلى بَيْتِ اللهِ، وقِسْمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِسْمٍ لِقَرابَتِهِ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ، حَكى القَوْلَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ورُدَّ عَلَيْهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ: كانَ النَبِيُّ ﷺ يَقْبِضُ مِن خُمْسِ الغَنِيمَةِ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الباقِي عَلى خَمْسَةٍ، قِسْمٍ لَهُ، وقِسْمٍ لِسائِرِ مَن سُمِّيَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، والشافِعِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِعَبْدِهِ: "قَدْ أعْتَقَكَ اللهُ وأعْتَقْتُكَ" عَلى جِهَةِ التَبَرُّكِ وتَفْخِيمِ الأمْرِ، والدُنْيا كُلُّها لِلَّهِ، وقِسْمُ اللهِ وقِسْمُ الرَسُولِ واحِدٌ، وكانَ الرَسُولُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يُقَسِّمُ الخُمْسَ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ كَما تَقَدَّمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا فِيما رَوى عنهُ الطَبَرِيُّ: الخُمْسُ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وسَهْمُ الرَسُولِ ﷺ لِقَرابَتِهِ ولَيْسَ لِلَّهِ ولا لِلرَّسُولِ شَيْءٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قِسْمُ الرَسُولُ ﷺ، بَعْدَ مَوْتِهِ مَرْدُودٌ عَلى أهْلِ الخُمْسِ، القَرابَةِ وغَيْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَيْشِ أصْحابِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَلِي الإمامُ مِنهم سَهْمَ اللهِ ورَسُولِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (p-١٩٦)مَوْقُوفٌ لِشِراءِ العِدَدِ والكُراعِ في سَبِيلِ اللهِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيهِ. وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: الخُمْسُ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ، مَقْسُومٌ ثَلاثَةَ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ لِلْيَتامى، وقِسْمٌ لِلْمَساكِينِ، وقِسْمٌ لِابْنِ السَبِيلِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُوَرِّثْ، فَسَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وحُجَّتُهم فِيهِ مَنعُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِذَوِي القُرْبى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَثْبُتِ المَنعُ، بَلْ عُورِضَ بَنُو هاشِمٍ بِأنَّ قُرَيْشًا قُرْبى، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ في مُدَّةٍ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَغْنَمٌ. وقالَ الشافِعِيُّ: يُعْطى أهْلُ الخُمْسِ مِنهُ ولا بُدَّ، ويُفَضِّلُ الإمامُ أهْلَ الحاجَةِ ولَكِنْ لا يَحْرِمُ صِنْفًا مِنهم حِرْمانًا تامًّا، وقَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ لِلْإمامِ أنْ يُعْطِيَ الأحْوَجَ وإنْ حَرَمَ الغَيْرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَخْصُوصًا مِنَ الغَنِيمَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، كانَ لَهُ خُمْسُ الخُمْسِ، وكانَ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ في سائِرِ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وكانَ لَهُ صَفِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ القِسْمَةِ، دابَّةٌ أو سَيْفٌ أو جارِيَةٌ، ولا صَفِيَّ لِأحَدٍ بَعْدَهُ بِإجْماعٍ إلّا ما قالَ أبُو ثَوْرٍ مِن أنَّ الصَفِيَّ باقٍ لِلْإمامِ، وهو قَوْلٌ مَعْدُودٌ في شَواذِّ الأقْوالِ. وذَوُو القُرْبى: قَرابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "هم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَدَقَةُ فَجُعِلَ لَهم خُمْسُ الخُمْسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَكِنْ أبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: "قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى". وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "هم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ فَقَطْ"، «وَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ في وقْتِ قِسْمَةِ سَهْمِ ذَوِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي (p-١٩٧)المُطَّلِبِ:» "إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، ما فارَقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا في الإسْلامِ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانُوا مَعَ بَنِي هاشِمٍ في الشِعْبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قُرَيْشٌ كُلُّها قُرْبى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهُما قالا: "الآيَةُ كُلُّها في قُرَيْشٍ"، والمُرادُ: يَتامى قُرَيْشٍ ومَساكِينُها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَهْمُ القَرابَةِ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ مَوْقُوفٌ عَلى قَرابَتِهِ، وقَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو لِقَرابَةِ الإمامِ القائِمِ بِالأمْرِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى طُعْمَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ما كانَ حَيًّا، فَلَمّا تُوُفِّيَ جُعِلَ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصَرِيِّ. وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ الناسُ في هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ بَعْدَ وفاةِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ النَبِيِّ ﷺ لِقَرابَةِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَ قَوْمٌ: سَهْمُ القَرابَةِ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ غَيْرُ الحَسَنِ: وعُمَرُ. واليَتامى: الَّذِينَ فَقَدُوا آباءَهم مِنَ الصِبْيانِ، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، والمِسْكِينُ: الَّذِينَ لا شَيْءَ لَهُمْ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُكُونِ وقِلَّةِ الحِراكِ. وابْنُ السَبِيلِ: الرَجُلُ المُجْتازُ الَّذِي قَدِ احْتاجَ في سَفَرٍ، وسَواءٌ كانَ غَنِيًّا في بَلَدِهِ أو فَقِيرًا فَإنَّهُ ابْنُ السَبِيلِ، يُسَمّى بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ السَبِيلَ تُبْرِزُهُ فَكَأنَّها تَلِدُهُ، وإمّا لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلَ كَما قالُوا: ابْنُ ماءٍ وأخُو سَفَرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنى"،» وقَدْ تَقَدَّمَ. (p-١٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدِ اقْتَضَبْتُ فِقْهَ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ الِاخْتِصارِ، واللهُ المُسْتَعانُ. و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ( ما غَنِمْتُمْ ) بِمَعْنى الَّذِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْها، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "أنَّهُ ما"، وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إلّا في الشِعْرِ، ومِنهُ: ؎ إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗................. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُعْفِيُّ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وحُسَيْنٌ عن أبِي عَمْرٍو: "فَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ الآيَةُ، قالَ الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم إنْ كُنْتُمْ، فَـ"إنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذا الوَعْدِ، وقالَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( واعْلَمُوا ) يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِانْقِيادٍ وتَسْلِيمٍ لِأمْرِ اللهِ في الغَنائِمِ، فَعَلَّقَ "إنْ" بِقَوْلِهِ: ( واعْلَمُوا ) عَلى هَذا المَعْنى، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ (p-١٩٩)فانْقادُوا وسَلِّمُوا لِأمْرِ اللهِ فِيما أعْلَمَكم بِهِ مِن حالِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( بِاللهِ ) والمُشارُ إلَيْهِ بِـ "ما" هو النَصْرُ والظُهُورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تُبارِكُ و تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ عَلى نَبِيِّهِ وأصْحابِهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ وبِهَذِهِ الآياتِ والعَظائِمِ الباهِرَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قُرْآنٍ نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ أو في قِصَّةِ يَوْمِ بَدْرٍ عَلى تَكَرُّهٍ في هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَإنَّ خُمْسَهُ لِكَذا وكَذا إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ، أيْ: فانْقادُوا لِذَلِكَ وسَلِّمُوا، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ في المَعْنى، ويَعْتَرِضُ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الظَرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكَلامِ. و﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِ الشَرَكِ، والفُرْقانُ: مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ يَفْرُقُ، والجَمْعانِ: يُرِيدُ جَمْعَ المُسْلِمِينَ وجَمْعَ الكُفّارِ، وهو يَوْمُ الوَقْعَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها صَنادِيدُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وعَلَيْهِ نَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومِقْسَمٌ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وكانَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ السابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ في السَنَةِ الثانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ أبُو صالِحٍ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ، وشَكَّ في ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وقالَ: لِتِسْعَ عَشْرَةَ أو لِسَبْعَ عَشْرَةَ، والصَحِيحُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وقوله عزّ وجلّ: ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يُعَضِّدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يُرادُ بِهِ النَصْرُ والظَفَرُ، أيِ:الآياتُ والعَظائِمُ مِن غَلَبَةِ القَلِيلِ الكَثِيرَ، وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب