الباحث القرآني
(p-22)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِبَدْرٍ، وقالَ الواقِدِيُّ: كانَ الخُمُسُ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وما مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ أيِ: الَّذِي أصَبْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ عَنْوَةً، وأصْلُ الغَنِيمَةِ إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ وأُطْلِقَ عَلى ما أُصِيبَ مِنهم كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن عائِدِ المَوْصُولِ، قُصِدَ بِهِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الغَنِيمَةِ، وأنْ لا يَشِذَّ عَنْها شَيْءٌ، أيْ: ما غَنِمْتُمُوهُ كائِنًا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطُ والمَخِيطُ خَلا أنَّ سَلَبَ المَقْتُولِ لِلْقاتِلِ إذا نَفَّلَهُ الإمامُ، وأنَّ الأُسارى يُخَيَّرُ فِيها الإمامُ، وكَذا الأراضِي المَغْنُومَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَحَقٌّ أوْ واجِبٌ أنَّ لَهُ تَعالى خُمُسَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ "لِأنَّما"... إلَخْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ، والأوَّلُ آكَدُ وأقْوى في الإيجابِ لِما فِيهِ مِن تَكَرُّرِ الإسْنادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن ثَباتِ الخُمُسِ ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، وقُرِئَ (فَلِلَّهِ خُمُسُهُ)، وقُرِئَ (خُمْسَهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ وأنَّ المُرادَ قِسْمَةُ الخُمُسِ عَلى المَعْطُوفِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وإعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى - دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ - لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَزِيدِ اتِّصالِهِمْ بِهِ ﷺ وهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ، لِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُما قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ، لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهُمْ، أرَأيْتَ إخْوانَنا بَنِي المُطَّلِبِ؟ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، إنَّما بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ»» وكَيْفِيَّةُ قِسْمَتِها عِنْدَنا، أنَّها كانَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ ﷺ وسَهْمٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِن ذَوِي قُرْباهُ، وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وأمّا بَعْدَهُ ﷺ فَسَهْمُهُ ساقِطٌ، وكَذا سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، فَهم أُسْوَةٌ لِسائِرِ الفُقَراءِ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهُمْ، فَيُقَسَّمُ عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ مَنَعَ بَنِي هاشِمٍ الخُمُسَ، وقالَ: إنَّما لَكم أنْ يُعْطى فَقِيرُكُمْ، وتُزَوَّجَ أيِّمُكُمْ، ويُخْدَمَ مَن لا خادِمَ لَهُ مِنكُمْ، ومَن عَداهم فَهو بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ الغَنِيِّ، لا يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، قالَ: لَيْسَ لَنا أنْ نَبْنِيَ مِنهُ قُصُورًا، ولا نَرْكَبَ مِنهُ البَراذِينَ، وقِيلَ: سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ.
وَأمّا عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يَصْرِفُهُ ﷺ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، كَعُدَّةِ الغُزاةِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى مِن أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ، يُقَسَّمُ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، والباقِي لِلْفِرَقِ الثَّلاثِ.
(p-23)وَعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، إنْ رَأى قَسَّمَهُ بَيْنَ هَؤُلاءِ، وإنْ رَأى أعْطاهُ بَعْضًا مِنهم دُونَ بَعْضٍ، وإنْ رَأى غَيْرَهم أوْلى وأهَمَّ فَغَيْرُهم.
وَتَعَلَّقَ أبُو العالِيَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: يُقَسَّمُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ تَعالى إلى رِتاجِ الكَعْبَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ، كانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِمَصالِحِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، وقِيلَ: سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ، وقِيلَ: هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ هَذا شَأْنُ الخُمُسِ، وأمّا الأخْماسُ الأرْبَعَةُ فَتُقَسَّمُ بَيْنَ الغانِمِينَ، لِلرّاجِلِ سَهْمٌ ولِلْفارِسِ سَهْمانِ - عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وثَلاثَةُ أسْهُمٍ عِنْدَهُما رَحِمَهُما اللَّهُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الخُمُسِ وسَكَتَ عَنِ الباقِي دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَذْكُورُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِهِ تَعالى فاعْلَمُوا أنَّ الخُمُسَ مِنَ الغَنِيمَةِ يَجِبُ التَّقَرُّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فاقْطَعُوا أطْماعَكم مِنهُ، واقْتَنَعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُجَرَّدَ العِلْمِ بِذَلِكَ، بَلِ العِلْمَ المَشْفُوعَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِهِ تَعالى ﴿وَما أنْزَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلْناهُ ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ وقُرِئَ (عُبُدِنا) وهو اسْمُ جَمْعٍ، أُرِيدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، فَإنَّ بَعْضَ ما نَزَلَ نازِلٌ عَلَيْهِمْ بِالذّاتِ كَما سَتَعْرِفُهُ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَنصُوبٌ بِأنْزَلْنا أوْ بِآمَنتُمْ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيِ: الفَرِيقانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو بَدَلٌ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ) أوْ مَنصُوبٌ بِالفُرْقانِ، والمُرادُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مِنَ الوَحْيِ والمَلائِكَةِ والفَتْحِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْزالِ مُجَرَّدُ الإيصالِ والتَّيْسِيرِ، فَيَنْتَظِمُ الكُلُّ انْتِظامًا حَقِيقِيًّا، وجُعِلَ الإيمانُ بِإنْزالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن مُوجِباتِ العِلْمِ بِكَوْنِ الخُمُسِ لِلَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الوَحْيَ ناطِقٌ بِذَلِكَ، وإنَّ المَلائِكَةَ والفَتْحَ لَمّا كانا مِن جِهَتِهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِسَبَبِهِما مِنَ الغَنِيمَةِ مَصْرُوفَةً إلى الجِهاتِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ، والذَّلِيلِ عَلى العَزِيزِ، كَما فَعَلَ بِكم ذَلِكَ اليَوْمَ.
{"ayah":"۞ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَیۡءࣲ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا یَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ یَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











