الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ مضى الكلام فيه [[تقدم قريبًا.]]. وقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال الليث: السحت: كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار [["العين" 3/ 132، "تهذيب اللغة" 2/ 1637 (سحت).]]. وأجمعوا على أن المراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 6/ 239، و"معاني الزجاج" 2/ 177، و"بحر العلوم" 1/ 438، و"معاني النحاس" 2/ 309، و"النكت والعيون" 2/ 40، البغوي في "تفسيره" 3/ 58.]]. وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونه، فسمعوا كذبه وأكلوا رشوته [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 239، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58، "زاد المسير" 2/ 360.]]. فأما اشتقاق السُّحت: فقال الزجاج: إن الرِّشَا التي يأخذونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 177، "معاني النحاس" 2/ 309.]]. وذكر عن الفراء أنه قال: (أصله [[ما بين القوسين ساقط من (ج)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.]]) كَلَبُ الجوع، يقال: رجل مسحوتُ المعدة، إذا كان أكولا، لا يُلقى إلا جائعًا أبدًا، قال رؤبة [[هو رؤبة بن العجاج عبد الله بن رؤبة التميمي، من الشعراء الرجاز. كان رأسًا في اللغة، قيل إنه توفي سنة 145 هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 394، "طبقات الشعراء" 33، "سير أعلام النبلاء" 6/ 162.]] في قصة يونس (عليه السلام [[ساقطة من (ج).]]) والحوت: يدفع عنه جوفُه المَسْحوتُ [[عجز بيت من الرجز وصدره: والليل فوق الماء مستميت "ديوان رؤبة" ص 27، "تهذيب اللغة" 2/ 1638. ويدفع رُوي بالبناء للمفعول، والمعنى: نحى الله جل وعز جوانب جوف الحوت عن يونس، وجافاه عنه فلا يصيبه منه أذى. ورُوي بالبناء للفاعل يدفع والمعنى: أن جوف الحوت صار وقاية له من الغرق، وإنما دفع الله جل وعز عنه.]] أي: الجائع [[لم أقف على قول الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.]]. فالسحت حرام يحمل عليه الشره كشره المسحوت المعدة، وعلى ما قال الليث، إنه حرام يلزم منه العار، يمكن أن يقال: سمي سُحْتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. هذا تخيير للنبي ﷺ في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم، وإن شاء ترك [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 242، "معاني الزجاج" 2/ 177، "بحر العلوم" 1/ 438.]]. واختلفوا في ثبوت هذا التخيير: فقال إبراهيم والشعبي وعطاء وقتادة: إنه ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا [[أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 243 - 244، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 293، "معاني النحاس" 2/ 310، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 59، وبهذا القول قال الإِمام أحمد -رحمه الله- انظر: "زاد المسير" 2/ 361، ورجحه الطبري في "تفسيره" 6/ 246.]]. وقال آخرون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]. وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي وعكرمة والسدي [[انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 134، والطبري في "تفسيره" 6/ 245 - 246، و"معاني النحاس" 2/ 310، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 294، 195، و"النكت والعيون" 2/ 45، والبغوي في "تفسيره" 3/ 59.]]، ورُوي ذلك عن ابن عباس [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 134، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 294 بإسناد صحيح، وانظر المصادر السابقة.]]. ومذهب الشافعي أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم [[انظر: "الأم" 4/ 210، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 296.]]. فأما المُعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية إنما يثبت للحاكم بين المعاهدين [[انظر: "الأم" 4/ 210، والشافعي -رحمه الله- اعتبر هؤلاء: الموادعين، أما المعاهدون فلا خيار في حقهم وسيأتي قريبًا.]]. قال الشافعي: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة وادع اليهود كافة [["الأم" 6/ 210.]]، فالتخيير بهذا السبب. فأما إذا قبلوا الجزية ورضوا بجريان أحكامها عليهم، فليس للحاكم أن يُعرض عنهم إذا تحاكموا إليه [[انظر: "الأم" 4/ 210، وهؤلاء هم المعاهدون.]]. قال أبو عبيد: وهذا هو الأولى عندنا؛ لأن في ردهم إلى أحكامهم معونةً على جورهم وأخذهم الرشا في الحكم [[انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 242.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب