الباحث القرآني

ولَمّا ذَكَرَ التَّحْرِيفَ؛ ذَكَرَ أثَرَهُ؛ وهو الحُكْمُ بِهِ؛ فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِمْ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ؛ وتَقْبِيحِ شَأْنِهِمْ: ﴿سَمّاعُونَ﴾؛ أيْ: هم في غايَةِ الشَّهْوَةِ؛ والِانْهِماكِ في سَماعِهِمْ ذَلِكَ؛ ﴿لِلْكَذِبِ أكّالُونَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ ﴿لِلسُّحْتِ﴾؛ أيْ: الحَرامِ؛ الَّذِي يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يَسْتَأْصِلُها؛ وهو كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ؛ وذَلِكَ أخَذُهُمُ الرُّشا لِيَحْكُمُوا بِالباطِلِ؛ عَلى نَحْوِ ما حَرَّفُوهُ؛ وغَيْرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ قالَ الشَّيْخُ أبُو العَبّاسِ المُرْسِي: ومَن آثَرَ مِنَ الفُقَراءِ السَّماعَ لِهَواهُ؛ وأكَلَ ما حَرَّمَهُ مَوْلاهُ؛ فَقَدِ اسْتَهْوَتْهُ نَزْعَةٌ يَهُودِيَّةٌ؛ فَإنَّ القَوّالَ يَذْكُرُ العِشْقَ؛ والمَحَبَّةَ؛ والوَجْدَ؛ وما عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ. ولَمّا كانُوا قَدْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى إبْرامِ الحُكْمِ بِما أرادُوهُ؛ فَيَطْمَعُونَ في أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِواسِطَةِ تَرافُعِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَرافَعُونَ إلَيْهِ؛ فَإنْ حَكَمَ بَيْنَهم بِما أرادُوا قَبِلُوهُ؛ واحْتَجُّوا بِهِ عَلى (p-١٤٢)مَن لَعَلَّهُ يُخالِفُهُمْ؛ وإنْ حَكَمَ بِما لَمْ يُرِيدُوهُ قالُوا: لَيْسَ هَذا في دِينِنا - طَمَعًا في أنْ يُخَلِّيَهُمْ؛ فَلا يُلْزِمَهم بِما حَكَمَ -؛ أعْلَمَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِما يَفْعَلُ في أمْرِهِمْ؛ وحَذَّرَهُ غَوائِلَ مَكْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُفَوِّضًا الخَيَرَةَ إلَيْهِ في أمْرِ المُعاهِدِينَ إلى مُدَّةٍ - وأمّا أهْلُ الجِزْيَةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهم إذا تَرافَعُوا إلى حاكِمِنا -؛ مُسَبِّبًا عَنْ أكْلِهِمُ الحَرامَ؛ وسَماعِهِمُ الكَذِبَ -: ﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾؛ أيْ: طَمَعًا في أنْ تُؤْتِيَهم ما حَرَّفُوا إلَيْهِ الكَلِمَ؛ ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: إنْ شِئْتَ؛ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الحَقِّ؛ ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ﴾ دالًّا - بِعَطْفِهِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ - أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنْ حَكَمْتَ بَيْنَهم لَمْ يَنْفَعُوكَ شَيْئًا؛ لِإقْبالِكَ عَلَيْهِمْ“؛ قالَ: وإنْ ﴿تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ كُلِّهِمْ؛ مِنَ المُصارِحِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لِإعْراضِكَ عَنْهُمْ؛ واسْتِهانَتِكَ بِهِمْ. ولَمّا كانَ التَّخْيِيرُ غَيْرَ مُرادِ الظّاهِرِ في جَوازِ الحُكْمِ بَيْنَهم عِنْدَ التَّرافُعِ إلَيْنا؛ وعَدَمِهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِمْ؛ أعْرَضَ عَنْهم أوَّلًا؛ فَحَقِيقَتُهُ بَيانُ العاقِبَةِ عَلى تَقْدِيرِي الفِعْلِ؛ والتَّرْكِ؛ عَلَّمَهُ كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ -: ﴿وإنْ حَكَمْتَ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ﴿فاحْكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعِ الحُكْمَ؛ ﴿بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: العَدْلِ؛ الَّذِي أراكَهُ اللَّهَ - عَلى أنَّ (p-١٤٣)الآيَةَ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ؛ والحُكْمُ في تَرافُعِ الكُفّارِ إلَيْنا أنَّهُ إنْ كانَ مِنهم أوْ مِن أحَدِهِمُ التِزامٌ لِأحْكامِنا؛ أمْ مِنّا؛ التِزامٌ لِلذَّبِّ عَنْهم وجَبَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ وإلّا لَمْ يَجِبْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾؛ أيْ: الفاعِلِينَ لِلْعَدْلِ السَّوِيِّ؛ مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب