الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الآيَةَ . أصْلُ السُّحْتِ: الِاسْتِئْصالُ، يُقالُ: أسْحَتَهُ إسْحاتًا إذا اسْتَأْصَلَهُ وأذْهَبَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١]: أيْ: يَسْتَأْصِلُكُمْ، ويُقالُ: أُسْحِتَ مالُهُ إذا أفْسَدَهُ، فَسَمّى الحَرامَ سُحْتًا لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ لِأهْلِهِ فِيهِ، ويَهْلَكُ بِهِ صاحِبُهُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ، فَأخْذُ الرَّشْوَةِ عَلى الحُكْمِ غايَةُ المَحْظُورِ مِنَ الرَّشْوَةِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُ الحَقِّ فَيَأْخُذُ الرَّشْوَةَ، ومِن أجْلِهِ مَنَعَ الشّافِعِيُّ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ، لِأنَّ الَّذِي يُنْكِرُ إذا جُعِلَ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَأنَّهُ بِما يَبْذُلُهُ مِنَ المالِ يَنْبَغِي رَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكانَ كالرَّشْوَةِ عَلى فِعْلٍ واجِبٍ أوْ رَفْعِ ظُلْمِهِ. (p-٧٥)ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يَسْتَشْفِعَ بِهِ إلى السُّلْطانِ مَن يَتَّقِي شَرَّ السُّلْطانِ، فَيَسْتَشْفِعُ لَهُ عَلى رَشْوَةٍ يَأْخُذُها مِنهُ. ويَقْرُبُ مِن هَذا أخْذُ القاضِي الهَدِيَّةَ، إذا كانَ لا يُهْدى إلَيْهِ مِن قَبْلُ. فالِارْتِشاءُ عَلى الحُكْمِ، هو الَّذِي ورَدَ فِيهِ اللَّعْنُ عَلى الرّاشِي والمُرْتَشِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والرَّشْوَةُ هي الَّتِي دَعَتِ اليَهُودُ إلى كِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن نُعُوتِ نَبِيِّنا عَلى الأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ، فَإنَّهم آثَرُوا حَظَّهم مِنَ الدُّنْيا عَلى اتِّباعِهِ، فَكَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن نُعُوتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا أغْرُوا بِهِ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وجَحَدُوا بِألْسِنَتِهِمْ ما اسْتَيْقَنَتْهُ أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُتُوًّا، فَأدّاهم شُؤْمُ الِارْتِشاءِ إلى الكُفْرِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَصارُوا إلى مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وعَذابِ الأبَدِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ: وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ: فَقالَ قائِلُونَ: يَتَخَيَّرُ الإمامُ في حَقِّهِمْ: إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم ورَدَّهم إلى دِينِهِمْ. وقالَ قائِلُونَ: التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ. والقَوْلانِ مَحْكِيّانِ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آيَتانِ نَسَخَتا مِنَ المائِدَةِ: آيَةَ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ . أمّا القَلائِدُ، فَنَسَخَها الأمْرُ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ كانُوا، وأيُّ شَهْرٍ كانُوا، وأمّا الأُخْرى فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] . (p-٧٦)ولا يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّهُ نَسَخَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ، فَإنَّ مُدْرِكَهُ التَّوْقِيفَ والعِلْمَ بِالتَّوارِيخِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أخْطَأ وغَلَطَ في الَّذِي ادَّعاهُ مِنَ التَّوْقِيفِ، ولَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ النَّسْخَ، وإذْا قالَ الصَّحابِيُّ أوِ التّابِعِيُّ كَذا مَنسُوخٌ بِكَذا، فَلا يُقْبَلُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]: المَنعَ مِنِ اتِّباعِ آرائِهِمْ فِيما قَدْ نُسِخَ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن جَوازِ الإعْراضِ عَنْهُمْ، مِثْلَ مَنُوبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم ما كانُوا إذْ ذاكَ داخِلِينَ في أحْكامِ الإسْلامِ، وإنَّما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُدْنَةٌ، أنْ لا يَتَعَرَّضَ لَهم ولا يُؤاخَذُونَ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الإسْلامِ، فَتَكُونُ مِنهم ولَهُمْ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم وإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، أمَرَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَسَيَكُونُ حُكْمًا لِلْآيَتَيْنِ جَمِيعًا تامًّا. فَإذا احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ: أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ، نَصًّا حَتّى يَحْتاجَ إلى طَلَبِ نَسْخِهِ، فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُؤاخَذُونَ بِأحْكامِ الإسْلامِ وتَفاصِيلِ الحَلالِ والحَرامِ، يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ لا يَحْكُمَ بَيْنَهم أصْلًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ «قَوْلُهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانَ لَهم شَرَفٌ يُدَوِّنُ دِيَةً كامِلَةً، وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ يُدَوِّنُ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ (p-٧٧)فِيهِمْ، فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سِوًى،» وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ما كانَ لَهم ذِمَّةٌ أصْلًا. وقَدْ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وبَنُو قُرَيْظَةَ قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ لَمّا نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَيْسَ في أصْحابِنا مَن يَفْصِلُ بَيْنَ المُعاهِدِ والذِّمِّيِّ في هَذا المَعْنى، فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ الحُكْمَ في الجَمِيعِ سَواءٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى. وعَنِ الحَسَنِ وعَنْ مُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ أنَّ الآيَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] نَزَلَتْ في شَأْنِ الرَّجْمِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ وهم أيْضًا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ ذِمَّةٍ، وإنَّما تَحاكَمُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وزَوالِ الرَّجْمِ، فَصارَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بَيْتِ مَدارِسِهِمْ ووَقَفَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، وعَلى كَذِبِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى، ورَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ وقالَ: «أنا أوْلى مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها،» وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً تامَّةً عَلى جَوازِ رَجْمِ اليَهُودِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ في عُقُودِهِمْ وقَضاياهم عَلى مُوجَبِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ كالمُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلى مُتْلِفِها، ولا أنَّها مالٌ مِن أمْوالِهِمْ، لِأنَّ إيجابَ الضَّمانِ عَلى مُتْلِفِها حُكْمٌ عَلى مُوجَبِ أهْواءِ اليَهُودِ، وقَدْ أمَرَنا بِخِلافِ ذَلِكَ. نَعَمْ، لا نَتَعَرَّضُ لَهم في خُمُورِهِمْ ولا في مُناكَحَتِهِمُ الباطِلَةِ، وقَدْ فَتَحَ عُمَرُ سَوادَ العِراقِ، وكانَ أهْلُها مَجُوسًا، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُناكَحَتِهِمُ الوارِدَةُ مِن قَبْلُ عَلى بَناتِهِمْ وأخَواتِهِمْ، ولا فَرَّقَ بَيْنَهم. (p-٧٨)وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ إعْراضَنا عَنْ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِنا بِوُجُودِ المُحَرَّمِ لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ، غَيْرَ أنَّ المَصْلَحَةَ مُنْقَسِمَةٌ إلى مَصْلَحَةٍ رُوعِيَتْ في حَقِّ مُرْتَكِبِي المُحَرَّماتِ بِمَنعِهِمْ مِنها، وبِزَجْرِهِمْ عَنْها، مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، وهَذا لَمْ يَشْرَعْ في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ، فَإذا عَرَفْنا يَقِينًا أنَّهم في بَيْعِهِمْ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، فَلا يَتَعَرَّضُ لَهم لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلى أهْلِ الإسْلامِ مِن وجْهٍ، وإلى أهْلِ الذِّمَّةِ مِن وجْهٍ آخَرَ. فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى أهْلِ الإسْلامِ فَلا خَفاءَ بِهِ. وأمّا الَّذِي يَرْجِعُ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ فَهو أنَّ البُغْيَةَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ تَقْبِيحُ سُنَنِ رَشادِهِمْ، حَتّى إذا شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى والإعْلامِ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا وخالَطُونا، انْفَتَحَتْ بَصائِرُهم وقَرُبَ الأمْرُ في اسْتِجابَتِهِمْ، ولَوْ لَمْ يَعْقِدْ لَهم عَقْدَ الذِّمَّةِ، نَفَرُوا واسْتَكْبَرُوا ولَمْ يَتَحَقَّقِ اللُّطْفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ قُرْبَ إجابَتِهِمْ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَقْرِيرِنا إيّاهم وتَرْكِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. هَذا إنْ عَلَّلْنا. وإنْ لَمْ نُعَلِّلْ قُلْنا: الأصْلُ: أنْ لا يُقِرُّوا ويَمْنَعُوا إلّا حَيْثُ أرْخَصَ الشَّرْعُ فِيهِ، وقَدْ أرْخَصَ في تَدُكُّ النَّكِيرِ في نِكاحِ المَحارِمِ وغَيْرِهِ مِنَ المَحْظُوراتِ، فَهَذا تَمامُ هَذا الفَنِّ. فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ مُخَيَّرًا في أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم أوْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، ثُمَّ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا، ونَفْيُ الإعْراضِ في غَيْرِ ما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ، وقَبْلَ ذَلِكَ كانَ الإعْراضُ جائِزًا فِيما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ، وقَدْ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا تَرافَعُوا إلَيْنا وقَدْ جَرى النِّكاحُ في العِدَّةِ، فَلا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ في الدَّوامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ أوَّلَ النِّكاحِ في العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلى نَحْوِ ما يَجُوزُ في الإسْلامِ، إلّا أنَّهم يَرَوْنَ مانِعَ العِدَّةِ مُخْتَصًّا بِالِابْتِداءِ، وهو (p-٧٩)عُذْرُهم في الشَّهادَةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ ما جَرى في الشِّرْكِ مَجْرِيٌّ عَلى مُقْتَضى اعْتِقادِهِمْ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإذا تَزَوَّجَ خَمْسًا دَفَعَهُ وماتَتِ الخامِسَةُ في الشِّرْكِ يَجِبُ ألّا يَعْتَرِضَ عَلى النِّكاحِ، لِأنَّ النِّكاحَ إنَّما امْتَنَعَ دَوامًا لِوُجُوبِ قَطْعِ البَعْضِ، فَإذا ماتَتِ الخامِسَةُ لَمْ يَبْقَ مانِعٌ في الحالِ، غَيْرَ أنَّكم جَعَلْتُمْ ما مَضى مانِعًا، فَهَلّا كانَ ها هُنا كَذَلِكَ، وهَذا لا جَوابَ عَنْهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب