الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ الآية. قال المفسرون: هؤلاء فقراء المهاجرين، كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائر، حثّ الله عز وجل الناس [[سقطت من (ش).]] على الإنفاق عليهم، فكان [[في (ي): (وكان).]] مَن عنده فضل أتاهم به إذا أمسى [[ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 144، "بحر العلوم" 1/ 233، "تفسير الثعلبي" 2/ 1661، و"العجاب" 1/ 633، "الدر المنثور" 1/ 633.]]. واللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف، تأويله: هذه الصدقات، أو النفقة للفقراء، وقد تقدَّم ما يدل عليه؛ لأنه قد سبق ذكر الإنفاق والصدقات. قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل، والمعنى: الموصوف عاقل لبيب [[من قوله: (إذا تقدم)، ساقط من (ي).]] وكذلك كتبوا على الأكياس: ألفان ومائتان، والمعنى: الذي في الكيس ألفان، وأنشد: تَسْألُنِي عن بَعْلِها أيُّ فَتَى ... خَبٌّ جَزُوعٌ وإذا [[في (ي): (إذا).]] جَاعَ بَكَى [[هما بيتان وردا هكذا: يسألها عن بعلها أي فتى ... خب جبان وإذا جاع بكى والبيتان لشماخ بن ضرار، في "ديوانه" ص 128.]] أراد: هو خَبٌّ، فَحَذَف المبتدأ وأبقَى خبره. وكثير من الناس قالوا: هذه اللام مردودة على موضع اللام من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كأنه قال: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، للفقراء، فأبدل الفقراء من الأنفس [["تفسير الثعلبي" 2/ 1660 - 1661، "البحر المحيط" 2/ 328.]]، وهذا غلط؛ لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا؛ لأن [[في (م): (لأن المعنى).]] الإنفاق لها من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة. ولا يجوز أيضًا أن يكون العامل في هذه اللام (تنفقوا) إلا الأخير في الآية المتقدمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، كما لا يجوز: كانت زيدًا الحُمّى تأْخُذُ [[ينظر في إعراب الآية: "تفسير الطبري" 3/ 96، "تفسير الثعلبي" 2/ 1660 - 1661، و"إعراب مشكل القرآن" 1/ 142، "التبيان" ص 164، "البحر المحيط" 2/ 328، واستبعد قول من قال: التقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: "وما تنفقوا من خير" وكذلك من جعل (للفقراء) بدلًا من قوله: (فلأنفسكم) لكثرة الفواصل المانعة من ذلك.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإحصار في اللغة: أن يعرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كسر أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ أو عَطَبِ رِكَابٍ، أو ما جرى مجرى هذه الأشياء. يقال: أُحْصِرَ الرجل فهو مُحْصَر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: ﴿فَإِنْ أحُصِرتُم﴾ [البقرة: 196] بما يغني عن الإعادة. فأما التفسير، فقد فسرت [[في (م): (فسر).]] هذه الآية بجميع الوجوه والأعذار [[في (أ) و (م) كتبت كلمة لم أستطع قراءتها.]] التي ذكرنا في معنى الإحصار، فقال قتادة: حبسوا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 109، والطبري 3/ 96، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 540.]]، وبقريب [[في (أ) و (ي) و (م): (ويقرب).]] من هذا القول قال ابن زيد، لأنه يقول: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلُّها حربًا عليهم، لا يتوجهون جهةً إلا ولهم فيها عدو [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 96 - 97، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، والبغوي في "تفسيره" 1/ 337.]]، فهذا القول كالأول، من حيث إن خوف العدو منعهم عن السفر، إلا أن الخوف في هذا القول على أنفسهم لو خرجوا، وفي الأول على بيضة الإسلام بقوة العدو واستيلائهم [[في (ي): (لاستيلائهم).]] لو خرجوا لطلب المعاش. وقال سعيد بن المسيب [[كذا في الأصل، والذي عند ابن أبي حاتم 2/ 540، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، وفي "الدر المنثور" 1/ 633 هو سعيد بن جبير.]]: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله، وصاروا زَمْنَى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 540، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، والبغوي في "تفسيره" 1/ 337، وعزاه في الدر 1/ 633: إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]]، فعلى هذا القول هم محصرون [[في (ي): (محصورون).]] بالمرض والزمانة، وهذا القول اختيار الكسائي [[نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، و"باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن" لمحمود النيسابوري 1/ 266، و"زاد المسير" 1/ 328.]]؛ لأنه يجعل الإحصار من الخوف والمرض. وقال ابن عباس، في رواية عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله، فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الجهاد [[هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة. وذكرها في "زاد المسير" 328 والواحدي في "الوسيط" 1/ 388.]]، وعلى هذا القول هم محصرون بذهاب النفقة وعدم الرِكاب. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يقال: ضَربْتُ في الأرض ضَرْبًا ومضربًا، إذا سرت فيها. قال الشاعر: لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ من بُغَاه ... وضربٍ في البلادِ بِغَيْرِ زَادِ [[البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح في "ديوانه" ص 172 وقبله: قليل المال تُصْلِحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وينظر "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 102، "الأغاني" 23/ 570، "تفسير الثعلبي" 2/ 1666، "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" 1/ 283.]] والضرب يقع على معان كثيرة [[ينظر في ضرب: "تهذيب اللغة" 3/ 2103 - 2106، "المفردات" ص 298، "اللسان" 5/ 2565 - 2570. قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها.]]، وهؤلاء إنما لا يستطيعون الضرب في الأرض، لأن الفقر منعهم عن جهاد العدو، على قول ابن عباس، والضرب في الأرض على هذا السفر للجهاد، وهم لا يستطيعون ذلك للفقر، وعلى قول سعيد للزمانة لا يمكنهم السفر، وعلى قول ابن زيد، إشفاقًا على أنفسهم من الاغتيال وإيقاع المكروه بهم لا يمكنهم السفر، وعلى قول قتادة، لا يستطيعون ضربًا لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك من ليس أنهم لا يقدرون أن يتصرفوا، وهذا كقولك: أمرني الوالي أن أقيم فما أقدر أن أخرج، فالمعنى: أني قد ألزمت نفسي طاعته، لا أنه لا يقدر على الحركة وهو صحيح سَوِيّ. وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ يقال: حَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُهُ وأَحْسِبُه حُسْبَانًا، وقرئ في القرآن ما كان من [[من سقطت من (ش) وفي (ي): (في).]] الحسبان باللغتين جميعًا، الفتح والكسر، والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فَعِلَ نحو: حَسِبَ، كان المضارع على يفعَل، مثل: فرِق يفرَق، وشرِبَ يشرَبُ، وشذ يحسِبُ فجاء على يفعِل في حروف أُخر، والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذًّا عن القياس [[من "الحجة" لأبي علي 2/ 402 - 403 بتصرف، وينظر "تهذيب اللغة" 1/ 809 - 812 مادة "حسب".]]. وقوله تعالى: ﴿الْجَاهِلُ﴾ لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم ﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [["تفسير الثعلبي" 2/ 1670]]، وهو تفَعُّلٌ من العِفّة، ومعنى العِفَّةِ في اللغة: تَرْكُ الشيءِ والكَفُّ عنه، قال رؤبة: فعَفَّ عن أسرَارِها بَعْدَ العَسَق [[في (م): (العشق)، وفي (أ): (الغشق)، وفي (ش): (عند) بدل (عن).]] [[البيت في "ديوانه" ص 104 من قصيدة وصف المفازة، وينظر "الزاهر" 2/ 324، "مجاز القرآن" 1/ 76، والطبري في "تفسيره" 3/ 97، ومعنى العسق: عسق بالشيء إذا لزق به، ينظر "عمدة القوي والضعيف" ص 7، "الوسيط" للواحدي 1/ 389.]] أي: تركها [[ينظر في عفف: "تهذيب اللغة" 3/ 2500، "تفسير الثعلبي" 2/ 1671، "المفردات" ص342،"اللسان" 5/ 3015، قال الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، المتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القيل الجاري مجرى العفافة.]]. وأراد: من التعفُّف عن السؤال، فتركه للعلم به، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التحمل وتركهم المسألة. وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ السِّيْمَا والسِّيْمَاءُ والسِّيْمِيَاءُ: العَلاَمَةُ التي يُعْرف بها الشيء، وأصلها من السِّمَة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، ووزنه يكون: عِفْلَى، كما قالوا: له جَاهٌ في الناس، أي: وجه، وأرض خَامة، أي: وَخْمَةٌ، واضْمَحَلَّ الشىء وامْضَحَلّ، ذكره الفراء في كتاب "المصادر" في سورة الأعراف. وقال قوم: أصل السيما الارتفاع؛ لأنها علامة رفعت للظهور [[ينظر في السيما: "تهذيب اللغة" 2/ 1600 - 1602 مادة "سام"، "المفردات" ص 225 - 226، "اللسان" 4/ 2158 - 2159 (مادة: سوم).]]. قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع [[في "تفسيره" 1/ 117، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 109، والطبري في "تفسيره" 3/ 98، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 541.]]. وقال الربيع [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 541.]] والسدي [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 541 بمعناه.]]: أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1672، والبغوي في "تفسيره" 1/ 338، والواحدي في "الوسيط" 1/ 389.]]. ابن زيد: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1672.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة [[ينظر: "المفردات" ص 452، "اللسان" 4/ 4009 (مادة: لحف).]]، ومنه الحديث: "من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف [[الحديث رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 150، وعنه أبو نعيم في "الحلية" 1/ 161،== ورواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1674 قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 334: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة. قال الدكتور المنيع في تحقيقه "تفسير الثعلبي" 2/ 1676: وله شواهد يترقى بها للحسن لغيره، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه النسائي 5/ 98، كتاب: الزكاة، باب من الملحف، وابن خزيمة 4/ 101، والبيهقي 7/ 24، وحديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد به مطولًا، رواه مالك في الموطأ 2/ 999، وأبو داود (1627) كتاب: الزكاة، باب: من يعطي من الصدقة وَحَدُّ الغني، والنسائي 5/ 98، كتاب: الرعاب، باب: من الملحف، وأحمد 4/ 36.]] ". وقال أبو الأسود الديلي: ليس للسائل الملحف متل الرد الحامس. قال الزجاج: ومعنى ألحف: شَمِلَ بالمسألة، واللحاف [[في (م): (باللحاف).]] سمي لحافًا؛ لأنه شَمِلَ الإنسانَ في التغطية [["معاني القرآن" 1/ 357.]]، فالإلحاف في المسألة، هو أن [[في (م): (أنه).]] يشتمل على وجوه الطلب في المسألة، كاشتمال اللحاف في التغطية، في قول الزجاج. وقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة: مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل، إذا مشى في لَحْفِ الجبل، وهو أصله، كأنه استعمل الخشونة في الطلب [[ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 99، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 304، "تفسير الثعلبي" 1/ 304.]]. فأما التفسير، فقال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول: إذا كان عنده غداءٌ لم يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاءٌ لم يسأل غداءً [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1673، والبغوي في "تفسيره" 1/ 338 عن عطاء، وذكره في "الوسيط" 1/ 390. وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.]]. فعلى هذا التفسير يجوز أن يسألوا الناس غير إلحاف، لأن الله تعالى نفى عنهم السؤال إلحافًا، وهو أن يسألوا مع الاستغناء عن المسألة. وقال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 181.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 357.]] وأكثر أهل المعاني [[ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 99، "تفسير الثعلبي" 2/ 1673، و"أمالي المرتضى" 1/ 228.]]: لا يجوز أن يَسْألوا غير إلحافٍ أيضًا، لما وصفوا به من التعفف والمعرفة بسيماهم، دون الإفصاح [[في (م): (الالحاف صاح).]] بسؤالهم، إذ لو أفصحوا لم يحسبهم الجاهل أغنياء؛ لأنه إنما جهل ما لا ينال [[في (ش): (ما نال)، وفي (ي): (ما ينال).]] بالاستذلال. ثم اختلفوا في وجه قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فقال الزجاج: المعنى: أنه ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس: على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمَنَارِه ... إذا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَّافيُّ جَرْجَرَا [[البيت في "ديوانه" ص 64، وأمالي المرتضى 1/ 165 "لسان العرب" 3/ 1466 مادة: ديف، 14663 مادة: سوف 4/ 2153 مادة: لحف. وقوله: سلفه: شمه، العَوْدُ: المُسِنّ من الإبل - الدِّيافيّ: نسبة إلى دياف قرية بالشام، جرجرا: أخرج شقشقته وصاح، ولاحب: الطريق الواضح. ويروى النياطي، وهو الأكثر، بمعنى الضخم الجسيم، والشاعر يصف طريقًا إذا شمه البعير المُسن عرفه فاستبعده وذكر ما يلحقه فيه من المشقة فجرجر لذلك. ينظر (أمالي المرتضى1/ 228 - 229).]] المعنى: ليس به منار فيُهتدى به، كذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع فيه [[سقطت من (ي).]] إلحاف [["معاني القرآن" 1/ 358، ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 471.]]. ونصر ابن الأنباري هذه الطريقة، وقال: تأويل الآية: لا يسألون ألبتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلان لا يُرجَى خيرُه، أي: ليس فيه خيرٌ ألبتة فَيُرْجَى، وأنشد قول امرئ القيس: وَصُمٌّ صِلابٌ ما يَقِيْنَ من الوَجَى ... كأنَّ مَكَانَ الرِّدْفِ [[في (م): (الزحف).]] منه على رال [[البيت في "ديوانه" ص 128.]] أراد: ليس بهن وَجًى فَيَشْتَكِينَ من أجله، وقوله: يقين يقال: مرَّ الفرسُ يقي ويتقي، إذا هابَ المشيَ من وَجًى أو حفًا، يقال: فرسٌ واقٍ، وخيلٌ أواقٍ. وقال الأعشى: لا يغمز السَّاقَ من أيْنٍ ولا وَصَبٍ ... ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَرُ [[البيت في "غريب الحديث" 1/ 26، و"الكامل" للمبرد 4/ 65، و"الخزانة" 1/ 197، و"لسان العرب"4/ 2458 (مادة: صفر). ومعنى لا يعمز الساق: لا يحبسها، يصف جلده وتحمله المشاق، والأين: الإعياء، والوصب: الوجع، والشرسوف: العظم الزائد فوق القلب وأطراف الأضلاع. وينظر "الوسيط" للواحدي 1/ 390.]] معناه: ليس بساقه أينٌ ولا وصبٌ فيغمرها، ليس أن هناك أينًا ولا يَغْمِزُهُ هو [[ليست في (أ) و (م).]]. ونصر أبو علي هذه الطريقة، وقال: لم يثبت في قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ مسألة منهم، لأن المعنى: ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف، قال. ومثل ذلك قول الراجز [[في (ي): (الشاعر).]]: لا يُفْزعُ الأَرْنَبَ أهوالُها ... ولا تَرَى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ [[البيت لعمرو بن أحمر في وصف فلاة، في "ديوانه" ص 67، "الخزانة" 2734. "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 164،321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47 المعنى: نفى أن يكون في الفلاة حيوان.]] أي: ليس بها أَرْنَبٌ فتفزع لهولها، ولا ضبٌ فينجحر، وليس المعنى: أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب [["الحجة" 2/ 47.]]. وقال الفراء: نَفَى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميعَ وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قل ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه [["معاني القرآن" للفراء 1/ 181.]]. وحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن معنى الآية: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، فاكتُفي بالإلحاف من غيره، وجاز اختصاصه بالذكر؛ لأن القصد إنما هو نفي صفة الذم عنهم، وهذا كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] والبرد فاكتُفي بالحر من البرد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب