الباحث القرآني
ذِكْرُ اخْتِلافِ فُقَهاءِ الأمْصارِ في الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ
كانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَرى الحَجْرَ عَلى الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ؛ لا لِسَفَهٍ؛ ولا لِتَبْذِيرٍ؛ ولا لِدَيْنٍ وإفْلاسٍ؛ وإنْ حَجَرَ عَلَيْهِ القاضِي؛ ثُمَّ أقَرَّ بِدَيْنٍ؛ أوْ تَصَرُّفٍ في مالِهِ بِبَيْعٍ؛ أوْ هِبَةٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ جازَ تَصَرُّفُهُ؛ وإنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ فَكانَ فاسِدًا؛ ويُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مالِهِ؛ ومَعَ ذَلِكَ إنْ أقَرَّ بِهِ لِإنْسانٍ؛ أوْ باعَهُ؛ جازَ ما صَنَعَ مِن ذَلِكَ؛ وإنَّما يُمْنَعُ مِن مالِهِ ما لَمْ يَبْلُغْ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ فَإذا بَلَغَها دَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ؛ وإنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ وقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ في الحَجْرِ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ.
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ؛ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لا يُحْجَرُ عَلى حُرٍّ؛ ورَوى ابْنُ (p-٢١٦)عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: "لا يُحْجَرُ عَلى حُرٍّ؛ إنَّما يُحْجَرُ عَلى العَبْدِ"؛ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: "إذا كانَ سَفِيهًا حَجَرْتُ عَلَيْهِ؛ وإذا فَلَّسْتُهُ وحَبَسْتُهُ حَجَرْتُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ أُجِزْ بَيْعَهُ؛ ولا شِراءَهُ؛ ولا إقْرارَهُ بِدَيْنٍ؛ إلّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الحَجْرِ"؛ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ؛ عَنِ ابْنِ سِماعَةَ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ في الحَجْرِ بِمِثْلِ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ فِيهِ؛ ويَزِيدُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا صارَ في الحالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ مَعَها الحَجْرَ صارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ حَجَرَ القاضِي عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ؛ أوْ لَمْ يَحْجُرْ.
وكانَ أبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأحْوالِ فِيهِ حَتّى يَحْجُرَ القاضِي عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا بَلَغَ ولَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مالُهُ؛ ولَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ ولا هِبَتُهُ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَبْلُغْ؛ فَما باعَ أوِ اشْتَرى نَظَرَ الحاكِمُ فِيهِ؛ فَإنْ رَأى إجازَتَهُ أجازَهُ؛ وهو ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ؛ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الأبِ أنْ يَشْتَرِيَ ويَبِيعَ عَلى الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ عَلى الَّذِي بَلَغَ؛ إلّا بِأمْرِ الحاكِمِ؛ وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ؛ وابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ قالَ: ومَن أرادَ الحَجْرَ عَلى مُوَلِّيهِ فَلْيَحْجُرْ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطانِ؛ حَتّى يُوقِفَهُ لِلنّاسِ؛ ويَسْمَعَ مِنهُ في مَجْلِسِهِ؛ ويُشْهِدَ عَلى ذَلِكَ؛ ويَرُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ ما بُويِعَ؛ وما أدانَ بِهِ السَّفِيهَ؛ فَلا يَلْحَقُهُ ذَلِكَ إذا صَلَحَتْ حالُهُ؛ وهو مُخالِفٌ لِلْعَبْدِ؛ وإنْ ماتَ المُوَلّى عَلَيْهِ وقَدِ ادّانَ فَلا يُقْضى عَنْهُ؛ وهو في مَوْتِهِ بِمَنزِلَتِهِ في حَياتِهِ؛ إلّا أنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ في ثُلُثِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ؛ وإذا بَلَغَ الوَلَدُ فَلَهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْ أبِيهِ؛ وإنْ كانَ أبُوهُ شَيْخًا ضَعِيفًا؛ إلّا أنْ يَكُونَ الِابْنُ مُوَلًّى عَلَيْهِ؛ أوْ سَفِيهًا؛ أوْ ضَعِيفًا في عَقْلِهِ؛ فَلا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفِرْيابِيُّ؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ قالَ: اَلْعَقْلَ؛ والحِفْظَ لِمالِهِ؛ وكانَ يَقُولُ: "إذا اجْتَمَعَ فِيهِ خَصْلَتانِ: إذا بَلَغَ الحُلُمَ؛ وكانَ حافِظًا لِمالِهِ؛ لا يُخْدَعُ عَنْهُ"؛ وحَكى المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ في مُخْتَصَرِهِ قالَ: "وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ أمْوالِ اليَتامى بِأمْرَيْنِ؛ لَمْ يُدْفَعْ إلّا بِهِما؛ وهُما: اَلْبُلُوغُ؛ والرُّشْدُ"؛ والرُّشْدُ: اَلصَّلاحُ في الدِّينِ؛ بِكَوْنِ الشَّهادَةِ جائِزَةً مَعَ إصْلاحِ المالِ؛ والمَرْأةُ إذا أُونِسَ مِنها الرُّشْدُ دُفِعَ إلَيْها مالُها؛ تَزَوَّجَتْ أوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ؛ كالغُلامِ؛ نَكَحَ أوْ لَمْ يَنْكِحْ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَوّى بَيْنَهُما؛ ولَمْ يَذْكُرْ تَزْوِيجًا؛ وإذا حَجَرَ عَلَيْهِ الإمامُ في سَفَهِهِ؛ وإفْسادِهِ مالَهُ أشْهَدَ عَلى ذَلِكَ؛ فَمَن بايَعَهُ بَعْدَ الحَجْرِ فَهو المُتْلِفُ لِمالِهِ؛ ومَتى أُطْلِقَ عَنْهُ الحَجْرُ ثُمَّ عادَ إلى حالِ الحَجْرِ حُجِرَ عَلَيْهِ؛ ومَتى رَجَعَ إلى حالِ الإطْلاقِ (p-٢١٧)أُطْلِقَ عَنْهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا ما احْتَجَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن مُبْطِلِي الحَجْرِ؛ ومِن مُثْبِتِيهِ؛ مِن دَلالَةِ آيَةِ الدَّيْنِ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ مِن دَلالَتِها بُطْلانُ الحَجْرِ؛ وجَوازُ التَّصَرُّفِ؛ واحْتَجَّ مُثْبِتُو الحَجْرِ بِما رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ أتى الزُّبَيْرَ فَقالَ: إنِّي ابْتَعْتُ بَيْعًا؛ ثُمَّ إنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ؛ فَقالَ الزُّبَيْرُ: فَإنِّي شَرِيكُكَ في البَيْعِ؛ فَأتى عَلِيٌّ عُثْمانَ فَسَألَهُ أنْ يَحْجُرَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ فَقالَ الزُّبَيْرُ: أنا شَرِيكُهُ في هَذا البَيْعِ؛ فَقالَ عُثْمانُ: كَيْفَ أحْجُرُ عَلى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ ؟ قالُوا: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَمِيعًا قَدْ رَأوُا الحَجْرَ جائِزًا؛ ومُشارَكَةُ الزُّبَيْرِ لِيَدْفَعَ الحَجْرَ عَنْهُ؛ وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِن غَيْرِ خِلافٍ ظَهَرَ مِن غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى أنَّ الزُّبَيْرَ رَأى الحَجْرَ؛ وإنَّما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى تَسْوِيغِهِ لِعُثْمانَ الحَجْرَ؛ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى مُوافَقَتِهِ إيّاهُ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا حُكْمُ سائِرِ المَسائِلِ المُخْتَلَفِ فِيها مِن مَسائِلِ الِاجْتِهادِ؛ وأيْضًا فَإنَّ الحَجْرَ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَجْرُ في مَنعِ التَّصَرُّفِ؛ والإقْرارِ؛ والآخَرُ في المَنعِ مِنَ المالِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَجْرُ الَّذِي رَآهُ عُثْمانُ وعَلِيٌّ هو المَنعُ مِن مالِهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ سِنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وأبُو حَنِيفَةَ يَرى ألّا يُدْفَعَ إلَيْهِ مالُهُ قَبْلَ بُلُوغِ هَذِهِ السِّنِّ إذا لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ وهَذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ هو مِنَ الصَّحابَةِ؛ وقَدْ أبى الحَجْرَ؛ فَكَيْفَ يُدَّعى فِيهِ اتِّفاقُ الصَّحابَةِ؟ ويَحْتَجُّونَ أيْضًا بِما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عائِشَةَ أنَّها بَلَغَها أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَلَغَهُ أنَّها باعَتْ بَعْضَ رُباعِها؛ فَقالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ وإلّا حَجَرْتُ عَلَيْها؛ فَبَلَغَها ذَلِكَ فَقالَتْ: لَلَّهِ عَلَيَّ ألّا أُكَلِّمَهُ أبَدًا؛ قالُوا: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ قَدْ رَأيا الحَجْرَ؛ إلّا أنَّها أنْكَرَتْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هي مِن أهْلِ الحَجْرِ؛ فَلَوْلا ذَلِكَ لَبَيَّنَتْ أنَّ الحَجْرَ لا يَجُوزُ؛ ولَرَدَّتْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ظَهَرَ النَّكِيرُ مِنها في الحَجْرِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَرَ الحَجْرَ جائِزًا؛ لَوْلا ذَلِكَ لَما أنْكَرَتْهُ إنْ كانَ ذَلِكَ شَيْئًا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهادُ؛ وما ظَهَرَ مِنها مِنَ النَّكِيرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ لا تُسَوِّغُ الِاجْتِهادَ في جَوازِ الحَجْرِ؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ تُسَوِّغْ الِاجْتِهادَ في الحَجْرِ عَلَيْها؛ فَأمّا في الحَجْرِ مُطْلَقًا فَلا؛ ولَوْ كانَتْ لا تُسَوِّغُ الِاجْتِهادَ في جَوازِ الحَجْرِ لَقالَتْ: إنَّ الحَجْرَ غَيْرُ جائِزٍ؛ فَتَكْتَفِي بِذَلِكَ في إنْكارِها الحَجْرِ عَلَيْها؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ أنْكَرَتِ الحَجْرَ عَلى الإطْلاقِ بِقَوْلِها: "لَلَّهِ عَلَيَّ ألّا أُكَلِّمَهُ أبَدًا"؛ ودَعْواكَ أنَّها أنْكَرَتِ الحَجْرَ عَلَيْها خاصَّةً؛ دُونَ إنْكارِها لِأصْلِ الحَجْرِ؛ لا دَلالَةَ مَعَها؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ ما حَدَّثَنا بِهِ (p-٢١٨)مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛ فَكانَ الرَّجُلُ إذا بايَعَ يَقُولُ: "لا خِلابَةَ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأزْدِيُّ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ خالِدٍ؛ أبُو ثَوْرٍ الكَلْبِيِّ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ قالَ: قالَ مُحَمَّدٌ: عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطاءٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدٌ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَجُلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ يَبْتاعُ؛ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَأتى بِهِ أهْلُهُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ احْجُرْ عَلى فُلانٍ؛ فَإنَّهُ يَبْتاعُ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَهاهُ عَنِ البَيْعِ؛ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ إنِّي لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ كُنْتَ غَيْرَ تارِكٍ البَيْعَ فَقُلْ: ها؛ وها؛ ولا خِلابَةَ"؛» فَذَكَرَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ أنَّهُ كانَ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ التَّصَرُّفِ؛ ولَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لَما تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ والبَيْعَ؛ وهو مُسْتَحِقُّ المَنعِ مِنهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَدْ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «"إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛» فَإنَّما أجازَ لَهُ البَيْعَ عَلى شَرِيطَةِ اسْتِيفاءِ البَدَلِ مِن غَيْرِ مُغابَنَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: فَلْيَرْضَ القائِلُونَ بِالحَجْرِ مِنّا عَلى ما رَضِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذا السَّفِيهِ الَّذِي كانَ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلى السُّفَهاءِ؛ لا مِنَ القائِلِينَ بِالحَجْرِ؛ ولا مِن نُفاتِهِ؛ لِأنَّ مَن يَرى الحَجْرَ يَقُولُ: يَحْجُرُ عَلَيْهِ الحاكِمُ ويَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ؛ ولا يَرَوْنَ إطْلاقَ التَّصَرُّفِ لَهُ؛ مَعَ التَّقْدِمَةِ إلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ عِنْدَ البَيْعِ: لا خِلابَةَ؛ ومُبْطِلُو الحَجْرِ يُجِيزُونَ تَصَرُّفَهُ عَلى سائِرِ الأحْوالِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذا الخَبَرِ بُطْلانُ الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ عاقِلًا؛ وأيْضًا فَإنْ جازَتِ الثِّقَةُ بِهِ في ضَبْطِ هَذا الشَّرْطِ؛ وذَكَرَهُ عِنْدَ سائِرِ المُبايَعاتِ؛ فَقَدْ تَجُوزُ الثِّقَةُ بِهِ في ضَبْطِ عُقُودِ المُبايَعاتِ؛ ونَفْيِ المُغابَناتِ عَنْها؛ واللَّفْظُ الَّذِي في هَذا الخَبَرِ مِن قَوْلِهِ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: إنَّ السَّفِيهَ إذا بَلَغَ فَرُفِعَ أمْرُهُ إلى الحاكِمِ أجازَ مِن عُقُودِهِ ما لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُغابَنَةٌ وضَرَرٌ؛ فَأمّا سائِرُ مَن يَرى الحَجْرَ فَإنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ذَلِكَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَذْهَبَ مُحَمَّدٍ أيْضًا مُخالِفٌ لِلْأثَرِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا لا يُجِيزُ بَيْعَ المَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ إلّا أنْ يُرْفَعَ إلى القاضِي؛ فَيُجِيزَهُ؛ فَجَعَلَهُ بَيْعًا مَوْقُوفًا؛ كَبَيْعِ أجْنَبِيٍّ لَوْ باعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أمْرِهِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ بَيْعَ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لَهُ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ مَوْقُوفًا؛ بَلْ جَعَلَهُ جائِزًا نافِذًا إذا قالَ: لا خِلابَةَ؛ فَصارَ مَذْهَبُ مُثْبِتِي الحَجْرِ مُخالِفًا لِهَذا الأثَرِ؛ وأمّا حَدِيثُ أنَسٍ فَإنَّهُ يَحْتَجُّ بِهِ الفَرِيقانِ جَمِيعًا؛ فَأمّا مُثْبِتُو (p-٢١٩)الحَجْرِ فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ بِأنَّ أهْلَهُ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ احْجُرْ عَلى فُلانٍ؛ فَإنَّهُ يَبْتاعُ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ نَهاهُ عَنِ البَيْعِ؛ ولَمّا قالَ: لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ قالَ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ فَأطْلَقَ لَهُ البَيْعَ عَلى شَرِيطَةِ نَفْيِ التَّغابُنِ فِيهِ؛ وأمّا مُبْطِلُوهُ فَإنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِأنَّهُ لَمّا قالَ: إنِّي لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ أطْلَقَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ التَّصَرُّفَ؛ وقالَ لَهُ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ فَلَوْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لَما كانَ قَوْلُهُ: لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ مُزِيلًا لِلْحَجْرِ عَنْهُ؛ لِأنَّ أحَدًا مِن مُوجِبِي الحَجْرِ لا يَرْفَعُ الحَجْرَ عَنْهُ؛ لِفَقْدِ صَبْرِهِ عَنِ البَيْعِ؛ وكَما أنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ المُسْتَحِقَّيْنِ لِلْحَجْرِ عِنْدَ الجَمِيعِ؛ لَوْ قالا: لا نَصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ لَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مِنهُما مُزِيلًا لِلْحَجْرِ عَنْهُما؛ ولَما قِيلَ لَهُما: إذا بايَعْتُما فَقُولا: لا خِلابَةَ؛ وفي إطْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ التَّصَرُّفَ؛ عَلى الشَّرِيطَةِ الَّتِي ذَكَرَها؛ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحَجْرَ غَيْرُ واجِبٍ؛ وأنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بَدِيًّا عَنِ البَيْعِ؛ وقَوْلُهُ: "فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛ عَلى وجْهِ النَّظَرِ لَهُ؛ والِاحْتِياطِ لِمالِهِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن يُرِيدُ التِّجارَةَ في البَحْرِ؛ أوْ في طَرِيقٍ مَخُوفٍ: "لا تَغْرُرْ بِمالِكَ واحْفَظْهُ"؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ ولَيْسَ هَذا بِحَجْرٍ؛ وإنَّما هو مَشُورَةٌ؛ وحُسْنُ نَظَرٍ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ السَّفِيهَ يَجُوزُ إقْرارُهُ بِما يُوجِبُ الحَدَّ؛ والقِصاصَ؛ وذَلِكَ مِمّا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إقْرارُهُ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ الَّتِي لا تُسْقِطُها الشُّبْهَةُ أوْلى؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: اَلْمَرِيضُ جائِزُ الإقْرارِ بِما يُوجِبُ الحَدَّ والقِصاصَ؛ ولا يَجُوزُ إقْرارُهُ؛ ولا هِبَتُهُ؛ إذا كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمالِهِ؛ فَلَيْسَ جَوازُ الإقْرارِ بِالحَدِّ والقِصاصِ أصْلًا لِلْإقْرارِ بِالمالِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ إقْرارَ المَرِيضِ عِنْدَنا بِجَمِيعِ ذَلِكَ جائِزٌ؛ وإنَّما نُبْطِلُهُ إذا اتَّصَلَ بِمَرَضِهِ المَوْتُ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُ مُراعًى؛ مُعْتَبَرٌ بِالمَوْتِ؛ فَإذا ماتَ صارَ تَصَرُّفُهُ واقِعًا في حَقِّ الغَيْرِ؛ الَّذِي هو أوْلى مِنهُ بِهِ؛ وهُمُ الغُرَماءُ؛ والوَرَثَةُ؛ فَأمّا تَصَرُّفُهُ في الحالِ فَهو جائِزٌ؛ ما لَمْ يَطْرَإ المَوْتُ؛ ألا تَرى أنّا لا نَفْسَخُ هِبَتَهُ؛ ولا نُوجِبُ السِّعايَةَ عَلى مَن أعْتَقَهُ مِن عَبِيدِهِ؛ حَتّى يَحْدُثَ المَوْتُ؟ فَإقْرارُهُ بِالحَدِّ؛ والقِصاصِ؛ والمالِ؛ غَيْرُ مُتَفَرِّقِينَ في حالِ الحَياةِ.
ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مُثْبِتُو الحَجْرِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]؛ اَلْآيَةَ؛ فَإذا كانَ التَّبْذِيرُ مَذْمُومًا مَنهِيًّا عَنْهُ؛ وجَبَ عَلى الإمامِ المَنعُ مِنهُ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ؛ ويَمْنَعَهُ التَّصَرُّفَ في مالِهِ؛ وكَذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضاعَةِ المالِ يَقْتَضِي مَنعَهُ عَنْ إضاعَتِهِ بِالحَجْرِ عَلَيْهِ؛ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَجْرِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ التَّبْذِيرَ مَحْظُورٌ؛ (p-٢٢٠)ويُنْهى فاعِلُهُ عَنْهُ؛ ولَيْسَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ ما يُوجِبُ الحَجْرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهُ التَّبْذِيرَ؛ فَأمّا أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ؛ ويُبْطِلَ بِياعاتِهِ؛ وإقْرارَهُ؛ وسائِرَ وُجُوهِ تَصَرُّفِهِ؛ فَإنَّ هَذا المَوْضِعَ هو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ المَنعَ مِن شَيْءٍ مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإقْرارَ نَفْسَهُ لَيْسَ مِنَ التَّبْذِيرِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُبَذِّرًا لَوَجَبَ مَنعُ سائِرِ المُقِرِّينَ مِن إقْرارِهِمْ؛ وكَذَلِكَ البَيْعُ بِالمُحاباةِ؛ لا تَبْذِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُبَذِّرًا لَوَجَبَ أنْ يُنْهى عَنْهُ سائِرُ النّاسِ؛ وكَذَلِكَ الهِبَةُ؛ والصَّدَقَةُ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ؛ وذَمُّ فاعِلِهِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى الحَجْرِ في العُقُودِ الَّتِي لا تَبْذِيرَ فِيها؟ وقَدْ يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِمُحَمَّدٍ؛ لِأنَّهُ يُجِيزُ مِن عُقُودِهِ ما لا مُحاباةَ فِيهِ؛ ولا إتْلافَ لِمالِهِ؛ إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو ذَمُّ المُبَذِّرِينَ؛ والنَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ؛ ومَن يَنْفِي الحَجْرَ يَقُولُ: إنَّ التَّبْذِيرَ مَذْمُومٌ؛ مَنهِيٌّ عَنْ فِعْلِهِ؛ فَأمّا الحَجْرُ؛ ومَنعُ التَّصَرُّفِ؛ فَلَيْسَ في الآيَةِ إيجابُهُ؛ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ مَنهِيٌّ عَنِ التَّغْرِيرِ بِمالِهِ في البَحْرِ؛ وفي الطَّرِيقِ المَخُوفَةِ؛ ولا يَمْنَعُهُ الحاكِمُ مِنهُ عَلى وجْهِ الحَجْرِ عَلَيْهِ؟ ولَوْ أنَّ إنْسانًا تَرَكَ نَخْلَهُ وشَجَرَهُ وزَرْعَهُ لا يَسْقِيها؛ وتَرَكَ عَقارَهُ ودُورَهُ لا يَعْمُرُها؛ لَمْ يَكُنْ لِلْإمامِ أنْ يُجْبِرَهُ عَلى الإنْفاقِ عَلَيْها لِئَلّا يَتْلَفَ مالُهُ؛ كَذَلِكَ لا يَحْجُرُ عَلَيْهِ في عُقُودِهِ الَّتِي يَخافُ فِيها تَوى مالِهِ؛ وكَذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضاعَةِ المالِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَجْرِ؛ كَما بَيَّنّاهُ في التَّبْذِيرِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ؛ وجَوازِ تَصَرُّفِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ أنَّ العاقِلَ البالِغَ إذا ظَهَرَ مِنهُ سَفَهٌ؛ وتَبْذِيرٌ؛ فَإنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أقاوِيلِهِمْ مِن مُوجِبِي الحَجْرِ؛ ما خَلا مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ؛ يَقُولُ: إذا حَجَرَ عَلَيْهِ القاضِي بَطَلَ مِن عُقُودِهِ وإقْرارِهِ ما كانَ بَعْدَ الحَجْرِ؛ وإذا كانَ جائِزَ التَّصَرُّفِ قَبْلَ حَجْرِ القاضِي فَمَعْنى الحَجْرِ حِينَئِذٍ أنِّي قَدْ أبْطَلْتُ ما يَعْقِدُهُ؛ أوْ ما يُقِرُّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِيهِ فَسْخَ عَقْدٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ بِمَنزِلَةِ مَن قالَ لِرَجُلٍ: "كُلُّ بَيْعٍ بِعْتَنِيهِ؛ وعَقْدٍ عاقَدْتَنِيهِ؛ فَقَدْ فَسَخْتُهُ"؛ أوْ: "كُلُّ خِيارٍ بِشَرِيطَةٍ لِي في البَيْعِ فَقَدْ أبْطَلْتُهُ"؛ أوْ تَقُولُ امْرَأةٌ: "كُلُّ أمْرٍ تَجْعَلُهُ إلَيَّ في المُسْتَقْبَلِ فَقَدْ أبْطَلْتُهُ"؛ فَهَذا باطِلٌ؛ لا يَجُوزُ فَسْخُ العُقُودِ المَوْجُودَةِ في المُسْتَقْبَلِ.
ومِمّا يَلْزَمُ أبا يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدًا في هَذا أنَّهُما يُجِيزانِ تَزْوِيجَهُ بَعْدَ الحَجْرِ بِمَهْرِ المِثْلِ؛ وفي ذَلِكَ إبْطالُ الحَجْرِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لِئَلّا يَتْلَفَ مالُهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ يَصِلُ إلى إتْلافِهِ بِالتَّزْوِيجِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً بِمِقْدارِ مَهْرِ مِثْلِها؛ ثُمَّ يُطَلِّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَيَلْزَمَهُ نِصْفُ المَهْرِ؛ ثُمَّ لا يَزالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَتْلَفَ مالُهُ؛ فَلَيْسَ (p-٢٢١)إذًا في هَذا الحَجْرِ احْتِرازٌ مِن إتْلافِ المالِ.
وأمّا اشْتِراطُ الشّافِعِيِّ في إيناسِ الرُّشْدِ؛ واسْتِحْقاقِ دَفْعِ المالِ؛ جَوازَ الشَّهادَةِ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ؛ ويَجِبُ عَلى هَذا ألّا يُجِيزَ إقْراراتِ الفُسّاقِ عِنْدَ الحُكّامِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وألّا يُجِيزَ بُيُوعَهُمْ؛ ولا أشْرِيَتَهُمْ؛ ويَنْبَغِي لِلشُّهُودِ ألّا يَشْهَدُوا عَلى بَيْعِ مَن لَمْ تَثْبُتْ عَدالَتُهُ؛ وألّا يَقْبَلَ القاضِي مِن مُدَّعٍ دَعْواهُ حَتّى تَثْبُتَ عَدالَتُهُ؛ ولا يَقْبَلَ عَلَيْهِ دَعْوى المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يَصِحَّ عِنْدَهُ جَوازُ شَهادَتِهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ عِنْدَهُ إقْرارُ مَن لَيْسَ عَلى صِفَةِ العَدالَةِ؛ وجَوازِ الشَّهادَةِ؛ ولا عُقُودِهِ وهو مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ وهَذا خِلافُ الإجْماعِ؛ ولَمْ يَزَلِ النّاسُ مُنْذُ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنا هَذا يَتَخاصَمُونَ في الحُقُوقِ؛ فَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ؛ ولا أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: "لا أقْبَلُ دَعاوِيَكُمْ؛ ولا أسْألُ أحَدًا عَنْ دَعْوى غَيْرِهِ؛ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدالَتِهِ"؛ وقَدْ قالَ الحَضْرَمِيُّ الَّذِي خاصَمَ إلى النَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ رَجُلٌ فاجِرٌ؛ بِحَضْرَتِهِ؛ ولَمْ يُبْطِلِ النَّبِيُّ ﷺ خُصُومَتَهُ؛ ولا سَألَ عَنْ حالِهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ؛ عَنْ سِماكٍ؛ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ الحَضْرَمِيِّ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَمَوْتَ؛ ورَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ الحَضْرَمِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ هَذا غَلَبَنِي عَلى أرْضٍ كانَتْ لِأبِي؛ فَقالَ الكِنْدِيُّ: هي أرْضِي في يَدِي؛ أزْرَعُها؛ لَيْسَ لَهُ فِيها حَقٌّ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: "ألَكَ بَيِّنَةٌ؟"؛ قالَ: لا؛ قالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ"؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّهُ فاجِرٌ؛ لَيْسَ يُبالِي ما حَلَفَ؛ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيْءٍ؛ فَقالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ"؛» فَلَوْ كانَ الفُجُورُ يُوجِبُ الحَجْرَ لَسَألَ ﷺ عَنْ حالِهِ؛ أوْ لَأبْطَلَ خُصُومَتَهُ لِإقْرارِ الخَصْمِ بِأنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ غَيْرُ جائِزِ الخُصُومَةِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ المُسْلِمِينَ والكُفّارَ سَواءٌ في جَوازِ التَّصَرُّفِ في الأمْلاكِ؛ ونَفاذِ العُقُودِ؛ والإقْراراتِ؛ والكُفْرُ أعْظَمُ الفُسُوقِ؛ وهو غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَجْرِ؛ فَكَيْفَ يُوجِبُهُ الفِسْقُ الَّذِي هو دُونَهُ؟! وهَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ؛ أنَّ المُسْلِمِينَ والكُفّارَ سَواءٌ في جَوازِ التَّصَرُّفِ؛ والإمْلاكِ؛ ونَفاذِ العُقُودِ.
* * *
بابُ دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ قالَ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ: "يَعْنِي: اِخْتَبِرُوهم في عُقُولِهِمْ؛ ودِينِهِمْ"؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمَرَنا بِاخْتِبارِهِمْ قَبْلَ البُلُوغِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَأمَرَ بِابْتِلائِهِمْ في حالِ كَوْنِهِمْ يَتامى؛ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَأخْبَرَ أنَّ بُلُوغَ النِّكاحِ بَعْدَ الِابْتِلاءِ؛ لِأنَّ "حَتّى" غايَةٌ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ الِابْتِلاءِ؛ فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّ هَذا الِابْتِلاءَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإذْنِ لِلصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ في التِّجارَةِ؛ لِأنَّ ابْتِلاءَهُ لا يَكُونُ إلّا بِاسْتِبْراءِ حالِهِ في العِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ؛ وحِفْظِ المالِ؛ ومَتى أُمِرَ بِذَلِكَ كانَ مَأْذُونًا في التِّجارَةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في إذْنِ الصَّبِيِّ في التِّجارَةِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "جائِزٌ لِلْأبِ أنْ يَأْذَنَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ في التِّجارَةِ؛ إذا كانَ يَعْقِلُ الشِّراءَ والبَيْعَ؛ وكَذَلِكَ وصِيُّ الأبِ؛ أوِ الجَدِّ إذا لَمْ يَكُنْ وصِيُّ أبٍ؛ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "لا أرى إذْنَ الأبِ والوَصِيِّ لِلصَّبِيِّ في التِّجارَةِ جائِزًا؛ وإنْ لَحِقَهُ في ذَلِكَ دَيْنٌ لَمْ يَلْزَمِ الصَّبِيَّ مِنهُ شَيْءٌ"؛ وقالَ الرَّبِيعُ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ - في كِتابِهِ "فِي الإقْرارِ" -: "وما أقَرَّ بِهِ الصَّبِيُّ مِن حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوِ الآدَمِيِّ؛ أوْ حَقٍّ في مالٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَإقْرارُهُ ساقِطٌ عَنْهُ؛ سَواءٌ كانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ في التِّجارَةِ؛ أذِنَ لَهُ أبُوهُ؛ أوْ ولِيُّهُ؛ مَن كانَ؛ أوْ حاكِمٌ؛ ولا يَجُوزُ لِلْحاكِمِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ؛ فَإنْ فَعَلَ فَإقْرارُهُ ساقِطٌ عَنْهُ؛ وكَذَلِكَ شِراؤُهُ وبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ والِابْتِلاءُ هو اخْتِبارُهم في عُقُولِهِمْ؛ ومَذاهِبِهِمْ؛ وحَزْمِهِمْ فِيما يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ؛ فَهو عامٌّ في سائِرِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقْتَصِرَ بِالِاخْتِبارِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فِيما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ؛ والِاخْتِبارُ في اسْتِبْراءِ حالِهِ في المَعْرِفَةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ وضَبْطِ أُمُورِهِ؛ وحِفْظِ مالِهِ؛ ولا يَكُونُ إلّا بِإذْنٍ لَهُ في التِّجارَةِ؛ ومَن قَصَرَ الِابْتِلاءَ عَلى اخْتِبارِ عَقْلِهِ بِالكَلامِ؛ دُونَ التَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ؛ وحِفْظِ المالِ؛ فَقَدْ خَصَّ عُمُومَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: (p-٣٥٧)اَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإذْنَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في حالِ الصِّغَرِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ وإنَّما أمَرَ بِدَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ ولَوْ جازَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ في صِغَرِهِ؛ لَجازَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِ في حالِ الصِّغَرِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما أمَرَ بِدَفْعِ المالِ إلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ مِن دَفْعِ المالِ إلَيْهِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ الإذْنَ هو أنْ يَأْمُرَهُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ وذَلِكَ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ مالٍ في يَدِهِ؛ كَما يَأْذَنُ لِلْعَبْدِ في التِّجارَةِ مِن غَيْرِ مالٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ اقْتَضَتِ الأمْرَ بِابْتِلائِهِ؛ ومِنَ الِابْتِلاءِ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ؛ وإنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مالًا؛ ثُمَّ إذا بَلَغَ؛ وقَدْ أُونِسَ مِنهُ رُشْدُهُ؛ دُفِعَ المالُ إلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ الِابْتِلاءُ لا يَقْتَضِي اخْتِبارَهُ بِالإذْنِ لَهُ في التَّصَرُّفِ في الشِّراءِ والبَيْعِ؛ وإنَّما هو اخْتِبارُ عَقْلِهِ مِن غَيْرِ اسْتِبْراءِ حالِهِ في ضَبْطِهِ؛ وعِلْمِهِ بِالتَّصَرُّفِ؛ لَما كانَ لِلِابْتِلاءِ وجْهٌ قَبْلَ البُلُوغِ؛ فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ اخْتِبارُ أمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ؛ ولِأنَّ اخْتِبارَ صِحَّةِ عَقْلِهِ لا يُنْبِئُ عَنْ ضَبْطِهِ لِأُمُورِهِ؛ وحِفْظِهِ لِمالِهِ؛ وعِلْمِهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِالِاحْتِياطِ لَهُ في اسْتِبْراءِ أمْرِهِ في حِفْظِ المالِ؛ والعِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِابْتِلاءُ المَأْمُورُ بِهِ قَبْلَ البُلُوغِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ لا لِاخْتِبارِ صِحَّةِ عَقْلِهِ فَحَسْبُ؛ وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَجُزِ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ قَبْلَ البُلُوغِ؛ لِأنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ فالِابْتِلاءُ إذًا ساقِطٌ مِن هَذا الوَجْهِ؛ فَلا يَخْلُو بَعْدَ البُلُوغِ؛ مَتى أرَدْنا التَّوَصُّلَ إلى إيناسِ رُشْدِهِ؛ مِن أنْ نَخْتَبِرَهُ بِالإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ أوْ لا نَخْتَبِرَهُ بِذَلِكَ؛ فَإنْ وجَبَ اخْتِبارُهُ فَقَدْ أجَزْتَ لَهُ التَّصَرُّفَ؛ وهو عِنْدَكَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ إلى إيناسِ الرُّشْدِ؛ فَإنْ جازَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ وهو مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ فَقَدْ أخْرَجْتَهُ مِنَ الحَجْرِ؛ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الحَجْرِ؛ وهو مَمْنُوعٌ مِن مالِهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وهو مَأْذُونٌ لَهُ؛ فَهَلّا أذِنْتَ لَهُ قَبْلَ البُلُوغِ في التِّجارَةِ؛ لِاسْتِبْراءِ حالِهِ؛ كَما يُسْتَبْرَأُ بِها بِالإذْنِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ مَعَ بَقاءِ الحَجْرِ إلى إيناسِ الرُّشْدِ؛ وإنْ لَمْ يُسْتَبْرَأْ حالُهُ بَعْدَ البُلُوغِ بِالإذْنِ؟ فَكَيْفَ يُعْلَمُ إيناسُ الرُّشْدِ مِنهُ؟ فَقَوْلُ المُخالِفِ لا يَخْلُو مِن تَرْكِ الِابْتِلاءِ؛ أوْ دَفْعِ المالِ قَبْلَ إيناسِ الرُّشْدِ؛ ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الإذْنِ لِلصَّغِيرِ في التِّجارَةِ؛ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ عُمَرَ بْنَ أبِي سَلَمَةَ؛ وهو صَغِيرٌ؛ بِتَزْوِيجِ أُمِّ سَلَمَةَ إيّاهُ»؛ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ أنَّهُ أمَرَ سَلَمَةَ بْنَ أبِي سَلَمَةَ بِذَلِكَ وهو صَغِيرٌ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإذْنِ لَهُ في التَّصَرُّفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ مِن بَيْعٍ أوْ شِراءٍ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَقْتَضِي جَوازَ تَوْكِيلِ (p-٣٥٨)الأبِ إيّاهُ بِشِراءِ عَبْدٍ لِلصَّغِيرِ؛ أوْ بَيْعِ عَبْدٍ لَهُ؟ هَذا هو مَعْنى الإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ وأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ عَلى اخْتِبارِهِمْ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ؛ فَإنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في دَفْعِ المالِ غَيْرُ واجِبٍ؛ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَجُلًا فاسِقًا؛ ضابِطًا لِأُمُورِهِ؛ عالِمًا بِالتَّصَرُّفِ في وُجُوهِ التِّجاراتِ؛ لَمْ يَجُزْ أنْ يُمْنَعَ مالَهُ لِأجْلِ فِسْقِهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ؛ وإنْ كانَ رَجُلًا ذا دِينٍ وصَلاحٍ؛ إلّا أنَّهُ غَيْرُ ضابِطٍ لِمالِهِ؛ يُغْبَنُ في تَصَرُّفِهِ؛ كانَ مَمْنُوعًا مِن مالِهِ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَجْرِ؛ لِقِلَّةِ الضَّبْطِ؛ وضَعْفِ العَقْلِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في ذَلِكَ لا مَعْنى لَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدًا؛ والسُّدِّيَّ قالُوا: "هُوَ الحُلُمُ؛ وهو بُلُوغُ حالِ النِّكاحِ مِنَ الِاحْتِلامِ"؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾؛ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: "فَإنْ عَلِمْتُمْ مِنهم ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "إنَّ أصْلَ الإيناسِ هو الإحْساسُ"؛ حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠]؛ يَعْنِي أحْسَسْتُها؛ وأبْصَرْتُها؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الرُّشْدِ هَهُنا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ والسُّدِّيُّ: "اَلصَّلاحُ في العَقْلِ؛ وحِفْظُ المالِ"؛ وقالَ الحَسَنُ؛ وقَتادَةُ: "اَلصَّلاحُ في العَقْلِ والدِّينِ"؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ؛ ومُجاهِدٌ: "اَلْعَقْلُ"؛ ورَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾؛ قالَ: "إذا أدْرَكَ بِحُلُمٍ؛ وعَقْلٍ؛ ووَقارٍ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ اسْمُ الرُّشْدِ يَقَعُ عَلى العَقْلِ لِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) شَرَطَ رُشْدًا مَنكُورًا؛ ولَمْ يَشْرُطْ سائِرَ ضُرُوبِ الرُّشْدِ؛ اقْتَضى ظاهِرُ ذَلِكَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ؛ بِوُجُودِ العَقْلِ؛ مُوجِبٌ لِدَفْعِ المالِ إلَيْهِ؛ ومانِعٌ مِنَ الحَجْرِ عَلَيْهِ؛ فَهَذا يُحْتَجُّ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ في إبْطالِ الحَجْرِ عَلى الحُرِّ العاقِلِ البالِغِ؛ وهو مَذْهَبُ إبْراهِيمَ؛ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ وأبِي حَنِيفَةَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]؛ وهَذِهِ الشَّرِيطَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِيها أيْضًا؛ وتَقْدِيرُهُ: "وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم إذا بَلَغُوا؛ وآنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا"؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ فَإنَّ السَّرَفَ مُجاوَزَةُ حَدِّ المُباحِ إلى المَحْظُورِ؛ فَتارَةً يَكُونُ السَّرَفُ في التَّقْصِيرِ؛ وتارَةً في الإفْراطِ؛ لِمُجاوَزَةِ حَدِّ الجائِزِ في الحالَيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وبِدارًا﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والحَسَنُ؛ والسُّدِّيُّ: "مُبادَرَةً"؛ والمُبادَرَةُ الإسْراعُ في الشَّيْءِ؛ فَتَقْدِيرُهُ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ أمْوالِهِمْ مُبادَرَةً أنْ يَكْبَرُوا؛ فَيُطالِبُوا بِأمْوالِهِمْ؛ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا صارَ في (p-٣٥٩)حَدِّ الكِبَرِ اسْتَحَقَّ المالَ إذا كانَ عاقِلًا؛ مِن غَيْرِ شَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ؛ لِأنَّهُ إنَّما شُرِطَ إيناسُ الرُّشْدِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وأفادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ إمْساكُ مالِهِ بَعْدَما يَصِيرُ في حَدِّ الكِبَرِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ لِذِكْرِ الكِبَرِ هَهُنا مَعْنًى؛ إذْ كانَ الوالِي عَلَيْهِ هو المُسْتَحِقَّ لِمالِهِ قَبْلَ الكِبَرِ؛ وبَعْدَهُ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا صارَ في حَدِّ الكِبَرِ اسْتَحَقَّ دَفْعَ المالِ إلَيْهِ؛ وجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ حَدَّ الكِبَرِ في ذَلِكَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ جَدًّا؛ ومُحالٌ أنْ يَكُونَ جَدًّا ولا يَكُونَ في حَدِّ الكِبَرِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
بابُ أكْلِ ولِيِّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ؛ فَرَوى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقالَ: إنَّ في حِجْرِي أيْتامًا لَهم أمْوالٌ؛ وهو يَسْتَأْذِنُهُ أنْ يُصِيبَ مِنها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "ألَسْتَ تَهْنَأُ جَرْباءَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَبْغِي ضالَّتَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَلُوطُ حِياضَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَفْرُطُ عَلَيْها يَوْمَ وُرُودِها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "فاشْرَبْ مِن لَبَنِها غَيْرَ ناهِكٍ في الحَلْبِ؛ ولا مُضِرٍّ بِنَسْلٍ"؛ ورَوى الشَّيْبانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "اَلْوَصِيُّ إذا احْتاجَ وضَعَ يَدَهُ مَعَ أيْدِيهِمْ؛ ولا يَكْتَسِي عِمامَةً"؛ فَشَرَطَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَمَلَهُ في مالِ اليَتِيمِ في إباحَةِ الأكْلِ؛ ولَمْ يَشْرُطْ في حَدِيثِ عِكْرِمَةَ؛ ورَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو الخَيْرِ؛ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَنِيُّ؛ أنَّهُ سَألَ أُناسًا مِنَ الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فَقالُوا: "فِينا نَزَلَتْ؛ أنَّ الوَصِيَّ كانَ إذا عَمِلَ في نَخْلِ اليَتِيمِ كانَتْ يَدُهُ مَعَ أيْدِيهِمْ"؛ وقَدْ طُعِنَ في هَذا الحَدِيثِ مِن جِهَةِ سَنَدِهِ؛ ويَفْسُدُ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُمُ الأكْلُ لِأجْلِ عَمَلِهِمْ لَما اخْتَلَفَ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ فَعَلِمْنا أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ساقِطٌ؛ وأيْضًا في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ إباحَةُ الأكْلِ؛ دُونَ أنْ يَكْتَسِيَ مِنهُ عِمامَةً؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا لِعَمَلِهِ لَما اخْتَلَفَ فِيهِ حُكْمُ المَأْكُولِ والمَلْبُوسِ؛ فَهَذا أحَدُ الوُجُوهِ الَّتِي تَأوَّلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ؛ وهو أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الأكْلِ فَحَسْبُ؛ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ؛ وقالَ آخَرُونَ: يَأْخُذُهُ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ ورَوى شَرِيكٌ؛ عَنِ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ؛ عَنْ عُمَرَ قالَ: "إنّى أنْزَلَتْ مالَ اللَّهِ (تَعالى) بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ؛ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ؛ وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ وقَضَيْتُ"؛ ورُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ؛ وسَعِيدِ بْنِ (p-٣٦٠)جُبَيْرٍ؛ وأبِي العالِيَةِ؛ وأبِي وائِلٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وهو أنْ يَأْخُذَ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيَهُ إذا وجَدَ؛ وقَوْلٌ ثالِثٌ: قالَ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ؛ ومَكْحُولٌ: "إنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُ ما يَسُدُّ الجَوْعَةَ؛ ويُوارِي العَوْرَةَ؛ ولا يَقْضِي إذا وجَدَ"؛ وقَوْلٌ رابِعٌ؛ وهو ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ؛ يَتَناوَلُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ فَإذا أيْسَرَ قَضاهُ؛ وإذا لَمْ يُوسِرْ فَهو في حِلٍّ؛ وقَوْلٌ خامِسٌ؛ وهو ما رَوى مِقْسَمٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قالَ: "بِغِناهُ؛ و﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ قالَ: "فَلْيُنْفِقْ عَلى نَفْسِهِ مِن مالِهِ؛ حَتّى لا يُصِيبَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عامِرٍ الأسَدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنِ الحَكَمِ؛ عَنْ مِقْسَمٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمَعْنى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنْهُ أنَّهُ يَقْضِي؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَنسُوخٌ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - في رِوايَةٍ أُخْرى -: "فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِ نَفْسِهِ؛ ولا رُخْصَةَ لَهُ في مالِ اليَتِيمِ"؛ وهو قَوْلُ الحَكَمِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَحَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ السَّلَفِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أرْبَعُ رِواياتٍ؛ عَلى ما ذَكَرْنا؛ إحْداها أنَّهُ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ في إبِلِهِ شَرِبَ مِن لَبَنِها؛ والثّانِيَةُ أنَّهُ يَقْضِي؛ والثّالِثَةُ: "لا يُنْفِقُ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ ولَكِنَّهُ يَقُوتُ عَلى نَفْسِهِ مِن مالِهِ؛ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ؛ والرّابِعَةُ أنَّهُ مَنسُوخٌ؛ والَّذِي نَعْرِفُهُ مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ غَنِيًّا كانَ؛ أوْ فَقِيرًا؛ ولا يُقْرِضُهُ غَيْرَهُ أيْضًا؛ وقَدْ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ سالِمٍ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ قالَ: "أمّا نَحْنُ فَلا نُحِبُّ لِلْوَصِيِّ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَأْخُذُ قَرْضًا إذا احْتاجَ؛ ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ ومَن تابَعَهُ؛ ورَوى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِن مالِ اليَتِيمِ إذا كانَ مُقِيمًا؛ فَإنْ خَرَجَ لِتَقاضِي دَيْنٍ لَهُمْ؛ أوْ إلى ضِياعٍ لَهُمْ؛ فَلَهُ أنْ يُنْفِقَ؛ ويَكْتَسِيَ؛ ويَرْكَبَ؛ فَإذا رَجَعَ رَدَّ الثِّيابَ والدّابَّةَ إلى اليَتِيمِ؛ قالَ: وقالَ أبُو يُوسُفَ: "وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: جَعَلَ أبُو يُوسُفَ الوَصِيَّ في هَذِهِ الحالِ كالمُضارِبِ؛ في جَوازِ النَّفَقَةِ مِن مالِهِ في السَّفَرِ؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "ومَن كانَ لَهُ يَتِيمٌ فَخَلَطَ نَفَقَتَهُ بِمالِهِ؛ فَإنْ كانَ الَّذِي يُصِيبُ اليَتِيمَ أكْثَرَ مِمّا يُصِيبُ ولِيَّهُ مِن نَفَقَتِهِ؛ فَلا بَأْسَ؛ وإنْ كانَ الفَضْلُ لِلْيَتِيمِ فَلا يَخْلِطُهُ"؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ وقالَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ: "يَجُوزُ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أنْ يَأْكُلَ طَعامَ اليَتِيمِ؛ ويُكافِئَهُ عَلَيْهِ"؛ وهَذا (p-٣٦١)يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُجِيزُ لَهُ أنْ يَسْتَقْرِضَ مِن مالِهِ؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: "لا يُعْجِبُنِي أنْ يَنْتَفِعَ مِن مالِهِ بِشَيْءٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى اليَتِيمِ فِيهِ ضَرَرٌ؛ نَحْوَ اللَّوْحِ يَكْتُبُ فِيهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: "يَسْتَقْرِضُ الوَصِيُّ مِن مالِ اليَتِيمِ؛ إذا احْتاجَ إلَيْهِ؛ ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ ويَأْكُلُ الوَصِيُّ مِن مالِ اليَتِيمِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِيهِ؛ إذا لَمْ يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ وهَذِهِ الآيُ مُحْكَمَةٌ؛ حاظِرَةٌ لِمالِ اليَتِيمِ عَلى ولِيِّهِ؛ في حالِ الغِنى؛ والفَقْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مُتَشابِهٌ؛ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ فَأوْلى الأشْياءِ بِها حَمْلُها عَلى مُوافَقَةِ الآيِ المُحْكَمَةِ؛ وهو أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ نَفْسِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أمَرَنا بِرَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ ونَهانا عَنِ اتِّباعِ المُتَشابِهِ مِن غَيْرِ رَدٍّ لَهُ إلى المُحْكَمِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى جَوازِ أخْذِ مالِ اليَتِيمِ قَرْضًا؛ أوْ غَيْرَ قَرْضٍ؛ مُخالِفٌ لِمَعْنى المُحْكَمِ؛ ومَن تَأوَّلَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّهُ إلى المُحْكَمِ؛ وحَمَلَهُ عَلى مَعْناهُ؛ فَهو أوْلى؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مَنسُوخٌ؛ رَواهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ؛ عَنْ عَطِيَّةَ؛ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ؛ ورَوى عِيسى بْنُ عُبَيْدٍ الكِنْدِيُّ؛ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ؛ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ فَإنْ قِيلَ: رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ؛ ولِي يَتِيمٌ؛ فَقالَ: "كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ؛ ولا مُتَأثِّلٍ مالَكَ بِمالِهِ» "؛ ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ؛ عَنِ الحَسَنِ العَوْفِيِّ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"يَأْكُلُ ولِيُّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مِنهُ مالًا"؛» قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ (p-٣٦٢)بِهَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الآيِ المُقْتَضِيَةِ لِحَظْرِ مالِ اليَتِيمِ؛ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ؛ وهو أنْ يَعْمَلَ في مالِ اليَتِيمِ مُضارَبَةً فَيَأْخُذَ مِنهُ مِقْدارَ رِبْحِهِ؛ وهَذا جائِزٌ عِنْدَنا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنْ قِيلَ: فَإذا جازَ أنْ يَأْخُذَ رِبْحَ مالِ اليَتِيمِ إذا عَمِلَ بِهِ مُضارَبَةً؛ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِهِ إذا عَمِلَ فِيهِ؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ أنَّهُ إذا كانَ يَهْنَأُ جَرْباءَ الإبِلِ؛ ويَبْغِي ضالَّتَها؛ ويَلُوطُ حِياضَها؛ جازَ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِن لَبَنِها؛ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ؛ ولا ناهِكٍ حَلْبًا؛ وكَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الوَصِيَّ كانَ إذا عَمِلَ في نَخْلِ اليَتِيمِ كانَتْ يَدُهُ مَعَ أيْدِيهِمْ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لا يَخْلُو الوَصِيُّ؛ إذا أعانَ في الإبِلِ؛ وعَمِلَ في النَّخْلِ؛ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَأْخُذَهُ عَلى وجْهِ الأُجْرَةِ لِعَمَلِهِ؛ أوْ عَلى غَيْرِ الأُجْرَةِ؛ والعِوَضِ مِنَ العَمَلِ؛ فَإنْ كانَ يَأْخُذُهُ عَلى وجْهِ الأُجْرَةِ فَذَلِكَ يَفْسُدُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها أنَّ الَّذِينَ أباحُوا ذَلِكَ لَهُ إنَّما أباحُوهُ في حالِ الفَقْرِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ الغَنِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ؛ وهو نَصُّ الكِتابِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ واسْتِحْقاقُ الأُجْرَةِ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ أُجْرَةً مِن هَذا الوَجْهِ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّ الوَصِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَأْجِرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ؛ والوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ الَّذِينَ أباحُوا ذَلِكَ لَمْ يَشْرُطُوا لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ والإجارَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ؛ والوَجْهُ الرّابِعُ أنَّ مَن أباحَ ذَلِكَ لَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ أُجْرَةً؛ فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أُجْرَةً؛ ولَيْسَ هو بِمَنزِلَةِ رِبْحِ المُضارَبَةِ؛ إذا عَمِلَ بِهِ الوَصِيُّ؛ لِأنَّ الرِّبْحَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المالِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مالًا لِلْيَتِيمِ؛ ألا تَرى أنَّ ما يَشْرُطُهُ رَبُّ المالِ لِلْمُضارِبِ مِنَ الرِّبْحِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ؟ ولَوْ كانَ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ مَشْرُوطًا لِلْمُضارِبِ؛ بَدَلًا مِن عَمَلِهِ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ كالأُجْرَةِ الَّتِي هي مُسْتَحَقَّةٌ مِن مالِ المُسْتَأْجِرِ؛ بَدَلًا مِن عَمَلِ الأجِيرِ؛ هي مَضْمُونَةٌ عَلى المُسْتَأْجِرِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الرِّبْحُ المَشْرُوطُ لِلْمُضارِبِ مَضْمُونًا عَلى رَبِّ المالِ؛ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ؛ وأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عَلى مِلْكِ المُضارِبِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَرِيضًا لَوْ دَفَعَ مالًا مُضارَبَةً؛ وشَرَطَ لِلْمُضارِبِ تِسْعَةَ أعْشارِ الرِّبْحِ؛ وهو أكْثَرُ مِن رِبْحِ مِثْلِهِ؛ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ؛ ولَمْ يُحْتَسَبْ بِالمَشْرُوطِ لِلْمُضارِبِ مِن ذَلِكَ مِن مالِ المَرِيضِ إنْ ماتَ مِن مَرَضِهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ ما لَوِ اسْتَأْجَرَهُ بِأكْثَرَ مِن أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الثُّلُثِ؛ فَلَيْسَ إذًا في أخْذِهِ رِبْحَ المُضارَبَةِ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ الوَصِيُّ في ذَلِكَ كَسائِرِ العُمّالِ؛ والقُضاةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ؛ ويَأْخُذُونَ أرْزاقَهم لِأجْلِ عَمَلِهِمْ (p-٣٦٣)لِلْمُسْلِمِينَ؟ فَكَذَلِكَ الوَصِيُّ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ جازَ لَهُ أخْذُ رِزْقِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ الوَصِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ لِأجْلِ عَمَلِهِ؛ إذا كانَ غَنِيًّا؛ وقَدْ حَظَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ ولا خِلافَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ القُضاةَ والعُمّالَ جائِزٌ لَهم أخْذُ أرْزاقِهِمْ مَعَ الغِنى؛ ولَوْ كانَ ما أخَذَهُ ولِيُّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ يَجْرِي مُجْرى رِزْقِ القُضاةِ؛ والعُمّالِ؛ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ في حالِ الغِنى؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ولِيَّ اليَتِيمِ لا يَسْتَحِقُّ رِزْقًا مِن مالِهِ؛ ولا خِلافَ أيْضًا أنَّ القاضِيَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ وإلَيْهِ القِيامُ بِأمْرِ الأيْتامِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سائِرَ النّاسِ؛ مِمَّنْ لَهُمُ الوِلايَةُ عَلى الأيْتامِ؛ لا يَجُوزُ لَهم أخْذُ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ؛ لا قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ كَما لا يَأْخُذُهُ القاضِي؛ فَقِيرًا كانَ؛ أوْ غَنِيًّا؛ فَإنْ قِيلَ: فَما الفارِقُ بَيْنَ رِزْقِ القاضِي والعامِلِ؛ وبَيْنَ أخْذِ ولِيِّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ مِقْدارَ الكِفايَةِ؛ وبَيْنَ أخْذِ الأُجْرَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ لِشَيْءٍ؛ وإنَّما هو شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ؛ ولِكُلِّ مَن قامَ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ؛ ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ لَهم أخْذُ الأرْزاقِ ولَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ؟ لِأنَّ اشْتِغالَهم بِالفُتْيا وتَفْقِيهِ النّاسِ فَرْضٌ؛ ولا جائِزٌ لِأحَدٍ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى الفُرُوضِ؛ والمُقاتِلَةُ وذُرِّيَّتُها يَأْخُذُونَ الأرْزاقَ ولَيْسَتْ بِأُجْرَةٍ؛ وكَذَلِكَ الخُلَفاءُ؛ وقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ مِنَ الخُمْسِ؛ والفَيْءِ؛ وسَهْمٌ مِنَ الغَنِيمَةِ؛ إذا حَضَرَ القِتالَ؛ وغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَأْخُذُ الأجْرَ عَلى شَيْءٍ؛ مِمّا يَقُومُ بِهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ وكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ (تَعالى): ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]؛ و ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ؛ ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّهُ قَدْ تَجِبُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والأيْتامِ في بَيْتِ المالِ الحُقُوقُ؛ ولا يَأْخُذُونَها بَدَلًا مِن شَيْءٍ؛ فَأخْذُ الأُجْرَةِ لِلْقاضِي؛ ولِمَن قامَ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ غَيْرُ جائِزٍ؛ وقَدْ مُنِعَ القاضِي أنْ يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ؛ وسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ أهُوَ الرِّشا؟ قالَ: "لا؛ ذاكَ كُفْرٌ؛ إنَّما هو هَدايا العُمّالِ"؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ»؛ فالقاضِي مَمْنُوعٌ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِ القَضاءِ؛ ومَحْظُورٌ عَلَيْهِ قَبُولُ الهَدايا؛ وتَأوَّلَها السَّلَفُ عَلى أنَّها السُّحْتُ المَذْكُورُ في كِتابِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ووَلِيُّ اليَتِيمِ لا يَخْلُو فِيما يَأْخُذُهُ مِن مالِ اليَتِيمِ مِن أنْ يَأْخُذَهُ أُجْرَةً؛ أوْ عَلى سَبِيلِ رِزْقِ القاضِي؛ والعامِلِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى عَمَلٍ مَعْلُومٍ؛ ومُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ؛ (p-٣٦٤)وأجْرٍ مَعْلُومٍ؛ ويَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ إجارَةٍ؛ ويَسْتَوِيَ فِيها الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ ومَن يُجِيزُ لَهُ أخْذَ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ عَلى وجْهِ القَرْضِ؛ أوْ عَلى جِهَةٍ غَيْرِ القَرْضِ؛ فَإنَّهُ لا يَجْعَلُهُ أُجْرَةً؛ لِما ذَكَرْنا؛ ولِاخْتِلافِ حُكْمِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عِنْدَهم فِيهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ؛ ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ عَلى حَسَبِ ما يَأْخُذُهُ القُضاةُ مِنَ الأرْزاقِ؛ لِاسْتِواءِ حالِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ مِنَ القُضاةِ فِيما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الأرْزاقِ؛ واخْتِلافُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عِنْدَ مُجِيزِي أخْذِ ذَلِكَ مِن مالِ اليَتِيمِ؛ ولِأنَّ الرِّزْقَ إنَّما يَجِبُ في بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ؛ لا في مالِ أحَدٍ بِعَيْنِهِ مِنَ النّاسِ؛ فالمُشَبِّهُ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ فِيما يُجِيزُ لَهُ أخْذَ شَيْءٍ مِن مالِهِ بِالقاضِي؛ والأجِيرِ؛ فِيما يَأْخُذانِهِ مُغْفِلٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ولِيَّ اليَتِيمِ لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في غَنائِمِ خَيْبَرَ: "لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ"؛» يَعْنِي وبَرَةً أخَذَها مِن بَعِيرِهِ؛ إلّا الخُمُسُ؛ والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ؛ فَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما يَتَوَلّاهُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ كَما ذَكَرْنا؛ فالوَصِيُّ فِيما يَتَوَلّاهُ مِن مالِ اليَتِيمِ أحْرى أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ دُخُولُ الوَصِيِّ في الوَصِيَّةِ؛ عَلى وجْهِ التَّبَرُّعِ مِن غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ؛ كانَ بِمَنزِلَةِ المُسْتَبْضَعِ؛ فَلا أُجْرَةَ لَهُ؛ ولا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِنهُ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ كَما لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُسْتَبْضَعِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْآيُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أمْرِ الأيْتامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبِيلَ الأيْتامِ أنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم في حِفْظِ أمْوالِهِمْ؛ والتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ فِيما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِمْ؛ وهم وصِيُّ الأبِ؛ أوِ الجَدِّ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ وصِيُّ أبٍ أوْ وصِيُّ الجَدِّ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ؛ أوْ أمِينٌ؛ حاكِمٌ عَدْلٌ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ الأمِينُ أيْضًا عَدْلًا؛ وكَذَلِكَ شَرْطُ الأوْصِياءِ؛ والجَدِّ؛ والأبِ؛ وكُلِّ مَن يَتَصَرَّفُ عَلى الصَّغِيرِ؛ لا يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَكُونَ عَدْلًا؛ مَأْمُونًا؛ فَأمّا الفاسِقُ؛ والمُتَّهَمُ مِنَ الآباءِ؛ والمُرْتَشِي مِنَ الحُكّامِ؛ والأوْصِياءِ؛ والأُمَناءِ غَيْرِ المَأْمُونِينَ؛ فَإنَّ واحِدًا مِن هَؤُلاءِ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلى الصَّغِيرِ؛ ولا خِلافَ في ذَلِكَ نَعْلَمُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ القاضِيَ إذا فَسَقَ بِأخْذِ الرِّشا؛ أوْ مَيْلٍ إلى هَوًى؛ وتَرَكَ الحُكْمَ؛ أنَّهُ مَعْزُولٌ؛ غَيْرُ جائِزِ الحُكْمِ؟ فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ (تَعالى) فِيمَنِ ائْتَمَنَهُ عَلى أمْوالِ الأيْتامِ؛ مِن قاضٍ؛ أوْ وصِيٍّ؛ أوْ أمِينٍ؛ أوْ حاكِمٍ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ ثُبُوتُ وِلايَتِهِ في ذَلِكَ؛ إلّا عَلى شَرْطِ العَدالَةِ؛ وصِحَّةِ الأمانَةِ؛ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) أوْلِياءَ الأيْتامِ بِالإشْهادِ عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَ البُلُوغِ؛ بِما يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ مِن أمْوالِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الأحْكامِ؛ أحَدُها الِاحْتِياطُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ اليَتِيمِ؛ ووالِي مالِهِ؛ فَأمّا اليَتِيمُ فَلِأنَّهُ إذا قامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ (p-٣٦٥)بِقَبْضِ المالِ؛ كانَ أبْعَدَ مِن أنْ يَدَّعِيَ ما لَيْسَ لَهُ؛ وأمّا الوَصِيُّ فَلِأنْ يُبْطِلَ دَعْوى اليَتِيمِ بِأنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ؛ كَما أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِالإشْهادِ عَلى البُيُوعِ؛ احْتِياطًا لِلْمُتَبايِعِينَ؛ ووَجْهٌ آخَرُ في الإشْهادِ؛ وهو أنَّهُ يُظْهِرُ أداءَ أمانَتِهِ؛ وبَراءَةَ ساحَتِهِ؛ كَما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُلْتَقِطَ بِالإشْهادِ عَلى اللُّقَطَةِ؛ في حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"مَن وجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ؛ ولا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ"؛» فَأمَرَهُ بِالإشْهادِ؛ لِتَظْهَرَ أمانَتُهُ؛ وتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
* * *
ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في تَصْدِيقِ الوَصِيِّ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ - في الوَصِيِّ إذا ادَّعى بَعْدَ بُلُوغِ اليَتِيمِ أنَّهُ قَدْ دَفَعَ المالَ إلَيْهِ -: إنَّهُ يُصَدَّقُ؛ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ في صِغَرِهِ؛ صُدِّقَ في نَفَقَةِ مِثْلِهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: هَلَكَ المالُ؛ وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ؛ وقالَ مالِكٌ: "لا يُصَدَّقُ الوَصِيُّ أنَّهُ دَفَعَ المالَ إلى اليَتِيمِ"؛ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ قالَ: "لِأنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ غَيْرُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ؛ كالوَكِيلِ بِدَفْعِ المالِ إلى غَيْرِهِ؛ لا يُصَدَّقُ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ في الأمْرِ بِالإشْهادِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ أمِينٍ؛ ولا مُصَدَّقٍ فِيهِ؛ لِأنَّ الإشْهادَ مَندُوبٌ إلَيْهِ في الأماناتِ؛ كَهو في المَضْمُوناتِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ الإشْهادُ عَلى رَدِّ الأماناتِ مِنَ الوَدائِعِ؛ كَما يَصِحُّ في أداءِ المَضْمُوناتِ مِنَ الدُّيُونِ؟ فَإذًا لَيْسَ في الأمْرِ بِالإشْهادِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيهِ إذا لَمْ يُشْهِدْ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مُصَدَّقًا في الرَّدِّ؛ فَما مَعْنى الإشْهادِ مَعَ قَبُولِ قَوْلِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: فِيهِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن ظُهُورِ أمانَتِهِ؛ والِاحْتِياطِ لَهُ في زَوالِ التُّهْمَةِ عَنْهُ في ألّا يُدَّعى عَلَيْهِ بَعْدَما قَدْ ظَهَرَ رَدُّهُ؛ وفِيهِ الِاحْتِياطُ لِلْيَتِيمِ في ألّا يَدَّعِيَ ما يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيهِ؛ وفِيهِ أيْضًا سُقُوطُ اليَمِينِ عَنِ الوَصِيِّ إذا كانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ في دَفْعِهِ إلَيْهِ؛ ولَوْ لَمْ يُشْهِدْ؛ وادَّعى اليَتِيمُ أنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ؛ كانَ القَوْلُ قَوْلَ الوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ وإذا أشْهَدَ فَلا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُضَمَّنَةٌ بِالإشْهادِ؛ وإنْ كانَ أمانَةً في يَدِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيهِ بِغَيْرِ إشْهادٍ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهِ؛ وإمْساكِهِ عَلى وجْهِ الأمانَةِ؛ حَتّى يُوصِلَهُ إلى اليَتِيمِ في وقْتِ اسْتِحْقاقِهِ؛ فَهو بِمَنزِلَةِ الوَدائِعِ؛ والمُضارَباتِ؛ وما جَرى مُجْراها مِنَ الأماناتِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا عَلى الرَّدِّ؛ كَما يُصَدَّقُ عَلى رَدِّ الوَدِيعَةِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أمانَةٌ؛ أنَّ اليَتِيمَ لَوْ صَدَّقَهُ عَلى الهَلاكِ لَمْ يُضَمِّنْهُ؛ كَما أنَّ المُودِعَ إذا صَدَّقَ المُودَعَ في هَلاكِ الوَدِيعَةِ لَمْ يُضَمِّنْهُ؛ وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ: "إنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتَمِنهُمُ الأيْتامُ لَمْ يُصَدَّقُوا"؛ (p-٣٦٦)فَقَوْلٌ ظاهِرُ الِاخْتِلالِ؛ بَعِيدٌ مِن مَعانِي الفِقْهِ؛ مُنْتَقَضٌ؛ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ما ذَكَرَهُ عِلَّةً لِنَفْيِ التَّصْدِيقِ لَوَجَبَ ألّا يُصَدَّقَ القاضِي إذا قالَ لِلْيَتِيمِ: "قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ"؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ وكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ في الأبِ - إذا قالَ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ: "قَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ مالَكَ " - ألّا يُصَدِّقَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ ويَلْزَمُهُ أيْضًا أنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمُ الضَّمانَ؛ إذا تَصادَقُوا بَعْدَ البُلُوغِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ؛ لِأنَّهُ أمْسَكَ مالَهُ مِن غَيْرِ ائْتِمانٍ لَهُ عَلَيْهِ؛ وأمّا تَشْبِيهُهُ إيّاهُ بِالوَكِيلِ؛ بِدَفْعِ المالِ إلى غَيْرِهِ؛ فَتَشْبِيهٌ بَعِيدٌ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلا فارِقَ بَيْنَهُما مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صَدَّقْنا فِيهِ الوَصِيَّ؛ لِأنَّ الوَكِيلَ مُصَدَّقٌ أيْضًا في بَراءَةِ نَفْسِهِ؛ غَيْرُ مُصَدَّقٍ في إيجابِ الضَّمانِ ودَفْعِهِ إلى غَيْرِهِ؛ وإنَّما لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلى المَأْمُورِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ فَأمّا في بَراءَةِ نَفْسِهِ فَهو مُصَدَّقٌ؛ كَما صَدَّقْنا الوَصِيَّ عَلى الرَّدِّ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وأيْضًا فَإنَّ الوَصِيَّ في مَعْنى مَن يَتَصَرَّفُ عَلى اليَتِيمِ بِإذْنِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ في البَيْعِ والشِّراءِ؛ كَجَوازِ تَصَرُّفِ أبِيهِ؟ فَإذا كانَ إمْساكُ الوَصِيِّ المالَ بِائْتِمانِ الأبِ لَهُ عَلَيْهِ؛ وإذْنِ الأبِ جائِزٌ عَلى الصَّغِيرِ؛ صارَ كَأنَّهُ مُمْسِكٌ لَهُ بَعْدَ البُلُوغِ بِإذْنِهِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُودَعِ.
{"ayah":"وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق