الباحث القرآني
﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ، والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ (p-204)أصْحابِها سُفَهاءَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ المُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَتامى مُطْلَقًا، ووَصْفُهم بِالسَّفَهِ بِاعْتِبارِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى لا شُرُوعٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَذْكُورًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ أيْ واخْتَبِرُوا مَن عِنْدَكم مِنَ اليَتامى بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في الِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذا الِاهْتِداءِ رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَعْتَبِرُ مَعَ هَذا أيْضًا الصَّلاحَ في الدِّينِ، إلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
واتَّفَقَ الإمامانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّ هَذا الِاخْتِبارَ قَبْلَ البُلُوغِ وظاهِرُ الكَلامِ يَشْهَدُ لَهُما لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّهُ بَعْدَ البُلُوغِ، وفَرَّعَ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى كَوْنِ الِاخْتِبارِ قَبْلُ، أنَّ تَصَرُّفاتِ العاقِلِ المُمَيِّزِ بِإذْنِ الوَلِيِّ صَحِيحَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ إذا أُذِنَ لَهُ في البَيْعِ والشِّراءِ مَثَلًا، وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاخْتِبارُ لا يَقْتَضِي الإذْنَ في التَّصَرُّفِ لِأنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ وهو مَوْقُوفٌ عَلى الشَّرْطَيْنِ وهُما إنَّما يَتَحَقَّقانِ بَعْدُ، بَلْ يَكُونُ بِدُونِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِالحالِ، فَوَلَدُ التّاجِرِ مَثَلًا يُخْتَبَرُ في البَيْعِ والشِّراءِ إلى حَيْثُ يَتَوَقَّفُ الأمْرُ عَلى العَقْدِ وحِينَئِذٍ يَعْقِدُ الوَلِيُّ إنْ أرادَ، وعَلى هَذا القِياسُ.
﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أيْ إذا بَلَغُوا حَدَّ البُلُوغِ وهو إمّا بِالِاحْتِلامِ أوْ بِالسَّنِّ وهو خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وعَلَيْها الفَتْوى عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِما أنَّ العادَةَ الفاشِيَةَ أنَّ الغُلامَ والجارِيَةَ يَصْلُحانِ لِلنِّكاحِ وثَمَرَتِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ ولا يَتَأخَّرانِ عَنْها، والِاسْتِدْلالُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في «الخِلافِيّاتِ» مِن حَدِيثِ أنَسٍ إذا اسْتَكْمَلَ المَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ضَعِيفٌ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأنَّ إسْنادَ الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وشاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ أنَّ السِّنَّ لِلْغُلامِ تَمامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ولِلْجارِيَةِ تَمامُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولَهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ وأشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتابَعَهُ القُتَبِيُّ، وهَذا أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشْؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقَصْنا في حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجَ لا مَحالَةَ، وعَنْهُ في الغُلامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمُرادُ أنْ يَطْعَنَ في التّاسِعَةَ عَشْرَةَ ويَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: فِيهِ اخْتِلافُ الرِّوايَةِ لِذِكْرِ حَتّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وشاعَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قَدْ جَعَلَ الإنْباتَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، وشَنَّعَ ابْنُ حَزْمٍ الضّالِّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيَّةُ أنَّهُ إذا أُسِرَ مُراهِقٌ ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ بالِغٌ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالبالِغِينَ مِن قَتْلٍ ومِنٍّ وفِداءٍ بِأسْرى مَنًّا أوْ مالٍ واسْتِرْقاقٍ أوْ غَيْرُ بالِغٍ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالصِّبْيانِ مِنَ الرِّقِّ يُكْشَفُ عَنْ سَوْأتِهِ فَإنْ أنْبَتَ فَلَهُ حُكْمُ الرِّجالِ وإلّا فَلا وإنَّما يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُخْبِرُ المُسْلِمِينَ بِبُلُوغِهِ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ بِخِلافِ المُسْلِمِ فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ بُلُوغِهِ بِذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلتَّشْنِيعِ وغايَةَ ما فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ الإنْباتَ سَبَبًا لِإجْراءِ أحْكامِ الرِّجالِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِعَدَمِ السَّبِيلِ إلى مَعْرِفَةِ البُلُوغِ فِيها، وصَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ أمارَةً في الجُمْلَةِ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ، وأمّا أنَّ فِيهِ أنَّ الإنْباتَ أحَدُ أدِلَّةِ البُلُوغِ مِثْلَ الِاحْتِلامِ والإحْبالِ والحَيْضِ والحَبَلِ (p-205)فِي الكُفّارِ دُونَ المُسْلِمِينَ فَلا.
﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ أحْسَسْتُمْ قالَهُ مُجاهِدٌ وأصْلُ مَعْنى الِاسْتِئْناسِ كَما قالَ الشِّهابُ النَّظَرُ مِن بَعْدِ مَعَ وضْعِ اليَدِ عَلى العَيْنِ إلى قادِمٍ ونَحْوِهِ مِمّا يُؤْنَسُ بِهِ، ثُمَّ عُمَّ في كَلامِهِمْ قالَ الشّاعِرُ:
”
؎آنَسَتْ“ نَبْأةً وأفْزَعَها القَ نّاصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ
ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّبَيُّنِ أيْ عِلْمِ الشَّيْءِ بَيِّنًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَهُ الإبْصارُ مُطْلَقًا وأنَّهُ أُخِذَ مِن إنْسانِ العَيْنِ وهو حَدَقَتُها الَّتِي يُبْصِرُ بِها، وهو هُنا مُحْتَمَلٌ لِأنْ يُرادَ مِنهُ المَعْنى المَجازِيُّ أوِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وقَرَأابْنُ مَسْعُودٍ أحَسْتُمْ بِحاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ ساكِنَةٍ، وأصْلُهُ أحْسَسْتُمْ بِسِينَيْنِ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الأُولى إلى الحاءِ وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إحْداهُما عَلى غَيْرِ القِياسِ، وقِيلَ: إنَّها لُغَةُ سَلِيمٍ وإنَّها مُطَّرِدَةٌ في عَيْنِ كُلِّ فِعْلٍ مُضاعَفٍ اتَّصَلَ بِها تاءُ الضَّمِيرِ، أوْ نُونُهُ كَما في قَوْلِ أبِي زَيْدٍ الطّائِيِّ:
؎خَلا أنَّ العَتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحْسِنْ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسٌ
﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيِ اهْتِداءًا إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها، وقِيلَ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقُرِئَ ”رُشْدًا“ بِفَتْحَتَيْنِ، و”رُشْدًا“ بِضَمَّتَيْنِ، وهُما بِمَعْنى رُشْدًا، وقِيلَ: الرُّشْدُ بِالضَّمِّ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وبِالفَتْحِ في الأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرَ، والرّاشِدُ والرَّشِيدُ يُقالُ فِيهِما ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، ونَظْمُ الآيَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وتُسَمّى ابْتِدائِيَّةً في ذَلِكَ، ولا يَذْهَبُ مِنها مَعْنى الغايَةِ كَما نَصُّوا عَلَيْهِ في عامَّةِ كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ خِلافًا لِمَن وهَمَ فِيهِ، وما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ بَلَغُوا وجَوابُهُ الشُّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَما حَقَّقَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرَ في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» لِابْنِ عَقِيلٍ أنَّهُ إذا تَوالى شَرْطانِ فَأكْثَرُ كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي إنْ وعَدْتُكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فَأحْسَنْتُ إلَيْكَ جَوابُ إنْ جِئْتَنِي واسْتَغْنى بِهِ عَنْ جَوابِ إنْ وعَدْتُكَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، بِمَنزِلَةِ الحالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جِئْتَنِي في حالِ وعْدِي لَكَ، والصَّحِيحُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الجَوابَ لِلْأوَّلِ، وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ فَإذا قُلْتَ: إنْ دَخَلْتَ الدّارَ إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا إنْ جاءَ إلَيْكَ فَأنْتَ حُرٌّ، فَأنْتَ حُرُّ جَوابُ إنْ دَخَلْتَ، وإنْ دَخَلْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ كَلَّمْتَ، وإنْ كَلَّمْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ جاءَ، والدَّلِيلُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ في المَعْنى، والجَوابُ مُتَأخِّرٌ فالشَّرْطُ الثّالِثُ مُقَدَّمٌ وكَذا الثّانِي فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جاءَ فَإنْ كَلَّمْتَ فَإنْ دَخَلْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَلا يَعْتِقُ إلّا إذا وقَعَتْ، هَكَذا مَجِيءُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ دُخُولٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وذَكَرَ الجَصّاصُ أنَّ فِيها خِلافًا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ، ولَيْسَ مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فَقَطْ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ قالَ:
؎إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنّا مَعاقِدُ عِزٍّ زانَها كَرَمُ
وعَلَيْهِ فُصَحاءُ المُوَلِّدِينَ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: الجَوابُ لِلْأخِيرِ والشَّرْطُ الأخِيرُ وجَوابُهُ جَوابُ الثّانِي، والشَّرْطُ الثّانِي وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا لا يَعْتِقُ حَتّى يُوجَدَ هَكَذا دُخُولُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ مَجِيءٌ، وقالَ بَعْضُهم: (p-206)إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ العِتْقُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ، وهَذا إذا كانَ التَّوالِي بِلا عاطِفٍ فَإنْ عاطَفَ بِأوْ فالجَوابُ لِأحَدِهِما دُونَ تَعْيِينٍ نَحْوَ إنْ جِئْتَنِي، أوْ إنْ أكْرَمْتَ زَيْدًا أحْسَنْتُ إلَيْكَ وإنْ كانَ بِالواوِ فالجَوابُ لَهُما. وإنْ كانَ بِالفاءِ فالجَوابُ لِلثّانِي، وهو وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ فَتَخْرُجُ الفاءُ عَنِ العَطْفِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ المَقْرُونِ بِالفاءِ وهي رابِطَةٌ لِلْجَوابِ كالفاءِ الثّانِيَةِ وما خَرَّجْناهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي ارْتَضاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَذْهَبُ الزَّجّاجِ وبَعْضِ النُّحاةِ والمُؤْنَةُ عَلَيْهِ أقَلُّ أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ حَرْفُ جَرٍّ، وإذا مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، والعامِلُ فِيها عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ ما يَتَلَخَّصُ مِن مَعْنى جَوابِها والمَعْنى وابْتَلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ فاسْتِحْقاقُهم دَفْعُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ مِنهم، وعَبَّرَ في البُلُوغِ بِإذا وفي الإيناسِ بِإنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ظُهُورًا وخَفاءً.
وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ولَوْ بَلَغُوا ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُمُ الرُّشْدُ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُ الإمامَيْنِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يُدْفَعُ إلى اليَتِيمِ مالُهُ وإنْ شَمَطَ ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ، ونُسِبَ إلى الشَّعْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الأعْظَمُ:
إذا زادَتْ عَلى سِنِّ البُلُوغِ سَبْعَ سِنِينَ وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ إذِ الطِّفْلُ يُمَيِّزُ بَعْدَها ويُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ كَما في الحَدِيثِ يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْنَسِ الرُّشْدُ لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ السِّنَّ ولَمْ يَتَأدَّبِ انْقَطَعَ عَنْهُ الرَّجاءُ غالِبًا فَلا مَعْنى لِلْحَجَرِ بَعْدَهُ وفي «الكافِي» . ولِلْإمامِ الأعْظَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾، والمُرادُ بَعْدَ البُلُوغِ فَهو تَنْصِيصٌ عَلى وُجُوبِ دَفْعِ المالِ بَعْدَ البُلُوغِ إلّا أنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ مالُهُ قَبْلَ هَذِهِ المُدَّةِ بِالإجْماعِ، ولا إجْماعَ هُنا فَيَجِبُ دَفْعُ المالِ بِالنَّصِّ، والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ العَدَمِ عِنْدَنا عَلى أنَّ الشَّرْطَ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَإذا صارَ الشَّرْطُ في حُكْمِ الوُجُودِ بِوَجْهٍ وجَبَ جَزاؤُهُ، وأوَّلُ أحْوالِ البُلُوغِ قَدْ يُقارِنُهُ السَّفَهُ بِاعْتِبارِ أثَرِ الصِّبا وبَقاءِ أثَرِهِ كَبَقاءِ عَيْنِهِ، وإذا امْتَدَّ الزَّمانُ وظَهَرَتِ الخِبْرَةُ والتَّجْرِبَةُ لَمْ يَبْقَ أثَرُ الصِّبا وحَدَثَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ حالُ كَمالِ لُبِّهِ فَقَدْ ورَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يَنْتَهِي لُبُّ الرَّجُلِ إذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ. وقالَ أهْلُ الطِّباعِ: مَن بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَ أشُدَّهُ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا صَحِيحًا في هَذا السَّنِّ لِأنَّ أدْنى مُدَّةِ البُلُوغِ اثْنا عَشَرَ حَوْلًا وأدْنى مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَفي هَذِهِ المُدَّةِ يُمْكِنُ أنْ يُولَدَ لَهُ ابْنٌ ثُمَّ ضِعْفَ هَذا المَبْلَغِ يُولَدُ لِابْنِهِ ابْنٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيتاءِ فِيها الدَّفْعُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ إلَخْ بِأنَّهُ إذا كانَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كافِيًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لا مَحالَةَ في ذَلِكَ السَّنِّ كَما هو صَرِيحُ كَلامِهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتُدِلَّ كانَ الدَّفْعُ حِينَئِذٍ عِنْدَ إيناسِ الرُّشْدِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ الإمامَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ مَذْهَبَ الإمامِ وُجُوبُ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ إنْ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى خِلافٌ بَيْنِ الإمامِ وغَيْرِهِ في أنَّ الرُّشْدَ المُعْتَبَرَ شَرْطًا لِلدَّفْعِ في الآيَةِ ماذا وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما شاعَ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأيْضًا إنْ أُرِيدَ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الرُّشْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ هو الرُّشْدُ في مَصْلَحَةِ المالِ فَكَوْنُهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في سِنِّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً في حَيِّزِ المَنعِ، وإنْ أُرِيدَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَما كانَ فَهو عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ حُصُولِهِ إذْ ذاكَ لا يُجْدِي نَفْعًا إذِ الآيَةُ كالصَّرِيحَةِ في اشْتِراطِ الضَّرْبِ الأوَّلِ.
فَقَدْ قالَ الفَخْرُ: «لا شَكَّ (p-207)أنَّ المُرادَ مِنِ ابْتِلاءِ اليَتامى المَأْمُورِ بِهِ ابْتِلاؤُهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ حِفْظِ المالِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَإنْ آنَسْتُمْ رُشْدًا في ضَبْطِ مَصالِحِهِ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ تَفَكَّكَ النَّظْمُ ولَمْ يَبْقَ لِلْبَعْضِ تَعَلُّقٌ بِالبَعْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا عَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ المُعْتَبَرَ في الآيَةِ هو حُصُولُ الرُّشْدِ في رِعايَةِ مَصالِحِ المالِ ”لا ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَ كانَ“، ثُمَّ قالَ: والقِياسُ الجَلِيُّ يُقَوِّي الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لِأنَّ الصَّبِيَّ إنَّما مُنِعَ مِنهُ المالُ لِفِقْدانِ العَقْلِ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المالِ وكَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَإذا كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في الشّابِّ والشَّيْخِ كانا في حُكْمِ الصَّبِيِّ» فَوَجَبَ أنْ يُمْنَعَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِما إنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُما الرُّشْدُ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في التَّعْلِيلِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهم لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ ولِقُوَّةِ كَلامِ المُخالِفِ في هَذِهِ المَسْألَةِ شَنَّعَ الضّالُّ ابْنُ حَزْمٍ كَعادَتِهِ مَعَ سائِرِ أئِمَّةِ الدِّينِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتابَعَهُ في ذَلِكَ سُفَهاءُ الشِّيعَةِ كَيُوسُفَ الأوالِيِّ وغَيْرِهِ ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ مِنَ الفُرُوعِ، وكَمْ لِابْنِ حَزْمٍ وأتْباعِهِ فِيها مِنَ المُخالَفاتِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ ومُتَمَسِّكُهم في ذَلِكَ بِما هو أوْهى وأوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.
ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ عَلِمَ أنَّ نَظَرَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ دَقِيقٌ لِأنَّ اليَتِيمَ بَعْدَ أنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ واعْتُبِرَ إيمانُهُ وكُفْرُهُ وصارَ مَوْرِدَ الخِطاباتِ الإلَهِيَّةِ والتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وسَلَّمَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نَفْسَهُ يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ اخْتِيارِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ المَدْحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ كانَ مَنعُ مالِهِ عَنْهُ وتَصَرُّفُ الغَيْرِ بِهِ أشْبَهَ الأشْياءِ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ هَذا وإنِ اقْتَضى دَفْعَ المالِ إلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلى بُلُوغِهِ سِنَّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ فِيمَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إلّا أنا أخَّرْنا الدَّفْعَ إلى هَذِهِ المُدَّةِ لِلتَّأْدِيبِ ورَجاءَ الرُّشْدِ والكَفِّ عَنِ السَّفَهِ وما فِيهِ تَبْذِيرُ المالِ وإفْسادُهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ أخْذِ أمْوالِ البُغاةِ وحَبْسِها عَنْهم لِيَفِيئُوا، واعْتُبِرَتِ الزِّيادَةُ سَبْعَ سِنِينَ لِأنَّها كَما تَقَدَّمَ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ، والعَشْرُ مَثَلًا وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» إلّا أنّا اعْتَبَرْنا الأقَلَّ لِأنَّهُ كافٍ في الغَرَضِ غالِبًا، ولا يُرَدُّ أنَّ المَنعَ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ سَفَهِ الصِّبا ولا نُسَلِّمُ بَقاءَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُدَّةِ عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ عِنْدَنا فَأصْلُ الدَّوَرانِ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ، وعَلى هَذا لا مَعْنى لِلتَّشْنِيعِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ.
ويُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى أنَّهُ لا يُمْنَعُ مالُ اليَتِيمِ عَنْهُ إذا كَبُرَ، إذِ المَعْنى لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم بِأنْ تُفَرِّطُوا في إنْفاقِها وتَقُولُوا نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا إلّا أنَّهُ قُدِّرَ الكِبَرُ فِيمَن بَلَغَ سَفِيهًا بِما تَقَدَّمَ لِما تَقَدَّمَ، فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ. والإسْرافُ في الأصْلِ تَجاوُزُ الحَدِّ المُباحِ إلى ما لَمْ يَبُحْ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ في الإفْراطِ، ورُبَّما كانَ في التَّقْصِيرِ غَيْرَ أنَّهُ إذا كانَ في الإفْراطِ مِنهُ يُقالُ: أسْرَفَ يُسْرِفُ إسْرافًا، وإذا كانَ في التَّقْصِيرِ يُقالُ: سَرَفَ يُسْرِفُ سَرَفًا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّهْوِ والخَطَأِ وهو غَيْرُ مُرادٍ أصْلًا، والمُبادَرَةُ المُسارَعَةُ وهي لِأصْلِ الفِعْلِ هُنا وتَصِحُّ المُفاعَلَةُ فِيهِ بِأنْ يُبادِرَ الوَلِيُّ أخْذَ مالِ اليَتِيمِ واليَتِيمُ يُبادِرُ نَزْعَهُ مِنهُ، وأصْلُها كَما قِيلَ: مِنَ البِدارِ وهو الِامْتِلاءُ ومِنهُ البَدْرُ لِامْتِلائِهِ نُورًا، والبُدْرَةُ لِامْتِلائِها بِالمالِ، والبَيْدَرُ لِامْتِلائِهِ بِالطَّعامِ والِاسْمانِ المُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ابْتَلُوا لا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ بَعْدَ البُلُوغِ (p-208)وهَذا قَبْلَهُ، و”يَكْبَرُوا“ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن بابِ عَلِمَ يُسْتَعْمَلُ في السِّنِّ، وأمّا بِالضَّمِّ فَهو في القُدْرَةِ والشَّرَفِ، وإذا تَعَدّى الثّانِي بِعَلى كانَ لِلْمَشَقَّةِ نَحْوَ كَبِرَ عَلَيْهِ كَذا وتَخْصِيصُ الأكْلِ الَّذِي هو أساسُ الِانْتِفاعِ وتَكْثُرُ الحاجَةُ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفي الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إلَخْ أيْ ومَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ذا مالٍ فَلْيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ ولْيَنْتَفِعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى، فالِاسْتِعْفافُ الكَفُّ وهو أبْلَغُ مِنَ العَفِّ، وفي «المُخْتارِ» يُقالُ: «عَفَّ عَنِ الحَرامِ يَعِفُّ بِالكَسْرِ عِفَّةً وعَفًّا وعَفافَةً أيُّ كَفَّ فَهو عَفٌّ وعَفِيفٌ؛ والمَرْأةُ عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ، وأعَفَّهُ اللَّهُ تَعالى واسْتَعَفَّ عَنِ المَسْألَةِ أيْ عَفَّ، وتَعَفَّفَ تَكَلَّفَ العِفَّةَ»، وتَفْسِيرُهُ بِالتَّنَزُّهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى.
﴿ومَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ مِن سَدِّ الجَوْعَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وُالطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَأْكُلُ الفَقِيرُ إذا ولِيَ مالَ اليَتِيمِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلى مالِهِ ومَنفَعَتِهِ لَهُ ما لَمْ يُسْرِفْ أوْ يُبَذِّرْ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ «ابْنِ عُمَرَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ وإنِّي ولِيُّ يَتِيمٍ فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ بِمالِهِ»، وهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ أُجْرَةً أمْ لا؟ قَوْلانِ، ومَذْهَبُنا الثّانِي كَما صَرَّحَ بِهِ الجَصّاصُ في «الأحْكامِ»، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وآخَرِينَ أنَّ لِلْوَلِيِّ الفَقِيرِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِقَدْرِ الكِفايَةِ عَلى جِهَةِ القَرْضِ فَإذا وجَدَ مَيْسَرَةً أعْطى ما اسْتَقْرَضَ، وهَذا هو الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُما مِن طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وإنِ احْتَجْتُ أخَذْتُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ إلَخْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى إباحَةِ الأكْلِ دُونَ الكُسْوَةِ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ اليَتِيمِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِن مالِهِ بِحَسَبِ حالِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ وهو مَرْدُودٌ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ لا يُعْطِي مَعْنى ذَلِكَ، والتَّفْكِيكُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
﴿فَإذا دَفَعْتُمْ﴾ أيُّها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيِ اليَتامى بَعْدَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ لَكم ﴿أمْوالَهُمْ﴾ الَّتِي تَحْتَ أيْدِيكم، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بِأنْ قَبَضُوها وبَرِئَتْ عَنْها ذِمَمُكم لِما أنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ وأنْفى لِلْخُصُومَةِ وأدْخَلُ في الأمانَةِ وهو أمْرٌ نُدِبَ عِنْدَنا، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ والمالِكِيَّةُ إلى أنَّهُ أمْرُ وُجُوبٍ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ القَيِّمَ لا يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ في الدَّفْعِ بِدُونِ بَيِّنَةٍ.
﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ شَهِيدًا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنًى وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا أنَّهُ لا شاهِدَ أفْضَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم وهَذا مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في عَدَمِ لُزُومِ البَيِّنَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى وكَفى بِهِ تَعالى مُحاسِبًا لَكم فَلا تُخالِفُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ولا تُجاوِزُوا ما حُدَّ لَكم، ولا يَخْفى مَوْقِعُ المُحاسِبِ هُنا لِأنَّ الوَصِيَّ يُحاسَبُ عَلى ما في يَدِهِ، وفي فاعِلِ كَفى كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ، (p-209)والباءُ زائِدَةٌ دَخَلَتْ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ، فالتَّقْدِيرُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، والثّانِي: أنَّ الفاعِلَ مُضْمَرٌ والتَّقْدِيرً كَفى الِاكْتِفاءَ بِاللَّهِ تَعالى فَبِاللَّهِ عَلى هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وحَسِيبًا حالٌ، وقِيلَ: تَمْيِيزٌ، وكَفى مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ عِنْدَ السَّمِينِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ حَسِيبًا، وإلى مَفْعُولَيْنِ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ شَرَّكم ونَحْوَ ذَلِكَ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أيِ احْذَرُوهُ مِنَ المُخالَفاتِ والنَّظَرِ إلى الأغْيارِ والزَمُوا عَهْدَ الأزَلِ حِينَ أشْهَدَكم عَلى أنْفُسِكم ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ويُعَبَّرُ عَنْها أيْضًا بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالِمِ وبِآدَمَ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو الأبُ لِآدَمَ، وإلى ذَلِكَ أشارَ سُلْطانُ العاشِقِينَ ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ:
؎وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي
﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ وهي الطَّبِيعَةُ أوِ النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ النّاشِئَةُ مِنها، وقَدْ خُلِقَتْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي عالَمَ الكَوْنِ وهو الضِّلْعُ الأيْسَرُ المُشارُ إلَيْهِ في الخَبَرِ، وقَدْ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أضْعَفُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الحَقِّ ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا﴾ أيْ كامِلِينَ يَمِيلُونَ إلى أبِيهِمْ ﴿ونِساءً﴾ ناقِصِينِ يَمِيلُونَ إلى أُمِّهِمْ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ فَلا تُثْبِتُوا لِأنْفُسِكم وُجُودًا مَعَ وُجُودِهِ لِأنَّهُ الَّذِي أظْهَرَ تَعَيُّناتِكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا واتَّقُوا الأرْحامَ أيِ اجْتَنِبُوا مُخالَفَةَ أوْلِيائِي وعَدَمَ مَحَبَّتِهِمْ فَإنَّ مَن وصَلَهم وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَهم قَطَعْتُهُ فالأرْحامُ الحَقِيقِيَّةُ هي قَرابَةُ المَبادِئِ العالِيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ ناظِرًا إلى قُلُوبِكم مُطَّلِعًا عَلى ما فِيها فَإذا رَأى فِيها المَيْلَ إلى السَّوِيِّ وسُوءِ الظَّنِّ بِأهْلِ حَضْرَتِهِ ارْتَحَلَتْ مَطايا أنْوارِهِ مِنها فَبَقِيَتْ بَلاقِعَ تَتَجاوَبُ في أرْجائِها البُومُ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ وهم يَتامى القُوى الرُّوحانِيَّةِ المُنْقَطِعِينَ عَنْ تَرْبِيَةِ الرُّوحِ القُدْسِيِّ الَّذِي هو أبُوهم ﴿أمْوالَهُمْ﴾ وهي حُقُوقُهم مِنَ الكِمالاتِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ بِأنْ تُعْطُوا الطَّيِّبَ مِنَ الصِّفاتِ وتُذَيِّلُوهُ وتَأْخُذُوا بَدَلَهُ الخَبِيثَ مِنها وتَتَّصِفُوا بِهِ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ بِأنْ تَخْلِطُوا الحَقَّ بِالباطِلِ ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ أيْ حِجابًا عَظِيمًا ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا﴾ أيْ تَعْدِلُوا في تَرْبِيَةِ يَتامى القَوِيِّ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ لِتَقِلَّ شَهَواتُكم وتَحْفَظُوا فُرُوجَكم فَتَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلى التَّرْبِيَةِ لِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ التَّزْكِيَةِ عَنِ الفاحِشَةِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا﴾ بَيْنَ النِّساءِ فَتَقَعُوا في نَحْوِ ما هَرَبْتُمْ مِنهُ ﴿فَواحِدَةً﴾ تَكْفِيكم في تَحْصِيلِ غَرَضِكم ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ ﴿نِحْلَةً﴾ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ عَنِ البُخْلِ والغَدْرِ والتَّحْلِيَةِ بِالوَفاءِ والكَرَمِ، وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يُرَبِّي بِهِ القَوِيُّ ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ولا تَأْنَفُوا وتَتَكَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ وهَذا أيْضًا نَوْعٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّخْلِيَةِ عَنِ الكِبَرِ والأنَفَةِ والتَّحْلِيَةِ بِالتَّواضُعِ والشَّفَقَةِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ أيْ لا تُودِعُوا النّاقِصِينَ عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ أسْرارَكم وعُلُومَكم ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها﴾ أيْ غَذُّوهم بِشَيْءٍ مِنها ﴿واكْسُوهُمْ﴾ أيْ حَلُّوهم ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ " لِيَنْقادُوا إلَيْكم ويُسَلِّمُوا أنْفُسَهم بِأيْدِيهم ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ أيِ اخْتَبِرُوهم، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى اخْتِبارِ النّاقِصِينَ مِنَ السّائِرِينَ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ وصَلَحُوا لِلْإرْشادِ والتَّرْبِيَةِ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ أيِ اسْتِقامَةً في الطَّرِيقِ وعَدَمَ تَلَوُّنٍ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَها مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا تُودَعُ إلّا عِنْدَ الأحْرارِ.
(p-210)والمُرادُ إيصاءُ الكُمَّلِ مِنَ الشُّيُوخِ أنْ يُخْلِفُوا ويَأْذَنُوا بِالإرْشادِ مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ السّالِكِينَ عَلى أيْدِيهِمْ ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ أيْ تَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ دُونَهم ﴿إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ بِالتَّصَدِّي لِلْإرْشادِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أدْواءِ النَّفْسِ والسُّمُومِ القاتِلَةِ ﴿ومَن كانَ﴾ مِنكم ﴿غَنِيًّا﴾ بِاللَّهِ لا يَلْتَفِتُ إلى ضَرُوراتِ الحَياةِ أصْلًا ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عَمّا لِلْمُرِيدِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ لا يَتَحَمَّلُ الضَّرُورَةَ ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ أيْ فَلْيَنْتَفِعْ بِما لِلْمُرِيدِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما كانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ اللَّهَ تَعالى وأرْواحَ أهْلِ الحَضْرَةِ وخُذُوا العَهْدَ عَلَيْهِمْ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ مَعَ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ لِأنَّهُ المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ والمُطَّلِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، وهو حَسَبُنا ونَعِمَ الوَكِيلُ.
{"ayah":"وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق