الباحث القرآني
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في ثابت بن رفاعة [[هو ثابت بن رفاعة الأنصاري، ترجموه ضمن الصحابة -رضي الله عنهم- لهذه القصة. انظر: "أسد الغابة" 1/ 268، "الإصابة" 1/ 192.]]، وفي عمه [[لم أقف على ترجمته.]]، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله- عز وجل-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [[أخرجه ابن جرير بسنده عن قتادة مطولًا، وليس فيه التصريح بأنه سبب نزول الآية. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 259، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 143، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 165، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر "الدر المنثور" 2/ 214، وعزاه ابن حجر إلى ابن منده وقال: هذا مرسل رجاله ثقات. "الإصابة" 1/ 192.]].
قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم [[ذكر هذا القول عنهم ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر:== "تفسير الحسن البصري" جمع د. محمد عبد الرحيم 1/ 259، "الدر المنثور" 2/ 215. أما السدي وابن زيد فقد اقتصرا على العقول دون الأديان. كما أخرج ذلك عنهما ابن جرير في "تفسيره" 4/ 251 - 252، وأخرج عن مجاهد كقولهما، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 214.]].
ومعنى هذا الابتلاء وكيفيته -على ما ذكره الفقهاء-: أن يُردّ إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم، ويعطى شيئًا نزرًا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. وإن كانت جاريةً يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمر البيت وتدبير الغزل والقطن [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يريد الحلم [[هذه الرواية ثابتة عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، "تفسير الطبري" 4/ 252، "الدر المنثور" 2/ 214 - 215، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154.
أما عن مجاهد ففي "تفسيره" 1/ 145، وأخرجه الطبري عنه 4/ 252، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 349، "الدر المنثور" 4/ 214. وأما عن السدي فلم أقف عليه. وأما عن ابن زيد فقد أخرجه ابن جرير 4/ 252.]].
وتقديره: حتى إذا بلغوا حال النكاح من الاحتلام.
وقال آخرون: أي بلغوا مبلغ الرجال والنساء من القدرة على النكاح [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، وابن قتيبة كما سيذكر المؤلف. والظاهر أن القولين متقاربان أو متلازمان في الأعم الأغلب من الناس، فإن من احتلم فقد قدر على النكاح من هذه الناحية، ومن قدر على النكاح فقد احتلم، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من التقدير للقول الأول، والله أعلم.]]. قال ابن قتيبة: أي بلغوا أن ينكحوا النساء [["غريب القرآن" ص 120.]].
ومعنى النكاح هو إنزال الماء، فإذا أنزل الغلام أو الجارية فقد بلغ، سواءٌ كان عن جماع أو احتلام.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. معنى (آنستم) قال ابن عباس: عرفتم [[هذه الرواية ثابتةٌ عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرج ذلك ابن جرير 4/ 252، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 155.]]، وقال عطاء عنه: يريد رأيتم [[لم أقف علي رواية عطاء هذه، وهي بمعنى الأولى الثابتة عن ابن عباس.]].
وقال الفراء: وجدتم [["معاني القرآن" 1/ 257.]]. وقال الزجاج: علمتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.]].
وأصل الإيناس في اللغة: الإبصار [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 216 (أنس)، "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، "اللسان" 1/ 150 (أنس).]]، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29]، وقال ابن حلزة [[هو الحارث بن حلزة بن مكروه اليشكري الوائلي شاعر جاهلي وأحد أصحاب المعلقات السبع وقد ارتجلها ارتجالًا بين يدي ملك الحيرة، توفي سنة 50 قبل الهجرة تقريبًا. انظر: "الشعر والشعراء" ص 111، "طبقات الشعراء" 1/ 151، "الأعلام" 2/ 154.]]:
آنَست نَبأَةً وأفَزَعها القَـ ... ـنَّاص عَصرًا وقد دَنا الإمساءُ [[هذا البيت من معلقة ابن حلزة -وهي المعلقة السابعة- كما في "شرح المعلقات" للزوزني ص 156. قال الزوزني في شرح البيت: النبأة الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله، والقناص جمع قانص، وهو الصائد.= يقول: أحست هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك. وقد استشهد بالبيت الثعلبي 4/ 12 أ، والألوسي 4/ 205.]]
أي أحسَّت ووجدت.
وقوله تعالى: ﴿رُشْدًا﴾ قال ابن عباس والسدي: هو الصلاح في العقل وحفظ المال [[الأثر عن ابن عباس ثابت من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 4/ 252 لكن بلفظ: (رُشدًا) في حالهم والإصلاح في أقوالهم. وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 492، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155. أما عن السدي فأخرجه ابن جرير 4/ 252 أيضًا، لكن بلفظ: عقولًا وصلاحًا.]]. وقال عطاء عنه: يريد صلاحًا ومعرفة وعقلًا [[رواية عطاء هذه بمعنى رواية ابن أبي طلحة الثابتة، ولم أقف عليها.]].
وقال الزجاج. معنى الرشد: الطريقة المستقيمة التي تثقون [[في النسختين: يثقون بالتحتية للغيبة، والأولى بالفوقية الخطاب؛ لأن في الآية الخطاب، ولموافقة ذلك ما في معاني الزجاج.]] معها بأنهم يحفظون أموالهم [["معاني الزجاج" 2/ 14.]].
وقال الشافعي -رضي الله عنه-: الرشد: من يكون صالحًا في دينه، مصلحًا لماله [[من "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وعبارة الشافعي: والرشد -والله أعلم- صلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال. "الأم" 3/ 215، وانظر "معالم التنزيل" 2/ 165 - 166، "تفسير ابن كثير" 1/ 492. قال الثعلبي: فالرشد عنده -أي: الشافعي- شيئان: جواز الشهادة واصلاح المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك، "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وانظر "تفسير الحسن البصري" 1/ 259.]]. ولا يجوز دفع مال اليتيم إليه إلا بعد البلوغ وتبين العفاف وإصلاح المال منه [[انظر: "الأم" 3/ 218، "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.]].
وأبو حنيفة وأصحابه اعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، 14 أ، "معالم التنزيل" 2/ 166، والقرطبي 5/ 37، 38.]].
وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في معنى الرشد، فمن جعل معنى الرشد حفظ المال وإصلاحه يزيل الحجر عن اليتيم بالبلوغ وحفظ المال، دون الصلاح في الدين، ومن جعل معنى الرشد صلاح الدين وحفظ المال اعتبرهما في زوال الحجر عن اليتيم، وهذا هو الأولى [[انظر: "البغوي" 2/ 167، "القرطبي" 5/ 37، 38.]]؛ فإن أهل اللغة قالوا في معنى الرشد: إنه إصابة الخير [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1411 (رشد)، "مقاييس اللغة" 2/ 398 (رشد)، "اللسان" 3/ 1649 (رشد).]]، والمفسد في دينه لا يكون مصيبًا للخير. وأيضًا فإن الرشد نقيض الغي، قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، والغي: هو الجهالة والبطالة والفساد. قال طرفة:
أرى قبرَ نَحَّامٍ بَخيلٍ بمالِه ... كقبر غويٍّ في البَطَالة مُفْسدِ [["ديوانه" ص 26، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 62. والنَحّام: البخيل.]]
فجعل المفسد غويًا [[في (د): (غوي).]]، فدل هذا على أن المفسد في دينه لم يبلغ الرشد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
قال ابن عباس: يريد لا تبادروا في أموال اليتامى بالسرف قبل أن يبلغ الحلم والرشد [["تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 4/ 254، لكن بلفظ: يعني أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. انظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155.]].
وقال المفسرون: يريد [[في (أ): (يقول).]]: لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "الكشف والبيان" 4/ 15أ.]].
و (أن) في محل النصب؛ لأنه مفعول المصدر، على تقدير: مبادرة كبرهم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "معاني الزجاج" 2/ 14، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 397، "الكشف والبيان" 4/ 15 أ، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190.]]. ثم بين ما يحل لهم فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قال ابن عباس: يريد: من كان غنيًّا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا [[أخرجه ابن جرير بمعناه من أكثر من طريق كما في "تفسيره" 4/ 255، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 156 - 157، وقد صحح المحقق إسنادًا من أسانيد ابن جرير وحسن آخر.]].
معنى: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: ليترك ذلك ولا يأكل. يقال: استعفف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، "الصحاح" 4/ 1405 (عف)، "تفسير الثعلبي" 4/ 15 أ، "اللسان" 5/ 3015 (عف).]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. اختلفوا في الأكل بالمعروف: ما هو؟ فقال قوم: هو أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضًا، ثم إذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.
وهذا قول سعيد بن جبير [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري 4/ 256 بأكثر من طريق، وانظر الثعلبي 4/ 15 أ.]]، وعبيدة [[هو أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، مخضرم، ومن كبار أئمة التابعين فقيه مقرئ فاضل، وحديثه عند الجماعة. توفي -رحمه الله- قبل السبعين من الهجرة. انظر: "تاريخ الثقات" 124 - 125، "مشاهير علماء الأمصار" ص 99، "التقريب" ص 379 رقم (4412).]] [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، 148، والطبري 4/ 255، وانظر: الثعلبي 4/ 15 أ.]]، ومجاهد [["تفسيره" 1/ 146، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 147، والطبري 4/ 256 - 257 من عدة طرق.]]، وأبي العالية [[أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، تقدمت ترجمته.]]، وأكثر الروايات عن ابن عباس [[ومنها رواية ابن أبي طلحة، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 135، والطبري 4/ 255 والثعلبي4/ 15 أ، و"زاد المسير" 2/ 16، و"تفسير ابن كثير" 1/ 493، و"الدر المنثور" 2/ 215 - 216، و"تحقيق المروي" عن ابن عباس 158/ 159.]].
والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: 114]، قالوا: يعني القرض [[رُوي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان، وقيل إن المعروف في هذه الآية عام يشمل جميع أنواع البر. وهو أولى. انظر: "زاد المسير" 2/ 200، "معالم التنزيل" 2/ 286، "الدر المنثور" 2/ 216.]]. وما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: (ألا) [[ما بين القوسين غير موجود في (د).]] إني أنزلت نفسي من مال الله عز وجل بمنزلتي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت [[أخرجه ابن جرير 4/ 255، والثعلبي 4/ 15 ب. انظر: "زاد المسير" 2/ 16، "معالم التنزيل" 2/ 168، "تفسير ابن كثير" 1/ 493، "الكافي الشاف" ص 39.]].
وقال بعضهم: معنى الأكل بالمعروف هو أن يقتصد ولا يسرف، ثم لا قضاء عليه فيما يأكل. فهذا قول عطاء [[هو ابن أبي رباح أخرج ذلك عنه الطبري 4/ 259.]]، وعكرمة [[أخرجه الطبري 4/ 260.]]، والسدي [[انظر الثعلبي 4/ 15 ب، "زاد المسير" 2/ 16.]].
وقال إبراهيم: هو ما سد الجوعة ووارى العورة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري من طرق 4/ 260 كلاهما بلفظ الجوع بدل الجوعة.]].
وذهبت عائشة وجماعة من العلماء [[منهم ابن عباس - رضي الله عنه - والإمام أحمد -رحمه الله- كما في "زاد المسير" 2/ 16.]] إلى أن المعروف هو أن يأخذ من جميع المال إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال، ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله له [[أخرج البخاري عن عائشة - رضي الله عنه - كتاب: التفسير، باب: (من كان غنيًا فليستعفف) رقيم (4575) أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف البخاري كتاب التفسير سورة النساء، باب: 2 ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5/ 177.]]. ودليل صحة هذا ما روي عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟ قال: "مما كنت ضاربًا منه ولدك"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: "غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله" [[أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 16 أ، ب، وانظر "الكافي الشاف" ص 38.]] وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله [[هذا يدل على أن ما ذهبت إليه عائشة -رضي الله عنها- ومن وافقها هو المعمول به عند الشافعية.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، "معالم التنزيل" 2/ 169.]]. وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير [[المعنى يقتضي أنها: (غير) بالغين.]] مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44، 45.]]، وليس بفريضة [["الكشف والبيان" 4/ 16 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 169، "زاد المسير" 2/ 17. وقصد المؤلف تبعًا للثعلبي بقوله: ليس بفريضة أي: الإشهاد ليس بفريضة. وقيل بفرضيته.
انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 502، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا [[هذا نص ما ذكره الأزهري عن أبي إسحاق النحوي في "تهذيب اللغة" 1/ 810 (حسب)، ونحو ما ذكره ابن الأنباري "الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.]].
فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله على ما يفعل من الظلم [[من "الزاهر" 1/ 6 بتصرف.]].
وأنشد ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 6.]] قول قيس المجنون [[هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل ويعرف بمجنون ليلى بسبب أنه حجب منها مع حبه لها فهام على وجهه ينشد الأشعار، وله ديوان وأخبار. توفي سنة 65 أو 68 هـ. انظر: "ديوانه" ص 7 المقدمة، "الأعلام" 5/ 208.]]:
دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ... بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها
وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ... لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها [["ديوانه" ص 31، لكن في البيت الأول: شعثًا بدل يومًا، وفي الثاني: يا رحمن بدل يا رباه.]]
قال [[أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 6.]] فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها.
قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب [["الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.]].
وأنشد [[أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 5.]] أيضًا قول المخبل السعدي [[تقدم ترجمته.]]:
فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ... يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ [[البيت في اللسان 2/ 1036 (حوب) لكنه فيه: يدخلن بالتحتية ورفع حوبة.]]
معناه محاسبك عليه الله تعالى [[في "الزاهر" 1/ 5: محاسب عليها عالم بها.]].
ومن الكفاية قولهم: حسيبك الله. ومعناه: كافي إياك الله [[من "الزاهر" 1/ 6.]].
وقد ذكرنا في اللغة في هذا [[هكذا في النسختين والعبارة ركيكة، ويحتمل أن الناسخ قدم حرف الجر.]] قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يريد مجازيًا للحسن والمسيء [[لم أقف عليه لا عند ابن جرير ولا الثعلبي ولا غيرهما، وذكره المؤلف في "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 450، وقد ذكر ابن الجوزي أن قول ابن عباس هو أن الحسيب بمعنى الشهيد كما في "زاد المسير" 2/ 17.]]، وهذا يعود إلى المحاسب؛ لأن الحساب إنما هو للجزاء.
والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِكَ﴾ [الإسراء:17 ،65] ، [الفرقان:31] في جميع القرآن [[انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" ص 613، 614 (كفى).]] زائدة [[وتفيد التوكيد عند بعض العلماء. انظر "الكتاب" 1/ 41، 92، 2/ 26، "معاني الحروف" للرماني ص 37، "الدر المصون" 3/ 586. وتعبير المؤلف بقوله: زائدة غير مناسب؛ فإن المحققين من العلماء يتحاشون مثل ذلك. قال ابن هشام: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزّه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدا وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108، 109، وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 305، "تفسير ابن كثير" 1/ 498، "الدر المصون" 5/ 263.]].
قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 57.]]. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 45] [[تفسير هذه الآية من القسم المفقود.]].
وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال. المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 174، "الدر المصون" 3/ 587، ورجح السمين الوجه الثاني.]].
{"ayah":"وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق