الباحث القرآني
قال تعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهُمْ رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
أمَرَ اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ بامتحانِ اليتيمِ قبلَ دفعِ مالِهِ إليه، أي: اختبارِهِ لمعرفةِ بلوغِهِ النكاحَ، وسلامةِ عقلِه، وصحةِ رُشْدِه، والمرادُ ببلوغِ النكاحِ هو سنُّ التزويجِ عادةً ممّا يُعرَفُ به مَيْلُ الرجلِ إلى المرأةِ، وله علاماتُهُ المعروفةُ.
علاماتُ البلوغِ:
وعلاماتُ البلوغِ ودلالتُهُ في السُّنَّةِ بلوغُ سنِّ الخامسةَ عَشْرةَ، لما في «الصحيحَيْنِ»، مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: «إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَني يَوْمَ أُحُدٍ، وهُوَ ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وأَنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجازَنِي»، قالَ نافِعٌ: «فَقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وهُوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذا الحَدِيثَ، فَقالَ: إنَّ هَذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وكَتَبَ إلى عُمّالِهِ أنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ»[[أخرجه البخاري (٢٦٦٤) (٣/١٧٧)، ومسلم (١٨٦٨) (٣/١٤٩٠).]].
وعلى هذا الحديثِ عملُ الصحابةِ والتابعينَ وجمهورِ الفقهاءِ، كالشافعيِّ وأحمدَ وصاحِبَيْ أبي حنيفةَ وبعضِ أصحابِ مالكٍ.
وحَدَّ مالكٌ وأبو حنيفةَ البلوغَ لغيرِ المُحتلِمِ بثمانيةَ عشَرَ، وفي روايةٍ عنهما بسبعةَ عشَرَ، وفي قولٍ فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الجاريةِ والغلامِ، فحَدَّ الجاريةَ بسبعةَ عشَرَ، ما لم يبلُغا الاحتلامَ قبلَ ذلك، تمسُّكًا بظاهرِ القرآنِ في قولِهِ تعالى: ﴿وإذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
واعتبارُ السنِّ في البلوغِ ثَبَتَتْ به السُّنَّةُ، وجَرى عليه عملُ السلفِ، والاحتلامُ لا يُنافِيهِ، بل هما علامتانِ للبلوغِ قد يَجتمِعانِ وقد يَفترِقانِ، فما يَسْبِقْ منهما، فهو مُثْبِتٌ للبلوغِ، فقد تتعدَّدُ العلاماتُ والأدلَّةُ على ثبوتِ الشيءِ الواحدِ مجتمِعةً ومفترِقةً، يدُلُّ على هذا العقلُ والنقلُ.
وحدُّ البلوغِ بسنِّ الثامنةَ عَشْرةَ لا دليلَ عليه سوى ما يراهُ أبو حنيفةَ: أنّه أقصى ما يَغْلِبُ على الظنِّ معه بلوغُ الرجالِ حدَّ نضوجِ العقلِ والقوَّةِ، وما قَبْلَه ظنٌّ، وهذا نظرٌ لا يَدفَعُ النصَّ.
بلوغُ الفتاةِ بالحَيْضِ:
وتبلُغُ النساءُ بنزولِ الحيضِ، وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأَحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وجعَلَ مالكٌ غِلَظَ الصوتِ وخشونتَهُ علامةً على البلوغِ.
علامةُ إنباتِ الشَّعْر على البلوغ:
والإنباتُ دليلٌ على البلوغِ ما لم يكُنْ ذلك عن مرضٍ في دمٍ أو هرمونٍ يَعرِفُهُ أهلُ الطِّبِّ، وقال بهذا أحمدُ، وهو قولٌ لمالكٍ والشافعيِّ، وهو الصحيحُ، لقضاءِ سعدِ بنِ معاذٍ، في يهودِ بَني قُرَيْظَةَ، أنْ يُقتَلَ مَن أنبَتَ مِن رجالِهم، وتُسْبى ذَرارِيُّهم، فقال النبيُّ ﷺ: (قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللهِ)[[أخرجه البخاري (٤١٢١) (٥/١١٢)، ومسلم (١٧٦٨) (٣/١٣٨٨).]].
ولم يجعَلْه أبو حنيفةَ دليلًا على البلوغِ، والصحيحُ خلافُ قولِه، لثبوتِ الدليلِ في ذلك، فقد روى أحمدُ، وأصحاب «السُّنَنِ»، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيْرٍ: حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ، قالَ: «كُنْتُ مِن سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَكانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَن أنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، ومَن لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ»[[أخرجه أحمد (١٨٧٧٦) (٤/٣١٠)، وأبو داود (٤٤٠٤) (٤/١٤١)، والترمذي (١٥٨٤) (٤/١٤٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٥٦٧) (٨/٢٥)، وابن ماجه (٢٥٤١) (٢/٨٤٩).]].
وسندُه صحيحٌ، وله طُرُقٌ، ولو لم يكونُوا بالِغِينَ، ما قَتَلَهم، ولا قال النبيُّ ﷺ: (قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللهِ)، لأنّ الصغيرَ غيرُ مُكلَّفٍ، فلا تَجرِي عليه الحدودُ، وخاصَّةً القتلَ.
وقولُه: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهُمْ رُشْدًا﴾ الإيناسُ: المعرفةُ والإدراكُ، روى عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبّاسٍ قال: «عرَفْتُم منهم رُشْدًا»[[«تفسير الطبري» (٦/٤٠٤)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٥).]].
وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنها بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠].
معنى بلوغِ الرُّشْدِ:
والرشدُ: هو العقلُ، قاله مجاهدٌ[[«تفسير الطبري» (٦/٤٠٦)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٥).]]، فما كلُّ بالغٍ راشدًا عاقلًا، فالصبيُّ ينشَأُ سفيهًا، فربَّما صاحَبَهُ السَّفَهُ بعدَ بلوغِهِ عامًا أو أعوامًا، ويُعرَفُ رُشدُهُ بمعرفةِ مواضعِ الشرِّ والخيرِ وتَوَقِّيها، ومجردُ المعرِفةِ لا تجعلُهُ راشدًا حتى يتوقّى.
والمقصودُ بالرشدِ في هذا الموضعِ: الانفرادُ بإحسانِ تدبيرِ المالِ، ولو كان اليتيمُ لا يُحسِنُ في غيرِ المالِ، كمَن يُقصِّرُ في عبادتِه، ولكنَّه حريصٌ على دُنياهُ، مُتَوَقٍّ لبذلِهِ في حرامٍ وسَرَفٍ، ولذا قال ابنُ عبّاسٍ: «إذا عرَفْتُم رشدًا في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم»، رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ عنه، بسندٍ صحيحٍ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٥).]].
والرشدُ: هو الشدَّةُ في حِياطَةِ المالِ، وحمايتُهُ والدفعُ عنه مِن المَكْرِ والخديعةِ والقُوَّةِ، ويفسِّرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤].
والرشدُ قد يُصاحِبُ البلوغَ وقد يتأخَّرُ عنه، ولكنَّه لا يَسبِقُهُ حُكْمًا، ولو سَبَقَهُ حقيقةً، فَعُرِفَ في الصبيِّ نجابةُ ونباهةُ الشيوخِ، فلا يُدفَعُ إليه المالُ حتى يبلُغَ.
وللرشدِ علاماتٌ، كصلاحِ الدِّينِ وخشيةِ اللهِ، قال عَبِيدَةُ بنُ عمرٍو: «إذا أقام الصلاةَ، رشَدَ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٦).]].
حَدُّ بلوغِ الرُّشدِ:
ولا حَدَّ للمدةِ التي يظهَرُ فيها الرشدُ، وما يذكُرُهُ الفقهاءُ، فهو تعليقٌ للأغلبِ مِن حالِ الغِلْمانِ بعدَ بلوغِهم، وهذا لا يَطَّرِدُ بكلِّ حالٍ، ولا يستقيمُ في كلِّ غلامٍ، ولهذا قيَّدَ اللهُ معرِفةَ الرشدِ بالابتلاءِ والاختبارِ، لا بمدةٍ كعامٍ أو عامَيْنِ، لعدمِ انضباطِ ذلك.
ثمَّ بيَّنَ اللهُ أنّ المالَ حقٌّ لهم يُدفَعُ إليهم متى ارتفَعَ مُوجِبُ الحَجْرِ والوصايةِ، ولا يجوزُ حبسُ مالِ اليتيمِ عنه عندَ جوازِ تصرُّفِهِ وتمامِ رشدِهِ إلا بإذنِه، قال تعالى: ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾.
التحرِّي عند إعطاءِ اليتيم مالَهُ:
وفي الآيةِ: شدةُ التحرِّي عندَ إعطاءِ اليتيمِ مالَهُ في قولِه: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾، والابتلاءُ هو الاختبارُ المتكرِّرُ الذي يَثْبُتُ معه المرادُ بيقينٍ، والاختبارُ في متابعةٍ وتَحَرٍّ، وظاهرُهُ: أنْ يُختبَرَ في إحسانِ التصرُّفِ بالمالِ، فيُعطى مالًا يسيرًا لا يَضُرُّ إفسادُهُ، سواءٌ كان مِن مالِ اليتيمِ أو مالِ الوليِّ، ومِن مالِ الوليِّ أوْلى، ومِن مالِ اليتيمِ جائزٌ.
ولا فرقَ في ذلك بينَ ذُكُورِ الأيتامِ وإناثِهم عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لمالكٍ في قولٍ، فيَرى أنّ المرأةَ لا يَسْتَبِينُ رُشدُها، إلاَّ بعدَ تزويجِها، فيُؤنَسُ منها مع كثرةِ العِشْرةِ رشدٌ، وهذا تفصيلٌ منه، والعِبْرةُ بعمومِ الدليلِ.
الأكلُ مِن مالِ اليتيمِ:
ونَهى اللهُ الأولياءَ والأوصياءَ عن مسابقةِ اليتيمِ بأكلِ مالِهِ قبلَ بلوغِهِ ورُشْدِه، حتى لا يُدرِكَ ما فاتَ مِن مالِهِ وما بَقِيَ منه: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾، لأنّ اليتيمَ إذا بلَغَ، عَرَفَ ما نَقَصَ مِن مالِه وما فَسَدَ عليه منه، فيأكُلُ منه قبلَ كِبَرِهِ وإدراكِه.
وفي تقييدِ الأكلِ بالسَّرَفِ والمبادرةِ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ في غيرِ سَرَفٍ ولا قَصْدِ الإضرارِ عندَ الحاجةِ، وهذا محدودٌ مضبوطٌ في قولِه تعالى: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾.
فأمَرَ الغنيَّ بالعفافِ، وهو التورُّعُ والاحترازُ عن أكلِ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حاجةٍ، وبهذا قال ابنُ عبّاسٍ وعائشةُ ومجاهدٌ والحسنُ وأكثرُ المفسِّرينَ.
وقال بعضُ المفسِّرينَ، كيحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ: إنّ المرادَ بالغنيِّ في الآيةِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا﴾، يعني: مِن الأيتامِ، أُنفِقَ عليه بحسَبِ حالِه، فلا يُجحَفُ في نفقتِهِ ويُقصَّرُ في كسوتِهِ وسُكْناهُ، لينالَ الوليُّ أو الوصيُّ ممّا أبْقاهُ مِن نفقةِ اليتيمِ، رواهُ نافعُ بنُ أبي نُعَيْمٍ عنهما، أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ في «تفسيرِه»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٧).]].
وهذا التأويلُ خلافُ المشهورِ مِن كلامِ المفسِّرينَ مِن السلفِ في أنّ المرادَ بالغنيِّ والفقيرِ هو الوليُّ والوصيُّ.
وأَذِنَ اللهُ لوليِّ اليتيمِ ووصيِّه إنْ كان فقيرًا أنْ يأكُلَ بالمعروفِ بمقدارِ حاجتِه، رَوى عروةُ، عن عائشةَ، قالتْ: «نَزَلَتْ فِي ولِيِّ اليَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ ويُصْلِحُهُ إذا كانَ مُحْتاجًا أنْ يَأْكُلَ مِنهُ»، رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ[[«تفسير الطبري» (٦/٤٢٥)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٨).]].
وأكلُ مالِ اليتيمِ مِن غيرِ حقٍّ كبيرةٌ، وتقدَّمَ أنّ جنسَ أكلِ مالِ اليتيمِ أعظَمُ مِن جنسِ أكلِ مالِ الرِّبا، وقال عامرٌ الشعبيُّ: «هو كالمَيْتَةِ والدمِ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٨).]].
ويجبُ الاحتياطُ عندَ أكلِ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ مِن شَرَهِ نَفْسِهِ وطَمَعِها وهَواها، فلا يأكُلُ طَيِّبَ مالِهِ ونَفِيسَهُ، بل يأكُلُ مِن أطرافِهِ وحواشِيهِ، ولا يُكثِرُ، وقد قال ابنُ عبّاسٍ: «يأكُلُ بثلاثِ أصابعَ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٩).]].
ومرادُهُ بلا شَرَهٍ وقضاءِ نَهَمٍ ووَطَرٍ كما يفعلُ الرجلُ في مالِه، وقد قال النَّخَعيُّ: «ليس المعروفُ بلُبْسِ الكَتّانِ، ولكنَّ المعروفَ: ما سَدَّ الجُوعَ، ووارى العَوْرَةَ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٧٠).]].
الأكلُ مِن مالِ اليتيمِ بمقدار ولايتهِ:
ويجبُ أنْ يكونَ أكلُ الوليِّ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ بمقدارِ قيامِهِ عليه، وما يُكلِّفُهُ مِن عملٍ مِن قيامٍ بشأنِه، فإنْ كان يقومُ على كلِّ شأنِهِ، فيأخُذُ مِن وقتِهِ وعملِهِ الذي لو بُذِلَ في كسبٍ لنالَ خيرًا، فيأكُلُ بمقدارِ حاجتِهِ ودونَ ما يَفُوتُهُ ممّا لو تفرَّغَ للعملِ لصالِحِ نفسِهِ لَحَصَّلَهُ، فإنّ هذا هو العدلُ في مالِ اليتيمِ وعدمُ الإضرارِ في الوليِّ الفقيرِ.
فإنْ كان أكلُ الفقيرِ مِن مالِ اليتيمِ يُفسِدُهُ لِقِلَّتِهِ، فالأَوْلى تركُ ولايتِهِ إلى غنيٍّ غيرِهِ مِن قراباتِهِ ممَّن يقومُ به كقيامِه.
حكمُ إعادةِ الوليِّ ما أكل من مالِ اليتيمِ:
وبعضُ السلفِ جعَلَ الأكلَ مِن مالِ اليتيمِ قَرْضًا يجبُ ردُّه، صحَّ ذلك عن ابنِ عبّاسٍ ومجاهدٍ وغيرِهما[[«تفسير الطبري» (٦/٤١٢ ـ ٤١٦)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٩).]].
وقيَّدَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ إعادتَهُ بالقُدْرةِ قبلَ الموتِ والمُسامَحةِ بعدَهُ[[«تفسير الطبري» (٦/٤١٤)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٧٠).]]، وكأنّه جعَلَ إعادتَهُ فضلًا لا فرضًا، ولو كان فرضًا، لَبَقِيَ في الذمَّةِ ولو بعدَ موتِه.
واستدَلَّ مَن قال بالقضاءِ بما رواهُ حارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطّابِ رضي الله عنه: «إنِّي أنْزَلْتُ مالَ اللهِ تَعالى مِنِّي بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ، إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ، فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ»، أخرَجَه الطبريُّ والبيهقيُّ[[أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/٤١٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/٤).]]، وله طُرُقٌ أُخرى عن عمرَ، وهو صحيحٌ.
والصحيحُ: عدمُ وجوبِ إعادتِهِ إذا كان مِن وليٍّ فقيرٍ وبالمعروفِ، قال بهذا عطاءٌ والحسنُ والشافعيُّ، لأنّ اللهَ سمّاهُ أكلًا، والأصلُ في الأكلِ في القرآنِ الإباحةُ مِن غيرِ عِوَضٍ، وما جاء عن عمرَ بنِ الخطابِ محمولٌ على التورُّعِ أو كمالِ المنزِلةِ، فيكونُ للفقيرِ الوليِّ مع اليتيمِ في الأكلِ مِن مالِهِ حالتانِ:
الأُولـى: حالةُ فضلٍ، أنْ يأكُلَ ويُعِيدَ ما أكَلَ فيجعَلَهُ على نفسِه في حُكْمِ القرضِ، مِن غيرِ إلزامٍ إلا مِن نفسِهِ على نفسِه.
الثانيةُ: حالةُ جوازٍ، أنْ يأكُلَ مِن مالِ الفقيرِ بالمعروفِ ولا يُعِيدَه، وهذا جائزٌ لظاهرِ القرآنِ، وعمرُ قصَدَ الحالةَ الأُولى، لأنّه أجاز الأكلَ ولم يُبَيِّنِ القضاءَ والسدادَ، وبيانُ السدادِ أوجَبُ، لأنّه حقٌّ لضعيفٍ غيرِ مكلَّفٍ، وهو اليتيمُ، والأكلُ حقٌّ لمكلَّفٍ قويٍّ، وهو الوليُّ والوصيُّ، والقرآنُ يُبيِّنُ حقَّ الضعفاءِ أكثَرَ وأشَدَّ مِن بيانِ حقِّ الأقوياءِ.
وقد أذِنَ اللهُ بالأكلِ مِن غيرِ ذِكرِ القضاءِ، كما روى أحمدُ وأصحابُ «السُّنَنِ»، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنّ رجلًا سأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: لَيْسَ لِي مالٌ، ولِي يَتِيمٌ؟ فَقالَ: (كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ، غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا مُبَذِّرٍ، ولا مُتَأَثِّلٍ مالًا، ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ ـ أوْ قالَ: تَفْدِيَ مالَكَ ـ بِمالِهِ)[[أخرجه أحمد (٧٠٢٢) (٢/٢١٥)، وأبو داود (٢٨٧٢) (٣/١١٥)، والنسائي (٣٦٦٨) (٦/٢٥٦)، وابن ماجه (٢٧١٨) (٢/٩٠٧).]].
الإنفاقُ على اليتيمِ من مالِهِ:
ويُنْفِقُ على اليتيمِ مِن مالِ اليتيمِ نفسِهِ، ويُسكِنُهُ في مسكنِ الوليِّ، إلاَّ إنْ كانتْ دارُهُ ضيِّقةً، أو يَخْشى على إناثِ محارمِهِ مِن الخِلْطَةِ به، فيَجُوزُ إسكانُ اليتيمِ مِن مالِهِ نَفْسِه.
والأَوْلى: ألاَّ يأخُذَ الوليُّ زكاةَ مالِ اليتيمِ لنفسِه، حتى لا يُحابيَ نفسَهُ وعيالَهُ ولو كان فقيرًا، وإنْ أخَذَها بحقِّها، جازَ.
الإشهادُ عندَ دفعِ مالِ اليتيم له:
ثمَّ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ عندَ دفعِ الأموالِ للأيتامِ، حتى لا يقَعَ في النفوسِ ظنُّ سَوْءٍ، أو تَسْرِيَ على الوصيِّ والوليِّ وِشايةُ مَكْرٍ وقالَةُ سُوءٍ، فتُفسِدَ ما بينَهُ وبينَ اليتيمِ وذوي رَحِمِهِ وقراباتِه.
وبعضُ مَن قال بأنّ ما يأكُلُهُ الوليُّ والوصيُّ مِن مالِ اليتيمِ قرضٌ، حمَلَ الأمرَ بالإشهادِ في الآيةِ: على الإشهادِ عندَ سدادِ القرضِ وإعادتِه، والأظهَرُ: أنّ المرادَ بالإشهادِ العمومُ في كلِّ حقٍّ لليتيمِ يُعادُ إليه، لأنّ الآيةَ في حفظِ حقِّ اليتيمِ في مالِهِ، فيشمَلُ كلَّ حقٍّ له.
وقيل: إنّ الأكلَ واجبٌ، لظاهِرِ الأمرِ، والأظهَرُ أنّ الأمرَ للإرشادِ لا للفرضِ، لأنّ اللهَ ائتمَنَ الوليَّ والوصيَّ على قبضِ مالِ اليتيمِ كلِّه، والمُتاجَرةِ به، والأكلِ منه عندَ فقرِهِ بالمعروفِ، فالأمانةُ عندَ تسليمِهِ وتوثيقُها أهْوَنُ مِن ذلك، وإنّما أمَرَ بالإشهادِ، دفعًا للتُّهَمَةِ وتَطْيِيبًا لنفسِ اليتيمِ وقراباتِه، وهذا أمرٌ مستحَبٌّ، لأنّ التهمةَ في المُتاجَرةِ والكفالةِ أقْوى.
ولكنْ لمّا كان الإشهادُ على مالِ اليتيمِ والنفقةِ عليه والأكلِ منه شاقًّا، لم يُوجِبْهُ اللهُ، وجعَلَ التخويفَ مِن عقابِ اللهِ ورقابتِهِ أقوى في حفظِ مالِ اليتيمِ، لأنّ اللهَ قال بعدَ الأمرِ بالإشهادِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾، يعني: شهيدًا رقيبًا، وهذه قرينةٌ على أنّ الأمرَ بالإشهادِ للاستحبابِ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.
وقد تقدَّمَ حُكْمُ الاتِّجارِ بمالِ اليتيمِ ومخالطتِهِ في سورةِ البقرةِ في قولِه تعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوانُكُمْ﴾ [٢٢٠].
{"ayah":"وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق