الباحث القرآني
قوله: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ لما كان المراد الوصف وأن هو السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح وقصده وهو الطيب فتنكح المرأة الموصوفة به أتى بـ (ما) دون من وهذا باب لا ينخرم وهو من ألطف مسالك العربية.
* (فصل)
قال الشافعي: أن لا يكثر عيالكم. فدل على أن قلة العيال. أدنى.
قيل: قد قال الشافعي ذلك، وخالف جمهور المفسرين من السلف والخلف، وقالوا: معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا.
فإنه يقال: عال الرجل يعول عولا إذا مال وجار.
ومنه: عول الفرائض. لأن سهامها زادت. ويقال: عال يعيل عيلة إذا احتاج.
قال تعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
وقال الشاعر:
؎وما يدري الفقير: متى غناه ∗∗∗ وما يدري الغني: متى يعيل؟
أي متى يحتاج ويفتقر. وأما كثرة العيال فليس من هذا، ولا من هذا، ولكنه من أفعل. يقال: أعال الرجل يعيل، إذا كثر عياله. مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. هذا قول أهل اللغة. قال الواحدي في بسيطه:
ومعنى تعولوا تميلوا وتجوروا، عن جميع أهل التفسير واللغة. وروى ذلك مرفوعا.
روت عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ «أن لا تعولوا» قال: لا تجوروا»
وروى: «أن لا تميلوا»
قال: وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن مالك وعكرمة والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري.
قلت: ويدل على تعين هذا المعنى من الآية، وإن كان ما ذكره الشافعي لغة حكاه الفراء عن الكسائي - قال: ومن الصحابة من يقول: عال يعول إذا كثر عياله.
قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتها من العرب، لكن يتعين الأول لوجوه.
أحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه، ولا يعرف: عال يعول، إذا كثر عياله: إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه.
الثاني: أن هذا مروي عن النبي ﷺ، ولو كان من الغرائب. فأنه يصلح للترجيح.
الثالث: أنه مروي عن عائشة وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين وقد قال الحاكم أبو عبد الله: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع.
الرابع: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وإخبار النبي ﷺ أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير.
الخامس: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون من الظلم والجور فيه إلى غيره. فإنه قال في أولها ٤: ٣ {وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعا. ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن. فقال فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ}
ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور. وهذا صريح في المقصود.
السادس: أنه لا يلتئم قوله ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا﴾ في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا بما شئتم بملك اليمين. فإن ذلك أقرب إلى أن تكثر عيالكم، بل هذا أجنبي من الأول. فتأمله.
السابع: أنه من الممتنع أن يقال لهم: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر. فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم.
الثامن: أن قوله: ﴿ذلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين، وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة، أو ملك اليمين. ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال.
التاسع: أنه سبحانه قال فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا ولم يقل: إن خفتم أن لا تفتقروا وتحتاجوا. ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك.
العاشر: أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلته، أو أباح شيئا وعلق إباحته بعلة. فلا بد أن تكون العلة مضادة لضد الحكم المعلل. وقد علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ملك اليمين بأنه أقرب إلى عدم الجور. ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل. فلا يحسن التعليل به - والله أعلم.
* [فَصْلٌ: مَنعُهُ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فاطِمَةَ وبِنْتِ أبِي جَهْلٍ]
«واسْتَأْذَنَهُ بَنُو هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ أنْ يُزَوِّجُوا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَةَ أبي جهل، فَلَمْ يَأْذَنْ في ذَلِكَ، وقالَ: إلّا أنْ يُرِيدَ ابن أبي طالب أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإنَّما فاطمة بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي ما رابَها ويُؤْذِينِي ما آذاها، إنِّي أخافُ أنْ تُفْتَنَ فاطمة في دِينِها، وإنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالًا ولا أُحِلُّ حَرامًا، ولَكِنْ واللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ في مَكانٍ واحِدٍ أبَدًا».
وَفِي لَفْظٍ فَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي ووَعَدَنِي فَوَفى لِي».
فَتَضَمَّنَ هَذا الحُكْمُ أُمُورًا.
أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ أنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها لَزِمَهُ الوَفاءُ بِالشَّرْطِ، ومَتى تَزَوَّجَ عَلَيْها فَلَها الفَسْخُ، ووَجْهُ تَضَمُّنِ الحَدِيثِ لِذَلِكَ أنَّهُ ﷺ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي فاطمة ويَرِيبُها، وأنَّهُ يُؤْذِيهِ ﷺ ويَرِيبُهُ، ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّهُ ﷺ إنَّما زَوَّجَهُ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى أنْ لا يُؤْذِيَها ولا يَرِيبَها ولا يُؤْذِيَ أباها ﷺ ولا يَرِيبَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا مُشْتَرَطًا في صُلْبِ العَقْدِ، فَإنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ إنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ وفي ذِكْرِهِ ﷺ صِهْرَهُ الآخَرَ، وثَناءَهُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ حَدَّثَهُ فَصَدَقَهُ، ووَعَدَهُ فَوَفّى لَهُ تَعْرِيضٌ بعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وتَهْيِيجٌ لَهُ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ جَرى مِنهُ وعْدٌ لَهُ بِأنَّهُ لا يَرِيبُها ولا يُؤْذِيها، فَهَيَّجَهُ عَلى الوَفاءِ لَهُ، كَما وفى لَهُ صِهْرُهُ الآخَرُ.
فَيُؤْخَذُ مِن هَذا أنَّ المَشْرُوطَ عُرْفًا كالمَشْرُوطِ لَفْظًا، وأنَّ عَدَمَهُ يُمَلِّكُ الفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ، فَلَوْ فُرِضَ مِن عادَةِ قَوْمٍ أنَّهم لا يُخْرِجُونَ نِساءَهم مِن دِيارِهِمْ ولا يُمَكِّنُونَ أزْواجَهم مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ واسْتَمَرَّتْ عادَتُهم بِذَلِكَ كانَ كالمَشْرُوطِ لَفْظًا، وهو مُطَّرِدٌ عَلى قَواعِدِ أهْلِ المَدِينَةِ، وقَواعِدِ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الشَّرْطَ العُرْفِيَّ كاللَّفْظِيِّ سَواءٌ، ولِهَذا أوْجَبُوا الأُجْرَةَ عَلى مَن دَفَعَ ثَوْبَهُ إلى غَسّالٍ أوْ قَصّارٍ، أوْ عَجِينَهُ إلى خَبّازٍ، أوْ طَعامَهُ إلى طَبّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالأُجْرَةِ، أوْ دَخَلَ الحَمّامَ أوِ اسْتَخْدَمَ مَن يَغْسِلُهُ مِمَّنْ عادَتُهُ يَغْسِلُ بِالأُجْرَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، ولَمْ يَشْرُطْ لَهم أُجْرَةَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ المِثْلِ.
وَعَلى هَذا، فَلَوْ فُرِضَ أنَّ المَرْأةَ مِن بَيْتٍ لا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلى نِسائِهِمْ ضَرَّةً ولا يُمَكِّنُونَهُ مِن ذَلِكَ، وعادَتُهم مُسْتَمِرَّةٌ بِذَلِكَ، كانَ كالمَشْرُوطِ لَفْظًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كانَتْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّها لا تُمَكِّنُ إدْخالَ الضَّرَّةِ عَلَيْها عادَةً لِشَرَفِها وحَسَبِها وجَلالَتِها، كانَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ عَلَيْها كالمَشْرُوطِ لَفْظًا سَواءٌ.
وَعَلى هَذا فَسَيِّدَةُ نِساءِ العالَمِينَ، وابْنَةُ سَيِّدِ ولَدِ آدَمَ أجْمَعِينَ أحَقُّ النِّساءِ بِهَذا، فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيٌّ في صُلْبِ العَقْدِ كانَ تَأْكِيدًا لا تَأْسِيسًا.
وَفِي مَنعِ علي مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وبَيْنَ بِنْتِ أبي جهل حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ، وهي أنَّ المَرْأةَ مَعَ زَوْجِها في دَرَجَتِهِ تَبَعٌ لَهُ، فَإنْ كانَتْ في نَفْسِها ذاتَ دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، وزَوْجُها كَذَلِكَ، كانَتْ في دَرَجَةٍ عالِيَةٍ بِنَفْسِها وبِزَوْجِها، وهَذا شَأْنُ فاطمة وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَجْعَلَ ابْنَةَ أبي جهل مَعَ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ لا بِنَفْسِها ولا تَبَعًا، وبَيْنَهُما مِنَ الفَرْقِ ما بَيْنَهُما، فَلَمْ يَكُنْ نِكاحُها عَلى سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ مُسْتَحْسَنًا لا شَرْعًا ولا قَدْرًا.
وَقَدْ أشارَ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: «واللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ في مَكانٍ واحِدٍ أبَدًا»
فَهَذا إمّا أنْ يَتَناوَلَ دَرَجَةَ الآخَرِ بِلَفْظِهِ أوْ إشارَتِهِ.
* [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في قَصْرِ الزَّوْجاتِ عَلى أرْبَعٍ دُونَ السَّرِيّاتِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وقَصَرَ عَدَدَ المَنكُوحاتِ عَلى أرْبَعٍ، وأباحَ مِلْكَ اليَمِينِ بِغَيْرِ حَصْرٍ " فَهَذا مِن تَمامِ نِعْمَتِهِ وكَمالِ شَرِيعَتِهِ، ومُوافَقَتِها لِلْحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ، فَإنَّ النِّكاحَ يُرادُ لِلْوَطْءِ وقَضاءِ الوَطَرِ، ثُمَّ مِن النّاسِ مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ سُلْطانُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ فَلا تَنْدَفِعُ حاجَتُهُ بِواحِدَةٍ، فَأطْلَقَ لَهُ ثانِيَةً وثالِثَةً ورابِعَةً، وكانَ هَذا العَدَدُ مُوافِقًا لِعَدَدِ طِباعِهِ وأرْكانِهِ، وعَدَدِ فُصُولِ سَنَتِهِ، ولِرُجُوعِهِ إلى الواحِدَةِ بَعْدَ صَبْرِ ثَلاثٍ عَنْها، والثَّلاثُ أوَّلُ مَراتِبِ الجَمْعِ، وقَدْ عَلَّقَ الشّارِعُ بِها عِدَّةَ أحْكامٍ، ورَخَّصَ لِلْمُهاجِرِ أنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ بِمَكَّةَ ثَلاثًا، وأباحَ لِلْمُسافِرِ أنْ يَمْسَحَ عَلى خُفَّيْهِ ثَلاثًا، وجَعَلَ حَدَّ الضِّيافَةِ المُسْتَحَبَّةِ أوْ المُوجِبَةِ ثَلاثًا، وأباحَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَحُدَّ عَلى غَيْرِ زَوْجِها ثَلاثًا، فَرَحِمَ الضَّرَّةَ بِأنْ جَعَلَ غايَةَ انْقِطاعِ زَوْجِها عَنْها ثَلاثًا ثُمَّ يَعُودُ؛ فَهَذا مَحْضُ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
وَأمّا الإماءُ فَلَمّا كُنَّ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأمْوالِ مِن الخَيْلِ والعَبِيدِ وغَيْرِها لَمْ يَكُنْ لِقَصْرِ المالِكِ عَلى أرْبَعَةٍ مِنهُنَّ أوْ غَيْرِها مِن العَدَدِ مَعْنًى؛ فَكَما لَيْسَ في حِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ أنْ يُقْصِرَ السَّيِّدُ عَلى أرْبَعَةِ عَبِيدٍ أوْ أرْبَعِ دَوابَّ وثِيابٍ ونَحْوِها، فَلَيْسَ في حِكْمَتِهِ أنْ يُقْصِرَهُ عَلى أرْبَعِ إماءٍ، وأيْضًا فَلِلزَّوْجَةِ حَقٌّ عَلى الزَّوْجِ اقْتَضاهُ عَقْدُ النِّكاحِ يَجِبُ عَلى الزَّوْجِ القِيامُ بِهِ، فَإنْ شارَكَها غَيْرَها وجَبَ عَلَيْهِ العَدْلُ بَيْنَهُما؛ فَقَصْرُ الأزْواجِ عَلى عَدَدٍ يَكُونُ العَدْلُ فِيهِ أقْرَبَ مِمّا زادَ عَلَيْهِ، ومَعَ هَذا فَلا يَسْتَطِيعُونَ العَدْلَ ولَوْ حَرَصُوا عَلَيْهِ، ولا حَقَّ لِإمائِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، ولِهَذا لا يَجِبُ لَهُنَّ قَسْمٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] واللَّهُ أعْلَمُ.
* [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في إباحَةِ التَّعَدُّدِ لِلرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وإنَّهُ أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأرْبَعِ زَوْجاتٍ، ولَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن زَوْجٍ واحِدٍ " فَذَلِكَ مِن كَمالِ حِكْمَةِ الرَّبِّ تَعالى لَهم وإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ ورِعايَةِ مَصالِحِهِمْ، ويَتَعالى سُبْحانَهُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ، ويُنَزَّهُ شَرْعُهُ أنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ هَذا، ولَوْ أُبِيحَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَكُونَ عِنْدَ زَوْجَيْنِ فَأكْثَرَ لَفَسَدَ العالَمُ، وضاعَتْ الأنْسابُ، وقَتَلَ الأزْواجُ بَعْضُهم بَعْضًا، وعَظُمَتْ البَلِيَّةُ، واشْتَدَّتْ الفِتْنَةُ، وقامَتْ سُوقُ الحَرْبِ عَلى ساقٍ، وكَيْف يَسْتَقِيمُ حالُ امْرَأةٍ فِيها شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ؟ وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ حالُ الشُّرَكاءِ فِيها؟
فَمَجِيءُ الشَّرِيعَةِ بِما جاءَتْ بِهِ مِن خِلافِ هَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى حِكْمَةِ الشّارِعِ ورَحْمَتِهِ وعِنايَتِهِ بِخَلْقِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْف رُوعِيَ جانِبُ الرَّجُلِ، وأطْلَقَ لَهُ أنْ يُسِيمَ طَرْفَهُ ويَقْضِيَ وطَرَهُ، ويَنْتَقِلَ مِن واحِدَةٍ إلى واحِدَةٍ بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ وحاجَتِهِ، وداعِي المَرْأةِ داعِيهِ، وشَهْوَتُها شَهْوَتُهُ؟
قِيلَ: لَمّا كانَتْ المَرْأةُ مِن عادَتِها أنْ تَكُونَ مُخَبَّأةً مِن وراءِ الخُدُورِ، ومَحْجُوبَةً في كُنِّ بَيْتِها، وكانَ مِزاجُها أبْرَدَ مِن مِزاجِ الرَّجُلِ، وحَرَكَتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أقَلَّ مِن حَرَكَتِهِ، وكانَ الرَّجُلُ قَدْ أُعْطِيَ مِن القُوَّةِ والحَرارَةِ الَّتِي هي سُلْطانُ الشَّهْوَةِ أكْثَرَ مِمّا أُعْطِيَتْهُ المَرْأةُ، وبُلِيَ بِما لَمْ تُبْلَ بِهِ؛ أطْلَقَ لَهُ مِن عَدَدِ المَنكُوحاتِ ما لَمْ يُطْلِقْ لِلْمَرْأةِ؛ وهَذا مِمّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الرِّجالَ، وفَضَّلَهم بِهِ عَلى النِّساءِ، كَما فَضَّلَهم عَلَيْهِنَّ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والخِلافَةِ والمُلْكِ والإمارَةِ ووِلايَةِ الحُكْمِ والجِهادِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرِّجالَ قَوّامِينَ عَلى النِّساءِ ساعِينَ في مَصالِحِهِنَّ، يَدْأبُونَ في أسْبابِ مَعِيشَتِهِنَّ، ويَرْكَبُونَ الأخْطارَ، يَجُوبُونَ القِفارَ، ويُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِكُلِّ بَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ في مَصالِحِ الزَّوْجاتِ، والرَّبُّ تَعالى شَكُورٌ حَلِيمٌ، فَشَكَرَ لَهم ذَلِكَ، وجَبَرَهم بِأنْ مَكَّنَهم مِمّا لَمْ يُمَكِّنْ مِنهُ الزَّوْجاتِ، وأنْتَ إذا قايَسْت بَيْنَ تَعَبِ الرِّجالِ وشَقائِهِمْ وكَدِّهِمْ ونَصَبِهِمْ في مَصالِحِ النِّساءِ وبَيْنَ ما ابْتُلِيَ بِهِ النِّساءُ مِن الغَيْرَةِ وجَدْت حَظَّ الرِّجالِ مِن تَحَمُّلِ ذَلِكَ التَّعَبِ والنَّصَبِ والدَّأْبِ أكْثَرَ مِن حَظِّ النِّساءِ مِن تَحَمُّلِ الغَيْرَةِ؛ فَهَذا مِن كَمالِ عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ؛ فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ.
وَأمّا قَوْلُ القائِلِ: " إنّ شَهْوَةَ المَرْأةِ تَزِيدُ عَلى شَهْوَةِ الرَّجُلِ " فَلَيْسَ كَما قالَ، والشَّهْوَةُ مَنبَعُها الحَرارَةُ، وأيْنَ حَرارَةُ الأُنْثى مِن حَرارَةِ الذَّكَرِ؟ ولَكِنَّ المَرْأةَ - لِفَراغِها وبَطالَتِها وعَدَمِ مُعاناتِها لِما يَشْغَلُها عَنْ أمْرِ شَهْوَتِها وقَضاءِ وطَرِها - يَغْمُرُها سُلْطانُ الشَّهْوَةِ، ويَسْتَوْلِي عَلَيْها، ولا يَجِدُ عِنْدَها ما يُعارِضُهُ، بَلْ يُصادِفُ قَلْبًا فارِغًا ونَفْسًا خالِيَةً فَيَتَمَكَّنُ مِنها كُلَّ التَّمَكُّنِ؛ فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ شَهْوَتَها أضْعافُ شَهْوَةِ الرَّجُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ أمْكَنَهُ أنْ يُجامِعَ غَيْرَها في الحالِ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلى نِسائِهِ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ»، وطافَ سُلَيْمانُ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً في لَيْلَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ لَهُ عِنْدَ كُلِّ امْرَأةٍ شَهْوَةً وحَرارَةً باعِثَةً عَلى الوَطْءِ، والمَرْأةُ إذا قَضى الرَّجُلُ وطَرَهُ فَتَرَتْ شَهْوَتُها، وانْكَسَرَتْ نَفْسُها، ولَمْ تَطْلُبْ قَضاءَها مِن غَيْرِهِ في ذَلِكَ الحِينِ، فَتَطابَقَتْ حِكْمَةُ القَدَرِ والشَّرْعِ والخَلْقِ والأمْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
{"ayah":"وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق