الباحث القرآني
﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] لَمّا نُهُوا عَنِ اسْتِبْدالِ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ بِالطَّيِّبِ مِن أمْوالِ اليَتامى، ارْتَقى في النَّهْيِ إلى ما هو أفْظَعُ مِنَ الِاسْتِبْدالِ، وهو أكْلُ أمْوالِ اليَتامى، فَنُهُوا عَنْهُ. ومَعْنى ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] قِيلَ: مَعَ أمْوالِكم، وقِيلَ: (إلى) في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِـ (تَأْكُلُوا) عَلى مَعْنى التَّضْمِينِ، أيْ: ولا تَضُمُّوا أمْوالَهم في الأكْلِ إلى أمْوالِكم. وحِكْمَةُ ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنْ كانُوا مَنهِيِّينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ اليَتامى بِغَيْرِ حَقٍّ، أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى غِنى الأوْلِياءِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَعَ كَوْنِكم ذَوِي مالٍ، أيْ: مَعَ غِناكم؛ لِأنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِلْوَلِيِّ إذا كانَ فَقِيرًا أنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ. وهَذا نَصٌّ عَلى النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ، وفي حُكْمِهِ التَّمَوُّلُ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ ناهِيَةٌ عَنِ الخَلْطِ في الإنْفاقِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْلِطُ نَفَقَتَها بِنَفَقَةِ أيْتامِها، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ مِنهُ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وقالَ الحَسَنُ قَرِيبًا مِن هَذا.
قالَ: تَأوَّلَ النّاسُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الخَلْطِ، فاجْتَنَبُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، فَخَفَّفَ عَنْهم في آيَةِ البَقَرَةِ. وحَسَّنَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وحَقِيقَتُهُ ولا تَضُمُّوها إلَيْها في الإنْفاقِ حَتّى لا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أمْوالِكم وأمْوالِهِمْ؛ قِلَّةَ مُبالاةٍ بِما لا يَحِلُّ لَكم، وتَسْوِيَةً بَيْنِهِ وبَيْنَ الحَلالِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أكْلُ مالِ اليَتامى وحْدَهُ ومَعَ أمْوالِهِمْ، فَلِمَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِهِ مَعَها ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم إذا كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن مالٍ حَلالٍ، وهم عَلى ذَلِكَ يَطْمَعُونَ فِيها، كانَ القُبْحُ أبْلَغَ والذَّمُّ أحَقَّ. ولِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَنَعى عَلَيْهِمْ فِعْلَهم وسَمَّعَ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ أزْجَرَ لَهم. انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] لَيْسَ قَيْدًا لِلِاحْتِرازِ، إنَّما جِيءَ بِهِ لِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ، ولِأنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الواقِعِ، فَيَكُونَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] وإنْ كانَ الرِّبا عَلى سائِرِ أحْوالِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ. وما قَدَّمْناهُ نَحْنُ يَكُونُ ذَلِكَ قَيْدًا لِلِاحْتِرازِ، فَإنَّهُ إذا كانَ (p-١٦١)الوَلِيُّ فَقِيرًا جازَ أنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْسَحِبًا عَلى أكْلِ مالِ اليَتِيمِ لِمَن كانَ غَنِيًّا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] .
﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ، والحَسَنُ بِفَتْحِها وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وغَيْرِهِمْ، وبَعْضُ القُرّاءِ: (إنَّهُ كانَ حابًا كَبِيرًا)، وكُلُّها مَصادِرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: الحُوبُ الإثْمُ. وقِيلَ: الظُّلْمُ. وقِيلَ: الوَحْشَةُ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الأكْلِ. وقِيلَ: عَلى التَّبَدُّلِ. وعَوْدُهُ عَلى الأكْلِ أقْرَبُ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِما. كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كَما قالَ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ كَأنَّ ذَلِكَ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في أوْلِياءِ اليَتامى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جَمالُ ولِيّاتِهِمْ، فَيُرِيدُونَ أنْ يَبْخَسُوهم في المَهْرِ لِمَكانِ وِلايَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ. قِيلَ لَهم: أقْسِطُوا في مُهُورِهِنَّ، فَمَن خافَ أنْ لا يُقْسِطَ فَلْيَتَزَوَّجْ ما طابَ لَهُ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ اللَّواتِي يُماكَسْنَ في حُقُوقِهِنَّ. وقالَهُ أيْضًا رَبِيعَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ يَتَزَوَّجُ مِنهُمُ الرَّجُلُ العَشَرَةَ وأكْثَرَ وأقَلَّ، فَإذا ضاقَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ يَتِيمِهِ فَيَتَزَوَّجُ مِنهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنْ خِفْتُمْ عَجْزَ أمْوالِكم حَتّى تَجُورُوا في اليَتامى فاقْتَصِرُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ: كانَتِ العَرَبُ تَتَحَرَّجُ في أمْوالِ اليَتامى ولا تَتَحَرَّجُ في العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ، يَتَزَوَّجُونَ العَشَرَةَ فَأكْثَرَ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ، كَما تَخافُونَ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا في النِّساءِ، وانْكِحُوا عَلى هَذا الحَدِّ الَّذِي يَبْعُدُ الجَوْرُ عَنْهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما الآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنَ الزِّنا وزَجْرٌ عَنْهُ، كَما تَتَحَرَّجُونَ في مالِ اليَتامى فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنا، وانْكِحُوا عَلى ما حُدَّ لَكم. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ غَيْرَ الأوَّلِ لا يَخْتَصُّ اليَتامى بِإناثٍ ولا ذُكُورٍ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالإناثِ كَأنَّهُ قِيلَ في يَتامى النِّساءِ.
والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في نِكاحِ يَتامى النِّساءِ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ، لَمّا أُمِرُوا بِأنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم، ونُهُوا عَنِ الِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ، وعَنْ أكْلِ أمْوالِ اليَتامى، كانَ في ذَلِكَ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِاليَتامى واحْتِرازٌ مِن ظُلْمِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] (p-١٦٢)فَخُوطِبَ أوْلِياءُ يَتامى النِّساءِ أوِ النّاسُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ أيْ: في نِكاحِ يَتامى النِّساءِ، فانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ، وعَلى هَذا الَّذِي اخْتَرْناهُ مِن أنَّ المَعْنى في نِكاحِ اليَتامى. فاليَتامى إنْ كانَ أُرِيدُ بِهِ اليُتْمُ الشَّرْعِيُّ فَيَنْطَلِقُ عَلى الصَّغِيراتِ اللّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى جَوازِ نِكاحِ اليَتِيمَةِ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ: أمّا بَعْدَ البُلُوغِ فَلَيْسَتْ يَتِيمَةً، بِدَلِيلِ أنَّها لَوْ أرادَتْ أنْ تَحُطَّ عَنْ صَداقِ مِثْلِها جازَ لَها. خِلافًا لِمالِكٍ والشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ إذْ قالُوا: لا يَجُوزُ، وإنْ كانَ المُرادُ اليُتْمَ اللُّغَوِيَّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ البالِغاتُ، والبالِغَةُ يَجُوزُ تَزْوِيجُها بِدُونِ مَهْرِ المِثْلِ إذا رَضِيَتْ، فَأيُّ مَعْنًى لِلْعُدُولِ إلى نِكاحِ غَيْرِها ؟ والجَوابُ: أنَّ العُدُولَ إنَّما كانَ لِأنَّ الوَلِيَّ يَسْتَضْعِفُها ويَسْتَوْلِي عَلى مالِها وهي لا تَقْدِرُ عَلى مُقاوَمَتِهِ، وإذا كانَ المُرادُ بِاليَتامى هُنا البالِغاتِ فَلا حُجَّةَ لِأبِي حَنِيفَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ. ومَعْنى: (خِفْتُمْ) حَذِرْتُمْ، وهو عَلى مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ مِن أنَّ الخَوْفَ هو الحَذَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى خِفْتُمْ هُنا: أيْقَنْتُمْ، وخافَ تَكُونُ بِمَعْنى أيْقَنَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ لَهم خافُوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ
وما قالَهُ لا يَصِحُّ، لا يَثْبُتُ مِن كَلامِ العَرَبِ خافَ بِمَعْنى أيْقَنَ، وإنَّما خافَ مِن أفْعالِ التَّوَقُّعِ، وقَدْ يَمِيلُ فِيهِ الظَّنُّ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ البَيْتُ: فَقُلْتُ لَهم: ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ. هَذِهِ الرِّوايَةُ أشْهَرُ مِن خافُوا. قالَ الرّاغِبُ: الخَوْفُ يُقالُ فِيما فِيهِ رَجاءٌ ما، ولِهَذا لا يُقالُ: خِفْتُ أنْ لا أقْدِرُ عَلى بُلُوغِ السَّماءِ، أوْ نَسْفِ الجِبالِ، انْتَهى.
ومَعْنى ﴿ألّا تُقْسِطُوا﴾ أيْ: ألّا تَعْدِلُوا. أيْ: وإنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ، وأقْسَطَ: بِمَعْنى عَدَلَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (تَقْسِطُوا) بِفَتْحِ التّاءِ مِن قَسَطَ، والمَشْهُورُ في (قَسَطَ) أنَّهُ بِمَعْنى (جارَ) . وقالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ قَسَطَ بِمَعْنى أقْسَطَ، أيْ: عَدَلَ. فَإنْ حُمِلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى مَشْهُورِ اللُّغَةِ كانَتْ (لا) زائِدَةً، أيْ: وإنْ خِفْتُمْ أنْ تُقْسِطُوا، أيْ: أنْ تَجُورُوا؛ لِأنَّ المَعْنى لا يَتِمُّ إلّا بِاعْتِقادِ زِيادَتِها. وإنْ حُمِلَتْ عَلى أنْ تُقْسِطُوا بِمَعْنى تُقْسِطُوا، كانَتْ لِلنَّفْيِ كَما في تُقْسِطُوا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (مَن طابَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما طابَ. فَقِيلَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، وهَذا مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ (ما) عَلى آحادِ العُقَلاءِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِـ (ما) عَنِ النِّساءِ، لِأنَّ إناثَ العُقَلاءِ لِنُقْصانِ عُقُولِهِنَّ يَجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ. وقِيلَ: (ما) واقِعَةٌ عَلى النَّوْعِ، أيْ: فانْكِحُوا النَّوْعَ الَّذِي طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ أصْحابِنا: أنَّ (ما) تَقَعُ عَلى أنْواعِ مَن يَعْقِلُ. وقالَ أبُو العَبّاسِ: (ما) لِتَعْمِيمِ الجِنْسِ عَلى المُبالَغَةِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ هو القَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الفاعِلِ. والمَعْنى: فانْكِحُوا النِّكاحَ الَّذِي طابَ لَكم. وقِيلَ: (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: فانْكِحُوا جِنْسًا أوْ عَدَدًا يَطِيبُ لَكم. وقِيلَ: (ما) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةَ طِيبِ النِّكاحِ لَكم. والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِقَوْلِهِ: فانْكِحُوا، وأنَّ (مِنَ النِّساءِ) مَعْناهُ: مِنَ البالِغاتِ. و(مَن) فِيهِ إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لِلْإبْهامِ الَّذِي في (ما) عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى، وإمّا لِلتَّبْعِيضِ وتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنًا مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا إذا كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً أوْ ظَرْفِيَّةً فَمَفْعُولُ (فانْكِحُوا) هو (مِنَ النِّساءِ)، كَما تَقُولُ: أكَلْتُ مِنَ الرَّغِيفِ، والتَّقْدِيرُ فِيهِ: شَيْئًا مِنَ الرَّغِيفِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (فانْكِحُوا) مَثْنى؛ لِأنَّ هَذا المَعْدُولَ مِنَ العَدَدِ لا يَلِي العَوامِلَ كَما تَقَرَّرَ في المُفْرَداتِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ: (طابَ) بِالإمالَةِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (طِيبَ) بِالياءِ، وهو دَلِيلُ الإمالَةِ. وظاهِرُ فانْكِحُوا الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذا الأمْرِ وبِغَيْرِهِ. وقالَ غَيْرُهم: هو نَدْبٌ لِقَوْمٍ، وإباحَةٌ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ قَرائِنِ المَرْءِ، والنِّكاحُ في الجُمْلَةِ مَندُوبٌ إلَيْهِ. ومَعْنى ما طابَ أيْ: ما حَلَّ، لِأنَّ المُحَرَّماتِ مِنَ النِّساءِ كَثِيرٌ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ. وقِيلَ: ما اسْتَطابَتْهُ النَّفْسُ ومالَ إلَيْهِ القَلْبُ. قالُوا: ولا يَتَناوَلُ قَوْلُهُ فانْكِحُوا (p-١٦٣)العَبِيدَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ عامًّا في الأعْدادِ كُلِّها، خَصَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ . فَظاهِرُ هَذا التَّخْصِيصِ تَقْسِيمُ المَنكُوحاتِ إلى أنَّ لَنا أنْ نَتَزَوَّجَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَتَزَوَّجَ خَمْسَةً خَمْسَةً، ولا ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأعْدادِ. وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أُقَسِّمُ الدَّراهِمَ بَيْنَ الزَّيْدَيْنِ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، فَمَعْنى ذَلِكَ أنْ تَقَعَ القِسْمَةُ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ دُونَ غَيْرِهِ. فَلا يَجُوزُ لَنا أنْ نُعْطِيَ أحَدًا مِنَ المَقْسُومِ عَلَيْهِمْ خَمْسَةً خَمْسَةً، ولا يَسُوغُ دُخُولُ (أوْ) هُنا مَكانَ الواوِ، لِأنَّهُ كانَ يَصِيرُ المَعْنى أنَّهم لا يَنْكِحُونَ كُلُّهم إلّا عَلى أحَدِ أنْواعِ العَدَدِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَجْعَلُوا بَعْضَهُ عَلى تَثْنِيَةٍ وبَعْضَهُ عَلى تَثْلِيثٍ وبَعْضَهُ عَلى تَرْبِيعٍ، لِأنَّ (أوْ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ. والواوُ تَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ، فَيَأْخُذُ النّاكِحُونَ مَن أرادُوا نِكاحَها عَلى طَرِيقِ الجَمْعِ إنْ شاءُوا مُخْتَلِفِينَ في تِلْكَ الأعْدادِ، وإنْ شاءُوا مُتَّفِقِينَ فِيها مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ ما زادَ. وذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ: إلى أنَّهُ يَجُوزُ النِّكاحُ بِلا عَدَدٍ، كَما يَجُوزُ التَّسَرِّي بِلا عَدَدٍ. ولَيْسَتِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَوْقِيتٍ في العَدَدِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى الإباحَةِ كَقَوْلِكَ: تَناوَلْ ما أحْبَبْتَ واحِدًا واثْنَيْنِ وثَلاثًا. وذِكْرُ بَعْضِ مُقْتَضى العُمُومِ جاءَ عَلى طَرِيقِ التَّبْيِينِ، ولا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَجُوزُ نِكاحُ تِسْعٍ؛ لِأنَّ الواوَ تَقْتَضِي الجَمْعَ. فَمَعْنى ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ اثْنَيْنِ وثَلاثًا وأرْبَعًا، وذَلِكَ تِسْعٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ماتَ عَنْ تِسْعٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذِهِ الأعْدادَ وكَوْنَها عُطِفَتْ بِالواوِ تَدُلُّ عَلى جَوازِ نِكاحِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، لِأنَّ كُلَّ عَدَدٍ مِنها مَعْدُولٌ عَنْ مُكَرَّرٍ مَرَّتَيْنِ، وإذا جُمِعَتْ تِلْكَ المُكَرَّراتُ كانَتْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ اسْتِدْلالًا وإبْطالًا - مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ الخِلافِيَّةِ.
* * *
وأجْمَعَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى أرْبَعٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُباحُ النِّكاحُ مَثْنى أوْ ثُلاثَ أوْ رُباعَ إلّا لِمَن خافَ الجَوْرَ في اليَتامى لِأجْلِ تَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَخَفْ فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، والإجْماعُ عَلى خِلافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ مِنِ اخْتِصاصِ الإباحَةِ بِمَن خافَ الجَوْرَ. أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَخَفِ الجَوْرَ في أمْوالِ اليَتامى يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْكِحَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ ثِنْتَيْنِ وثَلاثًا وأرْبَعًا كَمَن خافَ. فَدَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ جَوابٌ لِمَن خافَ ذَلِكَ، وحُكْمُها أعَمُّ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (ورُبَعَ) ساقِطَةَ الألِفِ، كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ: (وحَلَيانًا بَرَدًا) يُرِيدُ بارِدًا. وإذا أعْرَبْنا (ما) مِن (ما طابَ) مَفْعُولَةً - وتَكُونُ مَوْصُولَةً - فانْتِصابُ (مَثْنى) وما بَعْدَهُ عَلى الحالِ مِنها، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِنَ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَوْضِعُها مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن (ما طابَ)، وهي نَكِراتٌ لا تَتَصَرَّفُ لِأنَّها مَعْدُولَةٌ وصِفَةٌ. انْتَهى. وهُما إعْرابانِ ضَعِيفانِ. أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ هو (ما طابَ)، و﴿مِنَ النِّساءِ﴾ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّبْيِينِ ولَيْسَ مُحَدَّثًا عَنْهُ، فَلا يَكُونُ الحالُ مِنهُ، وإنْ كانَ يَلْزَمُ مِن تَقْيِيدِهِ بِالحالِ تَقْيِيدُ المَنكُوحاتِ. وأمّا الثّانِي فالبَدَلُ هو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يُباشِرَها العامِلُ. وقَدْ تَقَرَّرَ في المُفْرَداتِ أنَّها لا يُباشِرُها العامِلُ. وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: إنَّها نَكِرَةٌ وصِفَةٌ، وما كانَ نَكِرَةً وصِفَةً فَإنَّهُ إذا جاءَ تابِعًا لِنَكِرَةٍ كانَ صِفَةً لَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [فاطر: ١] وما وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ وقَعَ حالًا لِلْمَعْرِفَةِ. و(ما طابَ) مَعْرِفَةٌ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ (مَثْنى) حالًا.
﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ ألّا تَعْدِلُوا بَيْنَ ثِنْتَيْنِ إنْ نَكَحْتُمُوهُما، أوْ بَيْنَ ثَلاثٍ أوْ أرْبَعٍ إنْ نَكَحْتُمُوهُنَّ في القَسْمِ أوِ النَّفَقَةِ أوِ الكُسْوَةِ، فاخْتارُوا واحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم، هَذا إنْ حَمَلْنا (فانْكِحُوا) عَلى (p-١٦٤)تَزَوَّجُوا، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الوَطْءِ قَدَّرْنا الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ فَواحِدَةً: فانْكِحُوا واحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ (عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا) عَلى أحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: فانْكِحُوا، أيْ: تَزَوَّجُوا واحِدَةً، أوْ طِئُوا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم. ولَمْ يُقَيِّدْ مَمْلُوكاتِ اليَمِينِ بِعَدَدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَطَأ ما شاءَ مِنهُنَّ لِأنَّهُ لا يَجِبُ العَدْلُ بَيْنَهُنَّ لا في القَسْمِ ولا في النَّفَقَةِ ولا في الكُسْوَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ هُرْمُزَ: (فَواحِدَةٌ) بِالرَّفْعِ. ووَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ أيْ: فَواحِدَةٌ كافِيَةٌ. ووَجَّهَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ، أيْ: فالمَقْنَعُ، أوْ فَحَسْبُكم واحِدَةٌ، أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم. و(أوْ) هُنا لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ: إمّا عَلى التَّخْيِيرِ، وإمّا عَلى الإباحَةِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: فَما مَلَكَتْ أيْمانُكم، يُرِيدُ بِهِ الإماءَ، والمَعْنى عَلى هَذا: إنْ خافَ أنْ لا يَعْدِلَ في عِشْرَةِ واحِدَةٍ فَما مَلَكَتْ يَمِينُهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (أوْ مَن مَلَكَتْ أيْمانُكم)، وأسْنَدَ المِلْكَ إلى اليَمِينِ؛ لِأنَّها صِفَةُ مَدْحٍ، واليَمِينُ مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ. ألا تَرى أنَّها هي المُنْفِقَةُ في قَوْلِهِ: (حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالَهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ) وهي المُعاهِدَةُ والمُتَلَقِّيَةُ لِراياتِ المَجْدِ، والمَأْمُورُ في تَناوُلِ المَأْكُولِ بِالأكْلِ بِها، والمَنهِيُّ عَنِ الِاسْتِنْجاءِ بِها. وهَذانِ شَرْطانِ مُسْتَقِلّانِ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما جَوابٌ مُسْتَقِلٌّ، فَأوَّلُ الشَّرْطَيْنِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا﴾، وجَوابُهُ: فانْكِحُوا. صَرَفَ مَن خافَ مِنَ الجَوْرِ في نِكاحِ اليَتامى إلى نِكاحِ البالِغاتِ مِنهُنَّ ومِن غَيْرِهِنَّ، وذَكَرَ تِلْكَ الأعْدادَ. وثانِي الشَّرْطَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا﴾ وجَوابُهُ: ﴿فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ صَرَفَ مَن خافَ مِنَ الجَوْرِ في نِكاحِ ما ذَكَرَ مِنَ العَدَدِ إلى نِكاحِ واحِدَةٍ، أوْ تَسَرٍّ بِما مَلَكَ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ اللُّطْفِ بِالمُكَلَّفِ والرِّفْقِ بِهِ، والتَّعَطُّفِ عَلى النِّساءِ والنَّظَرِ لَهُنَّ.
وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ اشْتَمَلَتْ عَلى شَرْطٍ واحِدٍ، وجُمْلَةِ اعْتِراضٍ. فالشَّرْطُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا﴾، وجَوابُهُ: فَواحِدَةً. وجُمْلَةُ الِاعْتِراضِ قَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾، وكَرَّرَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا﴾ . لَمّا طالَ الكَلامُ بِالِاعْتِراضِ، إذْ مَعْناهُ: كَما جاءَ في ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إذْ طالَ الفَصْلُ بَيْنَ (لَمّا) وجَوابِها، فَأُعِيدَتْ. وكَذَلِكَ ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ [آل عمران: ١٨٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨] إذْ طالَ الفَصْلُ بِما بَعْدَهُ، بَيْنَ: (لا تَحْسَبَنَّ)، وبَيْنَ (بِمَفازَةٍ)، فَأُعِيدَتِ الجُمْلَةُ، وصارَ المَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا فانْكِحُوا واحِدَةً. قالَ: وقَدْ ثَبَتَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ العَدْلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] انْتَهى هَذا القَوْلُ، وهو مَنسُوبٌ إلى أبِي عَلِيٍّ. ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ، فَإنَّ أبا عَلِيٍّ كانَ مِن عِلْمِ النَّحْوِ بِمَكانٍ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ إفْسادُ نَظْمِ القُرْآنِ التَّرْكِيبِيِّ، وبُطْلانٌ لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ إذا أنْتَجَ مِنَ الآيَتَيْنِ هَذِهِ وقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ [النساء: ١٢٩] بِما نَتَجَ مِنَ الدَّلالَةِ - اقْتَضى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَ واحِدَةٍ، أوْ يَتَسَرّى بِما مَلَكَتْ يَمِينُهُ. ويَبْقى هَذا الفَصْلُ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ جَوابِهِ لَغْوًا لا فائِدَةَ لَهُ عَلى زَعْمِهِ. والعَدْلُ المَنفِيُّ اسْتِطاعَتُهُ غَيْرُ هَذا العَدْلِ المَنفِيِّ هُنا، ذاكَ عَدْلٌ في مَيْلِ القَلْبِ وقَدْ رُفِعَ الحَرَجُ فِيهِ عَنِ الإنْسانِ، وهَذا عَدْلٌ في القَسْمِ والنَّفَقَةِ. ولِذَلِكَ نُفِيَتْ هُناكَ اسْتِطاعَتُهُ، وعُلِّقَ هُنا عَلى خَوْفِ انْتِفائِهِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ فِيهِ رَجاءٌ وظَنٌّ غالِبًا. وانْتَزَعَ الشّافِعِيُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أنَّ الِاشْتِغالَ بِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، إذْ عَكَسَ. ووَجْهُ انْتِزاعِهِ ذَلِكَ واسْتِدْلالِهِ بِالآيَةِ أنَّهُ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَ تَزَوُّجِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي، والتَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مُشْعِرٌ بِالمُساواةِ بَيْنَهُما في الحِكْمَةِ المَطْلُوبَةِ، والحِكْمَةُ سُكُونُ النَّفْسِ بِالأزْواجِ، وتَحْصِينُ الدِّينِ ومَصالِحِ البَيْتِ، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ بِالطَّرِيقَيْنِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ أفْضَلُ مِنَ التَّسَرِّي، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ (p-١٦٥)النِّكاحِ، لِأنَّ الزّائِدَ عَلى المُتَساوِيَيْنِ يَكُونُ زائِدًا عَلى المُساوِي الثّانِي لا مَحالَةَ.
﴿ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ الإشارَةُ إلى اخْتِيارِ الحُرَّةِ الواحِدَةِ والأمَةِ. أدْنى: مِنَ الدُّنُوِّ، أيْ: أقْرَبُ. أنْ لا تَعُولُوا، أيْ: أنْ لا تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو مالِكٍ، والسُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضِلُّوا. وقالَ النَّخَعِيُّ: لا تَخُونُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ، مِنهم زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُ زَيْدٍ، والشّافِعِيُّ: مَعْناهُ لا يَكْثُرَ عِيالُكم. وقَدْ رُدَّ عَلى الشّافِعِيِّ في هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ المَعْنى ومِن جِهَةِ اللَّفْظِ، أمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ داوُدَ، والرّازِيُّ ما مَعْناهُ: غَلِطَ الشّافِعِيُّ، لِأنَّ صاحِبَ الإماءِ في العِيالِ كَصاحِبِ الأزْواجِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أباحَ كَثْرَةَ السَّرارِي، وفي ذَلِكَ تَكْثِيرُ العِيالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى ألّا يَكْثُرُوا ؟ وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: قالَ أوْ لا أنْ لا تَعْدِلُوا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ضِدُّ العَدْلِ هو الجَوْرَ، وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ ويَقْتَضِي أيْضًا الرَّدَّ مِن جِهَةِ المَعْنى، فَتَفْسِيرُ الشّافِعِيِّ تَعُولُوا بِتُعِيلُوا. وقالُوا: يُقالُ أعالَ يُعِيلُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، فَهو مِن ذَواتِ الياءِ لا مِن ذَواتِ الواوِ، فَقَدِ اخْتَلَفا في المادَّةِ، فَلَيْسَ مَعْنى تَعُولُوا تُعِيلُوا. وقالَ الرّازِيُّ أيْضًا عَنِ الشّافِعِيِّ: إنَّهُ خالَفَ المُفَسِّرِينَ. وما قالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ قَدْ قالَ بِمَقالَتِهِ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ زَيْدٍ كَما قَدَّمْناهُ وغَيْرُهم. وأمّا تَفْسِيرُهُ تَعُولُوا بِتُعِيلُوا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أرادَ أنْ تَعُولُوا وتُعِيلُوا مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، وأنَّهُما يَجْمَعُهُما اشْتِقاقٌ واحِدٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظانِ في مَعْنًى واحِدٍ ولا يَجْمَعُهُما اشْتِقاقٌ واحِدٌ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: دُمْتُ ودَشِيرُ، وسِبْطٌ وسِبْطَةٌ، فَكَذَلِكَ هَذا.
وقَدْ نَقَلَ عالَ الرَّجُلُ يَعُولُ - أيْ كَثُرَ عِيالُهُ - ابْنُ الأعْرابِيِّ، كَما ذَكَرْناهُ في المُفْرَداتِ. ونَقَلَهُ أيْضًا الكِسائِيُّ، قالَ: وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ. قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: عالَ يَعُولُ، وأعالَ يُعِيلُ كَثُرَ عِيالُهُ، ونَقَلَها أيْضًا أبُو عَمْرٍو الدُّورِيُّ المُقْرِي وكانَ إمامًا في اللُّغَةِ غَيْرَ مُدافَعٍ، قالَ: هي لُغَةُ حِمْيَرَ.
وأنْشَدَ أبُو عَمْرٍو حُجَّةً لَها:
؎وإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ بِلا شَكٍّ وإنْ أمْشى وعالا
أمَشى كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ، وعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَ الشّافِعِيِّ وتَفْسِيرَهُ (تَعُولُوا): تَكْثُرَ عِيالُكم عَلى أنْ جَعَلَهُ مِن قَوْلِكَ: عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهم. وقالَ: لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ حَوَّلَ تُعِيلُوا إلى تَعُولُوا، وأثْنى عَلى الشّافِعِيِّ بِأنَّهُ كانَ أعْلى كَعْبًا وأطْوَلَ باعًا في كَلامِ العَرَبِ مِن أنْ يَخْفى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا.
قالَ: ولَكِنَّ لِلْعُلَماءِ طُرُقًا وأسالِيبَ، فَسَلَكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ طَرِيقَةَ الكِناياتِ. وأمّا ما رَدَّ بِهِ ابْنُ داوُدَ والرّازِيُّ والزَّجّاجُ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا القَدْحُ - يُشِيرُ إلى قَدْحِ الزَّجّاجِ - غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ السَّرارِيَ إنَّما هي مالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ، وإنَّما العِيالُ القادِحُ الحَرائِرُ ذَواتُ الحُقُوقِ الواجِبَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَرَضُ بِالتَّزَوُّجِ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، بِخِلافِ التَّسَرِّي. ولِذَلِكَ جازَ العَزْلُ عَنِ السَّرارِي بِغَيْرِ إذْنِهِنَّ، فَكانَ التَّسَرِّي مَظِنَّةً لِقِلَّةِ الوَلَدِ بِالإضافَةِ إلى التَّزَوُّجِ، والواحِدَةُ بِالإضافَةِ إلى تَزَوُّجِ الأرْبَعِ. وقالَ القَفّالُ: إذا كَثُرَتِ الجَوارِي فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَهُنَّ الكَسْبَ فَيُنْفِقْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ وعَلى مَوْلاهُنَّ أيْضًا، وتَقِلُّ العِيالُ. أمّا إذا كانَتْ حُرَّةً فَلا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ، انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: أنْ لا تَعُولُوا بِمَعْنى أنْ لا تَفْتَقِرُوا، ولا يُرِيدُ أنْ تَعُولُوا مِن مادَّةِ تُعِيلُوا، مَن عالَ يَعِيلُ إذا افْتَقَرَ، إنَّما يُرِيدُ أيْضًا الكِنايَةَ، لِأنَّ كَثْرَةَ العِيالِ يَتَسَبَّبُ عَنْها الفَقْرُ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أنَّ اخْتِيارَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ أوِ الأمَةِ أقْرَبُ إلى انْتِفاءِ الجَوْرِ، إذْ هو المَحْذُورُ المُعَلَّقُ عَلى خَوْفِهِ الِاخْتِيارُ المَذْكُورُ. أيْ: عَبَّرَ عَنْ قَوْلِهِ: أنْ لا تَعُولُوا بِأنْ لا يَكْثُرَ عِيالُكم، فَإنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُسَبِّبِ بِالسَّبَبِ، لِأنَّ كَثْرَةَ العِيالِ يَنْشَأُ عَنْهُ الجَوْرُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: (أنْ لا تَعِيلُوا)، بِفَتْحِ التّاءِ، أيْ: لا تَفْتَقِرُوا مِنَ العَيْلَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] وقالَ الشّاعِرُ:(p-١٦٦)
؎فَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ ولا يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
وقَرَأ طاوُسُ: (أنْ لا تُعِيلُوا) مِن أعالَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُعَضِّدُ تَفْسِيرَ الشّافِعِيِّ مِن حَيْثُ المَعْنى الَّذِي قَصَدَهُ. و(أنْ) تَتَعَلَّقُ بِأدْنى، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أدْنى إلى ألّا تَعُولُوا. وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الفِعْلُ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ يَتَعَدّى هو إلَيْهِ. تَقُولُ: دَنَوْتُ إلى كَذا، فَلِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ أدْنى إلى أنْ تَعُولُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَرْفُ المَحْذُوفُ لامَ الجَرِّ، لِأنَّكَ تَقُولُ: دَنَوْتُ لِكَذا.
﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] الظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ الخِطابَ قَبْلَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ. قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ، يَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي، فَتَقُولُ: نَعَمْ. فَأُمِرُوا أنْ يُسْرِعُوا إعْطاءَ المُهُورِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِأوْلِياءِ النِّساءِ، وكانَتْ عادَةُ بَعْضِ العَرَبِ أنْ يَأْكُلَ ولِيُّ المَرْأةِ مَهْرَها، فَرَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ. قالَهُ أبُو صالِحٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ تَرْكُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المُتَشاغِرُونَ مِن تَزْوِيجِ امْرَأةٍ بِأُخْرى، وأُمِرُوا بِضَرْبِ المُهُورِ، قالَهُ حَضْرَمِيٌّ، والأمْرُ بِإيتاءِ النِّساءِ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يَتَناوَلُ هَذِهِ الصُّوَرَ كُلَّها.
والصَّدُقاتُ المُهُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ: (نِحْلَةً) فَرِيضَةً. وقِيلَ: عَطِيَّةَ تَمْلِيكٍ، قالَهُ أبُو الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ. وقِيلَ: شِرْعَةً ودِينًا، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ الرّاغِبُ: والنِّحْلَةُ أخَصُّ مِنَ الهِبَةِ، إذْ كُلُّ هِبَةٍ نِحْلَةٌ ولا يَنْعَكِسُ، وسُمِّيَ الصَّداقُ نِحْلَةً مِن حَيْثُ لا يَجِبُ في مُقابَلَتِهِ أكْثَرُ مِن تَمَتُّعٍ دُونَ عِوَضٍ مالِيٍّ. ومَن قالَ: النِّحْلَةُ الفَرِيضَةُ - نَظَرَ إلى حُكْمِ الآيَةِ، لا إلى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ والِاشْتِقاقِ، والآيَةُ اقْتَضَتْ إتْيانَهُنَّ الصَّداقَ. انْتَهى. ودَلَّ هَذا الأمْرُ عَلى التَّحَرُّجِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِمُهُورِ النِّساءِ كَما دَلَّ الأمْرُ في: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، وأنَّهُما مُتَساوِيانِ في التَّحْرِيمِ. ولَمّا أذِنَ في نِكاحِ الأرْبَعِ أمَرَ الأزْواجَ والأوْلِياءَ بِاجْتِنابِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن سَنَنِ الجاهِلِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] جَمْعُ صَدُقَةٍ، عَلى وزْنِ سَمُرَةٍ. وقَرَأ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: بِإسْكانِ الدّالِ وضَمِّ الصّادِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُوسى بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وغَيْرُهم: بِضَمِّها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (صَدُقَتَهِنَّ) بِضَمِّها والإفْرادِ، وانْتَصَبَ (نِحْلَةً) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى (وآتُوا) انْحَلُوا فالنَّصْبُ فِيها بِـ (آتُوا) . وقِيلَ: بِـ (انْحَلُوهُنَّ) مُضْمَرَةً. وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا عَنِ الفاعِلِينَ، أيْ: ناحِلِينَ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، أيْ: مَنحُولاتٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ بِمَعْنى شَرَعَ، أيْ: أنْحَلَ اللَّهُ ذَلِكَ نِحْلَةً، أيْ شَرَعَهُ شِرْعَةً ودِينًا. وقِيلَ: إذا كانَ بِمَعْنى شِرْعَةٍ فَيَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الصَّدُقاتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الصَّداقِ لِلْمَرْأةِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِراقِ: أنَّ السَّيِّدَ إذا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأمَتِهِ لا يَجِبُ فِيهِ صَداقٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِمِقْدارِ الصَّداقِ، ولا لِشَيْءٍ مِن أحْكامِهِ. وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ هُنا، ومَحَلُّ الكَلامِ في ذَلِكَ هو كُتُبُ الفِقْهِ.
{"ayah":"وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق