الباحث القرآني
﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٍ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْوالِ ونُزُولِهِ مِنهُ مَنزِلَةَ المُرَكَّبَ مِنَ المُفْرَدِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ مِنَ اليَتامى هُنا صِنْفًا مِمّا أُرِيدَ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِن يَتامى النِّساءِ اللّاتِي يَلُونَهم لَكِنْ لا رَغْبَةَ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ صُحْبَتَهُنَّ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ فَوُعِظُوا في ذَلِكَ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ مِن طَرِيقٍ آخَرَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولَيِّها يَشْرَكُها في مالِها ويُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها مِن غَيْرِ أنْ يَقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سَنَتِهِنَّ في الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، فالمُرادُ مِنَ اليَتامى المُتَزَوَّجِ بِهِنَّ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الجَوابِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ والرَّبْطُ يَقْتَضِيهِ ومِنَ النِّساءِ غَيْرُ اليَتامى كَما صَرَّحَتْ بِهِ الحُمَيْراءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِدَلالَةِ المَعْنى وإشارَةِ لَفْظِ النِّساءِ إلَيْهِ، والإقْساطُ العَدْلُ والإنْصافُ، وجَعَلَ بَعْضَ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإزالَةِ فَأصْلُ مَعْناهُ حِينَئِذٍ إزالَةُ القُسُوطِ أيِ الظُّلْمِ والحَيْفِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ تَقْسِطُوا بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وظَلَمَ، ومِنهُ ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ولا مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾، وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ بِلا هَمْزٍ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ.
واليَتامى جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ كَما قِيلَ أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ وهو كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ يُقالُ لِلْإناثِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ العِلْمُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًا مَحْذُورًا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّ الَّذِي عَلِقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المُخَوِّفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًا لِمَن يَصْبِرُ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ، وإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَإنْ لَمْ تُقَدَّرْ مَن كانَ مَنصُوبًا وكانَ الفِعْلُ واصِلًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وإنْ قُدِّرَتْ جازَ فِيهِ أمْرانِ: النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها، وأُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًا إلى الوَصْفِ مِنَ البِكْرِ أوِ الثَّيِّبِ مَثَلًا، وما تَخْتَصُّ أوْ تَغْلِبُ في غَيْرِ العُقَلاءِ فِيما إذا أُرِيدَ الذّاتُ، وأمّا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ فَلا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ في الِاسْتِفْهامِ، أيْ أفاضِلٌ أمْ كَرِيمٌ؟ وأكْرِمْ ما شِئْتَ مِنَ الرِّجالِ تَعْنِي الكَرِيمَ أوِ اللَّئِيمَ.
وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّها هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وأنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ بِها وبِالفِعْلِ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الفاعِلِ أيْ أنْكِحُوا الطَّيِّبَ (p-190)مِنَ النِّساءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ إيثارَها عَلى مِن بِناءً عَلى أنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يُجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِما رُوِيَ في حَقِّهِنَّ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، وفِيهِ أنَّهُ مُخِلٌّ بِمَقامِ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، ومِن بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِمّا طابَ لَكم ما مالَتْ لَهُ نُفُوسُكم واسْتَطابَتْهُ، وقِيلَ: ما حَلَّ لَكم، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْعائِشَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ، واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ أُبِيحُ المُباحَ، وأيْضًا يَلْزَمُ الإجْمالُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُباحُ مِنَ الآيَةِ، وآثَرَ الحَمْلَ عَلى الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّخْصِيصُ وجَعَلَهُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ، وأجابَ المُدَقِّقُ في «الكَشْفِ» بِأنَّ المُبَيَّنَ تَحْرِيمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلَخْ إنْ كانَ مُقَدَّمَ النُّزُولِ فَلا إجْمالَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ المَوْصُولَ جارٍ مَجْرى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحَمْلُ عَلى العَهْدِ في مِثْلِهِ هو الوَجْهُ وإلّا فالإجْمالُ المُؤَخَّرُ بَيانُهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ المُقارَنِ لِأنَّ تَأْخِيرَ بَيانِ المُجْمَلِ جائِزٌ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، وتَأْخِيرُ بَيانِ التَّخْصِيصِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ أكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما طابَ لَكم ما لا تُحْرَجُ مِنهُ لِأنَّهُ في مُقابِلِ المُتَحَرِّجِ مِنهُ مِنَ اليَتامى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وكَيْفَما كانَ فالتَّعْبِيرُ عَنِ الأجْنَبِيّاتِ بِهَذا العُنْوانِ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ ما لا يَخْفى، والسِّرُّ في ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِصَرْفِ المُخاطَبِينَ عَنْ نِكاحِ اليَتامى عِنْدَ خَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ رِعايَةً لِيُتْمِهِنَّ وجَبْرًا لِانْكِسارِهِنَّ ولِهَذا الِاعْتِناءِ أُوثِرَ الأمْرُ بِنِكاحِ الأجْنَبِيّاتِ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِهِنَّ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ اللُّطْفِ في اسْتِنْزالِهِمْ فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مَنَعَتْ مِنهُ، ووَجْهُ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ إلى النِّكاحِ المُتَرَقَّبِ مَعَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو النِّكاحُ المُحَقَّقُ عَلى ما فَهْمِهِ البَعْضُ مِنَ الأخْبارِ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَها وكانَ لَها عَذْقٌ فَكانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَها مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾» إلَخْ لِما فِيهِ مِنَ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ الشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَرُبَّ واقِعٍ لا يُرْفَعُ، والمُبالَغَةُ في بَيانِ حالِ النِّكاحِ المُحَقَّقِ فَإنَّ مَحْظُورِيَّةَ المُتَرَقِّبِ حَيْثُ كانَ لِلْجَوْرِ المُتَرَقَّبِ فِيهِ فَمَحْظُورِيَّةُ المُحَقِّقِ مَعَ تَحَقُّقِ الجَوْرِ فِيهِ أوْلى، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن طابَ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما في «الدُّرِّ المَنثُورِ» ما طِيبَ لَكم بِالياءِ، وفي الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَلِيلٌ لِجَوازِ نِكاحِ اليَتِيمَةِ وهي الصَّغِيرَةُ إذْ يَقْتَضِي جَوازُهُ إلّا عِنْدَ خَوْفِ الجَوْرِ.
وقَدْ بَسُطَ الكَلامُ في كُتُبِ الفِقْهِ عَلى ولِيِّ النِّكاحِ، ومَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ أنَّ اليَتِيمَةَ الصَّغِيرَةَ لا تُزَوَّجُ إذْ لا إذَنْ لَها وعِنْدَهُ خِلافٌ في تَزْوِيجِ الوَصِيِّ لَها إذا جَعَلَ لَهُ الأبُ الإجْبارَ أوْ فَهم عَنْهُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ لَهُ ذَلِكَ فَيَحْمِلُ اليَتامى في الآيَةِ عَلى الحَدِيثاتِ العَهْدِ بِالبُلُوغِ، واسْمُ اليَتِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ.
﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِن فاعِلِ طابَ المُسْتَتِرِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، وجَوَّزَ العَلامَةُ كَوْنَها حالًا مِنَ النِّساءِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ مِن بَيانِيَّةً، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى كَوْنِها بَدَلًا مِن ما وإلى الحالِيَّةِ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ وهو المَذْهَبُ المُخْتارُ، والكُوفِيُّونَ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِأنَّها مَعارِفُ عِنْدِهِمْ، وأوْجَبُوا في هَذا المَقامِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الصَّحِيحِ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ صَرْفَها والمَذاهِبُ المَنقُولَةُ في عِلَّةِ مَنعِ صَرْفِها أرْبَعَةٌ: أحَدُها: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وأبِي عَمْرٍو: إنَّهُ العَدْلُ والوَصْفُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ في أسْماءِ العَدَدِ عارِضَةٌ وهي لا تَمْنَعُ الصَّرْفُ، وأُجِيبُ بِأنَّها وإنَّ عَرَضَتْ في أصْلِها فَهي نَقَلَتْ عَنْها بَعْدَ مُلاحَظَةِ الوَصْفِ العارِضِ فَكانَ أصْلِيًّا في هَذِهِ دُونَ أصْلِها ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٌ، والثّانِي قَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّها مُنِعَتْ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ بِنِيَّةِ الألِفِ واللّامِ ولِذا لَمْ تَجُزْ إضافَتُها (p-191)ولا دُخُولُ ألْ عَلَيْها، والثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّها مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، فَعَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ العَدَدِ وعَنِ المُؤَنَّثِ إلى المُذَكَّرِ فَفِيها عَدْلانِ وهُما سَبَبانِ، والرّابِعُ: ما نَقَلَهُ أبُو الحَسَنِ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ العِلَّةَ المانِعَةَ مِنَ الصَّرْفِ تَكْرارُ العَدْلِ فِيهِ لِأنَّ مَثْنى مَثَلًا عُدِّلَتْ عَنْ لَفْظِ اثْنَيْنِ ومَعْناهُ لِأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعٍ تُسْتَعْمَلُ فِيهِ إذْ لا تَلِي العَوامِلَ وإنَّما تَقَعُ بَعْدَ جَمْعٍ إمّا خَبَرًا أوْ حالًا أوْ وصْفًا، وشَذَّ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ وأنْ تُضافَ، وزادَ السَّفاقِسِيُّ في عِلَّةِ المَنعِ خامِسًا: وهو العَدْلُ مِن غَيْرِ جِهَةِ العَدْلِ لِأنَّ بابَ العَدْلِ أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ وهَذا عَدْلٌ في النَّكِراتِ، وسادِسًا: وهو العَدْلُ والجَمْعُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرارَ فَصارَ في مَعْنى الجَمْعِ، وقالَ: زادَ هَذَيْنِ ابْنُ الصّائِغِ في «شَرْحِ الجُمَلِ»، وجاءَ آحادٌ ومُوَحَّدٌ، وثُناءٌ ومَثْنى، وثُلاثٌ ومَثْلَثٌ، ورُباعٌ ومَرْبَعٌ، ولَمْ يَسْمَعْ فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ إلّا في قَوْلِ الكُمَيْتِ:
؎ولَمْ يَسْتُرْ يَثُوكَ حَتّى رَمَيْتَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا ”عِشارًا“
ومِن هُنا أعابُوا عَلى المُتَنَبِّيِّ قَوْلَهُ:
؎أُحادٌ أمْ ”سُداسٌ“ في أُحادٍ ∗∗∗ لِيَيْلَتِنا المَنُوطَةِ بِالتَّنادِ
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ خُماسٌ ومُخَمَّسٌ إلى آخِرِ العَقْدِ قِياسًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واخْتِيرَ التَّكْرارُ والعَطْفُ بِالواوِ لِتَفَهُّمِ الآيَةِ أنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ أنْ يَخْتارَ مِن هَذِهِ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ أيَّ عَدَدٍ شاءَ إذْ هو المَقْصُودُ لا أنَّ بَعْضَها لِبَعْضٍ مِنهم والبَعْضَ الآخَرِ لِآخَرَ، ولَوْ أفْرَدْتَ الأعْدادَ لَفُهِمَ مِن ذَلِكَ تَجْوِيزُ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأعْدادِ دُونَ التَّوْزِيعِ ولَوْ ذُكِرَتْ بِكَلِمَةِ أوْ لَفاتَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلافِ في العَدَدِ بِأنْ يَنْكِحَ واحِدٌ اثْنَتَيْنِ، وآخَرُ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ الذِّهْنُ لِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِأنَّ الكَلامَ في الظّاهِرِ الَّذِي هو نُكْتَةُ العُدُولِ؛ وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ أتى مِنَ الأعْدادِ بِما لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ حالًا مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ جَمِيعَ الطَّيِّباتِ لَيْسَ حالُها أنَّها اثْنانِ ولا حالُها أنَّها ثَلاثَةٌ، وكَذا لَوْ قِيلَ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا واثْنَيْنِ وثَلاثَةً وأرْبَعَةً لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ العَدَدِ حالًا مِنَ المالِ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ لِأنَّ حالَ الألْفِ لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا كُرِّرَ فَإنَّ المَقْصُودَ حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ في حُكْمِ الِانْقِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فانْكِحُوا الطَّيِّباتِ لَكم مُفَصَّلَةً ومُقَسَّمَةً إلى ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، واقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ مُفَصَّلًا ومُقَسَّمًا إلى دِرْهَمٍ دِرْهَمٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ ما قِيلَ: مِن أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ومَثْنى في صِحَّةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ انْفِهامَ الِانْقِسامِ ظاهِرٌ مِنَ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، وأنَّهُ إنَّما أتى بِالواوِ دُونَ أوْ لِيُفِيدَ الكَلامَ أنْ تَكُونَ الأقْسامُ عَلى هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرَ مُتَجاوِزٍ إيّاها إلى ما فَوْقَها لا أنْ تَكُونَ عَلى أحَدِ هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرِ مَجْمُوعٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنها وذَلِكَ بِناءًا عَلى أنَّ الحالَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الفِعْلِ، والقَيْدُ في الكَلامِ نَفْيٌ لِما يُقابِلُهُ والواوُ لَيْسَتْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أوِ الأُمُورِ كَأوْ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن جَوازِ التِّسْعِ تَمَسُّكًا بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ فَيَجُوزُ الثُّنَّتانِ والثَّلاثُ والأرْبَعُ وهي تِسْعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَكَحَ الخَمْسَ أوْ ما فَوْقَها لَمْ يُحافِظْ عَلى القَيْدِ أعْنِي كَيْفِيَّةَ النِّكاحِ وهي كَوْنُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّفْصِيلِ بَلْ جاوَزَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ القُطْبِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ الأعْدادَ عَلى الأرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الزِّيادَةُ عَلَيْها وإلّا لَكانَ نِكاحُهم خَمْسًا خَمْسًا؛ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: (p-192)اللُّزُومُ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى الحَصْرِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ ما شِئْتَ اذْهَبْ إلى السُّوقِ وإلى المَدْرَسَةِ وإلى البُسْتانِ كانَ هَذا تَنْصِيصًا في تَفْوِيضِ زِمامِ الِاخْتِيارِ إلَيْهِ مُطْلَقًا ورَفْعِ الحَجَرِ عَنْهُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْإذْنِ بِتِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ بَلْ كانَ إذْنًا في المَذْكُورِ وغَيْرِهِ فَكَذا هُنا؛ وأيْضًا ذِكْرُ جَمِيعِ الأعْدادِ مُتَعَذِّرٌ فَإذا ذُكِرَ بَعْضُ الأعْدادِ بَعْدَ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ الإذْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ كَلامٌ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وفَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ والمِثالِ الحادِثِ.
وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ شَبَهَ المُجَوَّزِينَ التَّزَوُّجَ بِأيِّ عَدَدٍ أُرِيدَ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويُرِيحُ الفِكْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: «إنَّ قَوْمًا شُذّاذًا ذَهَبُوا إلى جَوازِ التَّزَوُّجِ بِأيِّ عَدَدٍ واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ إطْلاقٌ في جَمِيعِ الأعْدادِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا عَدَدَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا، والثّانِي: أنَّ ( ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ) لا يَصْلُحُ مُخَصَّصًا لِذَلِكَ العُمُومِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالبَعْضِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ الحُكْمِ في الباقِي، والثّالِثُ: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَمَثْنى وثُلاثُ ورُباعُ يُفِيدُ حَلَّ المَجْمُوعِ وهو تِسْعٌ بَلْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ. وأمّا الخَبَرُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ماتَ عَنْ تِسْعٍ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِاتِّباعِهِ فَقالَ: (واتَّبِعُوهُ) وأقَلُّ مَراتِبِ الأمْرِ الإباحَةُ، الثّانِي: أنَّ سُنَّةَ الرَّجُلِ طَرِيقَتُهُ والتَّزَوُّجُ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكانَ ذَلِكَ سُنَّةً لَهُ ثُمَّ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ الذَّمِّ عَلى مَن تَرَكَ التَّزَوُّجَ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَثْبُتَ أصْلُ الجَوازِ، ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ مُعْتَمَدَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ الحَسْرِ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: الخَبَرُ، وهو ما رُوِيَ «أنَّ غَيْلانَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ“» وهَذا الطَّرِيقُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ ”فَلَوْ أثْبَتْنا الحَصْرَ“ بِهَذا الخَبَرِ كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والثّانِي: أنَّهُ ﷺ لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأرْبَعِ والبَواقِي غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في هَذا الخَبَرِ فَلا يُمْكِنُ نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ، والأمْرُ الثّانِي هو إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وهَذا هو المُعْتَمَدُ لَكِنْ فِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإجْماعَ لا يُنْسَخُ بِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ الإجْماعَ نَسَخَ هَذِهِ الآيَةَ، الثّانِي: أنَّ في الأُمَّةِ أقْوامًا شُذّاذًا لا يَقُولُونَ بِحُرْمَةِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ والإجْماعُ عِنْدَ مُخالَفَةِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَنْعَقِدُ. وأُجِيبُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ الإجْماعَ يَكْشِفُ عَنْ حُصُولِ النّاسِخِ في زَمانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الثّانِي أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ ”فَلا تَضُرُّ في انْعِقادِ الإجْماعِ“» انْتَهى.
ولا يَخْفى ما في احْتِجاجِ الشُّذّاذِ بِالآيَةِ مِنَ النَّظَرِ، ويُعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ التَّأمُّلِ فِيما ذَكَرْنا.
وأمّا الِاحْتِجاجُ بِالخَبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الإجْماعَ قَدْ وقَعَ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ عَلى الأرْبَعِ مِن خُصُوصِيّاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِهِ والرَّغْبَةِ في سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ ما عُلِمَ أنَّهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ أمّا فِيما عُلِمَ أنَّهُ مِنها فَلا، وأمّا الأمْرانِ اللَّذانِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِما الفُقَهاءُ في هَذا المَقامِ فَفي غايَةِ الإحْكامِ.
(p-193)والوَجْهُ الأوَّلُ في تَضْعِيفِ الأمْرِ الأوَّلِ مِنهُما يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَ الإمامِ فِيهِ: إنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ إلَخْ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفْهَمُ مِنهُ دَلالَتُهُ عَلى الحَصْرِ؟ وبِتَقْدِيرِ عَدَمِ دَلالَتِهِ عَلى الحَصْرِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ بَلْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ الحَصْرَ وعَدَمَهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُجْمَلًا، وبَيانُ المُجْمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، وما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيِ التَّضْعِيفِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ مَعَ تَنْكِيرِ أرْبَعًا وثُبُوتِ ««اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا»» كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في حَدِيثِ غَيْلانَ، وكَذا في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والنَّحّاسُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الحَرْثِ الأسَدِيِّ أنَّهُ قالَ: «أسْلَمْتُ وكانَ تَحْتِي ثَمانُ نِسْوَةٍ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا وخَلِّ سائِرَهُنَّ فَفَعَلْتُ“» فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً لا مِرْيَةَ فِيها أنَّ المَقْصُودَ إبْقاءُ أيِّ أرْبَعٍ لا أرْبَعٍ مُعَيَّناتٍ، فالِاحْتِمالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ قاعِدٌ لا قائِمٌ، ولَوِ اعْتُبِرَ مِثْلُهُ قادِحًا في الدَّلِيلِ لَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، نَعَمِ الحَدِيثُ مُشْكِلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيمَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ مِن أنَّهُ إنْ كانَ العَقْدُ وقَعَ عَلَيْهِنَّ في حالَةٍ واحِدَةٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ في عُقُودٍ صَحَّ النِّكاحُ في الأرْبَعِ الأوائِلِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا اخْتِيارَ، وخالَفَهُ في ذَلِكَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وهو بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.
وأقْوى الأمْرَيْنِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِما في الحَصْرِ الإجْماعُ فَإنَّهُ قَدْ وقَعَ وانْقَضى عَصْرُ المُجْمِعِينَ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإجْماعِ اتِّفاقُ كُلِّ الأُمَّةِ مِن لَدُنْ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قِيامِ السّاعَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ الإمامِ الغَزالِيِّ، وإلّا لا يُوجَدُ إجْماعٌ أصْلًا، وبِهَذا يُسْتَغْنى عَمّا ذَكَرَهُ الإمامُ الرّازِيُّ وهو أحَدُ مَذاهِبَ في المَسْألَةِ مِن أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّهُ يُحَرَّمُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وبِهِ قالَ الإمامِيَّةُ ورَوَوْا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَحِلُّ لِماءِ الرَّجُلِ أنْ يَجْرِيَ في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أرْحامٍ، وشاعَ عَنْهم خِلافُ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ عِنْدَهم.
ثُمَّ إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ نِكاحِ الأرْبَعِ خاصَّةٌ بِالأحْرارِ، والعَبِيدُ غَيْرُ داخِلِينَ في هَذا الخِطابِ لِأنَّهُ إنَّما يَتَناوَلُ إنْسانًا مَتى طابَتْ لَهُ امْرَأةٌ قَدَرَ عَلى نِكاحِها والعَبْدُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُهُ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذَنْ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» ولِأنَّ في تَنْفِيذِ نِكاحِهِ تَعَيُّبًا لَهُ إذِ النِّكاحُ عَيْبٌ فِيهِ فَلا يَمْلِكُهُ بِدُونِ إذْنِ المَوْلى، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ العَبِيدُ لِعَدَمِ المِلْكِ فَحَيْثُ لَمْ يَدْخُلُوا في هَذا الخِطابِ لَمْ يَدْخُلُوا في الخِطابِ الأوَّلِ لِأنَّ هَذِهِ الخِطاباتِ ورَدَتْ مُتَتالِيَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ فَبَعِيدٌ أنْ يَدْخُلَ في الخِطابِ السّابِقِ ما لا يَدْخُلُ في اللّاحِقِ وكَذا لا يُمْكِنُ دُخُولُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ لِأنَّ العَبْدَ لا يَأْكُلُ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَأدْخَلَ العَبِيدَ في الخِطابِ، وجَوَّزَ لَهم أنْ يَنْكِحُوا أرْبَعًا كالأحْرارِ ولا يَتَوَقَّفَ نِكاحُهم عَلى الإذْنِ لِأنَّهم يَمْلِكُونَ الطَّلاقَ فَيَمْلِكُونَ النِّكاحَ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَنِ ادَّعى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَتَناوَلُهم إلّا أنَّهُ خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ لِأنَّ الرِّقَّ لَهُ تَأْثِيرٌ في نُقْصانِ حُقُوقِ النِّكاحِ كالطَّلاقِ والعِدَّةِ، ولَمّا كانَ العَدَدُ مِن حُقُوقِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يُجْعَلَ لِلْعَبْدِ نِصْفُ ما لِلْحُرِّ فِيهِ أيْضًا.
واخْتَلَفُوا في الأمْرِ بِالنِّكاحِ فَقِيلَ لِلْإباحَةِ ولا يَلْغُو ( ﴿طابَ﴾ ) إذا كانَ بِمَعْنى حَلَّ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى أُبِيحَ لَكم ما أُبِيحَ هُنا لِأنَّ مَناطَ الفائِدَةِ القَيْدُ وهو العَدَدُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: لِلْوُجُوبِ أيْ وُجُوبِ الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ لا وُجُوبِ أصْلِ (p-194)النِّكاحِ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: «لا يُعْلَمُ أحَدٌ أوْجَبَ النِّكاحَ إلّا داوُدُ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، ورِوايَةً عَنْ أحْمَدَ فَإنَّهم قالُوا: يَلْزَمُهُ إذا خافَ العَنَتَ أنْ يَتَزَوَّجَ أوْ يَتَسَرّى قالُوا: وإنَّما يَلْزَمُهُ في العُمْرِ مَرَّةً واحِدَةً ولَمْ يَشْرُطْ بَعْضُهم خَوْفَ العَنَتَ، وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: إنَّما يَلْزَمُهُ التَّزَوُّجُ فَقَطْ ولا يَلْزَمُهُ الوَطْءُ. . . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ النِّكاحِ وتَرْكِهِ. وذَكَرَ الإمامُ النَّوَوِيُّ أنَّ النّاسَ في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ تَتُوقُ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويَجِدُ المُؤَنَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكاحُ، وقِسْمٌ لا تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ، وقِسْمٌ تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ أيْضًا، وهَذا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ التَّوَقانِ، وقِسْمٌ يَجِدُ المُؤَنَ ولا تَتُوقُ نَفْسُهُ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وجُمْهُورِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ لِهَذا والتَّخَلِّيَ لِلتَّحَلِّي بِالعِبادَةِ أفْضَلُ، ولا يُقالُ النِّكاحُ مَكْرُوهٌ بَلْ تَرْكُهُ أفْضَلُ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أنَّ النِّكاحَ لَهُ أفْضَلُ. انْتَهى المُرادُ مِنهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ مُتُونًا وشُرُوحًا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ هَذا الإمامُ في تَحْقِيقِ مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي «تَنْوِيرِ الأبْصارِ» وشَرْحِهِ «الدُّرِّ المُخْتارِ» في كِتابِ النِّكاحِ ما نَصُّهُ: «ويَكُونُ واجِبًا عِنْدَ التَّوَقانِ فَإنْ تَيَقَّنَ الزِّنا إلّا بِهِ فُرِضَ كَما في «النِّهايَةِ» وهَذا إنْ مَلَكَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ وإلّا فَلا إثْمَ بِتَرْكِهِ كَما في البَدائِعِ»، ويَكُونُ سَنَةً مُؤَكَّدَةً في الأصَحِّ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ ويُثابُ إنْ نَوى تَحْصِينًا ووَلَدًا حالَ الِاعْتِدالِ أيِ القُدْرَةِ عَلى وطْءٍ ومَهْرٍ ونَفَقَةٍ.
ورُجِّحَ في «النَّهْرِ» وُجُوبُهُ لِلْمُواظَبَةِ عَلَيْهِ، والإنْكارُ عَلى مَن رَغِبَ عَنْهُ، ومَكْرُوهًا لِخَوْفِ الجَوْرِ فَإنْ تَيَقَّنَهُ حَرُمَ» انْتَهى؛ لَكِنَّ في دَلِيلِ الوُجُوبِ عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ «النَّهْرِ» مَقالًا لِلْمُخالِفِينَ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّساءِ اليَتامى أيْضًا، وأنَّ المَعْنى وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى المُرَبّاةِ في حُجُورِكم فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِن يَتامى قَراباتِكم، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَتامى وما في أكْلِ أمْوالِهِمْ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ أخَذَ الأوْلِياءُ يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَتِهِمْ خَوْفًا مِن لُحُوقِ الحَوْبِ بِتَرْكِ الإقْساطِ مَعَ أنَّهم كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلَ في حُقُوقِ النِّساءِ حَيْثُ كانَ تَحْتَ الرَّجُلِ مِنهم عَشْرٌ مِنهُنَّ فَقِيلَ لَهم: إنْ خِفْتُمْ تَرْكَ العَدْلِ في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها فَخافُوا أيْضًا تَرْكَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ وقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ لِأنَّ مَن تَحَرَّجَ مِن ذَنْبٍ أوْ تابَ عَنْهُ وهو مُرْتَكِبٌ مِثْلَهُ فَهو غَيْرُ مُتَحَرِّجٍ ولا تائِبٍ عَنْهُ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنا وهم يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمُ الحَوْبَ في حَقِّ اليَتامى فَخافُوا الزِّنا فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ، ونَظِيرُهُ ما إذا داوَمَ عَلى الصَّلاةِ مَن لا يُزَكِّي فَتَقُولُ لَهُ: إنْ خِفْتَ الإثْمَ في تَرْكِ الصَّلاةِ فَخَفْ مِن تَرْكِ الزَّكاةِ، وإلى قَرِيبٍ مِن هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ.
وتَعَقَّبَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُما جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِابْتِنائِهِما عَلى تَقَدُّمِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى وشُيُوعِها بَيْنَ النّاسِ وظُهُورِ تَوَقُّفِ حُكْمِها عَلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أيْضًا أنَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها دُونَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لِأنَّ الآيَةَ عَلى تِلْكَ الرِّوايَةِ تَتَنَزَّلُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (p-195)فَيَتَطابَقُ الآيَتانِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ بَلْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ عَلَيْهِما لِأنَّ مُقْتَضاهُما أنَّ الكَلامَ في مُطْلَقِ اليَتامى لا في يَتامى النِّساءِ، ثُمَّ يُبْعِدُهُما أنَّ الشَّرْطَ لا يَرْتَبِطُ مَعَهُما بِالجَوابِ إلّا مِن وجْهٍ عامٍّ، أمّا الأوَّلُ: فَمِن حَيْثُ إنَّ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ في الحُرْمَةِ كالجَوْرِ عَلى اليَتامى في أنَّ كُلًّا مِنهُما جَوْرٌ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الزِّنا مُحَرَّمٌ كَما أنَّ الجَوْرَ عَلى اليَتامى مُحَرَّمٌ وكَمْ مِن مُحَرَّمٍ يُشارِكُهُما في التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ ثَمَّ خُصُوصِيَّةٌ تَرْبُطُ الشَّرْطَ والجَوابَ كالخُصُوصِيَّةِ الرّابِطَةِ بَيْنَهُما هُناكَ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أنَّهُ وارِدٌ بِصِيغَةِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْيِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ خِفْتُمْ مِن نِكاحِ اليَتامى فَفي غَيْرِهِنَّ مُتَّسَعٌ إلى كَذا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مِنَ القَوْلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ التَّضْيِيقَ لِأنَّ حاصِلَهُ إنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ فاحْتاطُوا بِأنْ تُقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ وهو خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ مِنَ التَّوْسِعَةِ وبَعِيدٌ عَنْ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَتَزَوَّجُ الأرْبَعَ والخَمْسَ والسِّتَّ والعَشْرَ ويَقُولُ: ما يَمْنَعُنِي أنْ أتَزَوَّجَ كَما تَزَوَّجَ فُلانٌ فَإذا فَنِيَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ اليَتِيمِ الَّذِي في حِجْرِهِ فَأنْفَقَهُ فَنُهِيَ أوْلِياءُ اليَتامى عَلى أنْ يَتَجاوَزُوا الأرْبَعَ لِئَلّا يَحْتاجُوا إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ، ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ اليَتامى أعَمَّ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ لِمَن لا يَحْتاجُ إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، وأيْضًا يَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الأمْرِ التَّضْيِيقَ وهو كَما عَلِمْتَ خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ كَأنَّهُ لَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ أنْبَأهم أنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنَ الِاتِّساعِ خَوْفُ المَيْلِ فالواجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يَحْتَرِزُوا بِالتَّقْلِيلِ فَيَقْتَصِرُوا عَلى الواحِدَةِ، والمُرادُ فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيما بَيْنَ هَذِهِ المَعْدُوداتِ ولَوْ في أقَلِّ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ كَما خِفْتُمُوهُ في حَقِّ اليَتامى، أوْ كَما لَمْ تَعْدِلُوا في حَقِّهِنَّ فاخْتارُوا، أوِ الزَمُوا واحِدَةً واتْرُكُوا الجَمِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ وثُلُثَ ورُبُعَ عَلى القَصْرِ مِن ثُلاثَ ورُباعَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( فَواحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ أيْ فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ، أوْ فَكَفَتْ واحِدَةٌ أوْ فَحَسْبُكم واحِدَةٌ أوْ فالمَنكُوحَةُ واحِدَةٌ.
﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ مِنَ السَّرارِي بالِغَةً ما بَلَغَتْ كَما يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، ومُقابَلَةُ الواحِدَةِ وهو عَطْفٌ عَلى واحِدَةٍ عَلى أنَّ اللُّزُومَ والِاخْتِيارَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّسَرِّي لا بِطَرِيقِ النِّكاحِ كَما فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ وُرُودَ مِلْكِ النِّكاحِ عَلى مِلْكِ اليَمِينِ بِمُوجِبِ اتِّحادِ المُخاطَبِينَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَدْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَوْلى أمَتَهُ ولا المَرْأةُ عَبْدَها لِأنَّ النِّكاحَ ما شُرِعَ إلّا مُثْمِرًا بِثَمَراتٍ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ المُتَناكِحَيْنِ والمَمْلُوكِيَّةُ تُنافِي المالِكِيَّةَ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، وهَذا بِخِلافِ ما سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِالنِّكاحِ هُناكَ غَيْرُ المُخاطِبِينَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فانْكِحُوا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ عَلى مَعْنى اقْتَصِرُوا عَلى ما مَلَكَتْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأوْ لِلتَّسْوِيَةِ وسُوِّيَ في السُّهُولَةِ واليُسْرَةِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ (p-196)والسَّرارِي مِن غَيْرِ حَصْرٍ لِقِلَّةِ تَبِعَتِهِنَّ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِنَّ وعَدَمِ وُجُوبِ القَسَمِ فِيهِنَّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى النِّساءِ أيْ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ أوْ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم ولا يَخْفى بُعْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن مَلَكَتْ، وعَبَّرَ بِما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ذَهابًا لِلْوَصْفِ ولِكَوْنِ المَمْلُوكِ لِبَيْعِهِ وشِرائِهِ والمَبِيعِ أكْثَرُهُ ما لا يَعْقِلُ كانَ التَّعْبِيرُ بِما فِيهِ أظْهَرَ، وإسْنادُ المِلْكِ لِلْيَمِينِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصَّفْقَةُ الواقِعَةُ بِها، وقِيلَ: لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَكُونُ بِسَبَبِ الجِهادِ والأسْرِ، وذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى أعْمالِها وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لا سِيَّما في إناثِهِمْ كَما هو المُرادُ هُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ، وقِيلَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّقِيقِ مِلْكُ اليَمِينِ لِأنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ وفِيها تَفاؤُلٌ بِاليُمْنِ أيْضًا، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أعْرابِيًّا سُئِلَ لِمَ حَسَّنْتُمْ أسْماءَ مُوالِيكم دُونَ أسْماءِ أبْنائِكُمْ؟ فَقالَ: أسْماءُ مُوالِينا لَنا وأسْماءُ أبْنائِنا لِأعْدائِنا فَلْيُفْهَمْ.
وادَّعى ابْنُ الفَرَسِ أنَّ في الآيَةِ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَ النِّكاحَ واجِبًا عَلى العَيْنِ لِأنَّهُ تَعالى «خَيَّرَ فِيها بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي ولا يَجِبُ التَّسَرِّي بِالِاتِّفاقِ ولَوْ كانَ النِّكاحُ واجِبًا لَما ”خَيَّرَ“ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي لِأنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ واجِبٍ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ حَقِيقَةِ الواجِبِ وأنَّ تارِكَهُ لا يَكُونُ آثِمًا»، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى مَن يَقُولُ: الواجِبُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، ويَمْنَعُ الِاتِّفاقُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ التَّسَرِّي في الجُمْلَةِ فَتَدَبَّرْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى مَنعِ نِكاحِ الجِنِّيّاتِ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ النِّساءَ بِالذِّكْرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنا لِظُهُورِ نُكْتَةِ تَخْصِيصِ النِّساءِ بِالذِّكْرِ وفائِدَتِهِ.
وادَّعى الإمامُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها إشارَةً إلى حَلِّ النَّظَرِ قَبْلَ النِّكاحِ لِأنَّ الطَّيِّبَ إنَّما يُعْرَفُ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الإشارَةَ رُبَّما تَسْلَمُ إلّا أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ وهَذا الحَلُّ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِلْمُتَزَوِّجِ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ: ”أنَظَرْتَ إلَيْها؟ قالَ: لا، قالَ: فاذْهَبْ وانْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا“» وهو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ كَراهَتُهُ وهم مَحْجُوجُونَ بِالحَدِيثِ والإجْماعِ عَلى جَوازِ النَّظَرِ لِلْحاجَةِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ والشَّهادَةِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّهُ إنَّما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: إلى مَواضِعِ اللَّحْمِ.
وقالَ داوُدُ: إلى جَمِيعِ بَدَنِها وهو خَطَأٌ ظاهِرٌ مُنابِذُ لِأُصُولِ السُّنَّةِ والإجْماعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ رِضا المَرْأةِ أمْ لا؟ الجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ بَلْ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ مَعَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الرِّضا، وعَنْ مالِكٍ كَراهَةُ النَّظَرِ مَعَ الغَفْلَةِ، وفي رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْها إلّا بِرِضاها، واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ كَوْنَ هَذا النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ حَتّى إنْ كَرِهَها تَرَكَها مِن غَيْرِ إيذاءٍ بِخِلافِ ما إذا تَرَكَها بَعْدَ الخُطْبَةِ كَما لا يَخْفى.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها إشارَةً أيْضًا إلى اسْتِحْبابِ الزِّيادَةِ عَلى الواحِدَةِ لِمَن لَمْ يَخَفْ عَدَمَ العَدْلِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ الأمْرَ بِالزِّيادَةِ وعَلَّقَ أمْرَ الواحِدَةِ بِخَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ، ويا ما أحِيلِي الزِّيادَةَ إنِ ائْتَلَفَتِ الزَّوْجاتُ وصَحَّ جَمْعُ المُؤَنَّثِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ مُعْرَبًا بِالضَّمِّ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَرَكاتِ، وهَذا لَعَمْرِي أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ وأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ وبَيْضِ الأنُوقِ:
؎ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ∗∗∗ تَجْرِي الرِّياحُ بِما لا تَشْتَهِي السُّفُنُ
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اخْتِيارُ الواحِدَةِ أوِ التَّسَرِّي أوِ الجَمِيعُ وهو الأوْلى وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ أبِي زَيْدٍ ﴿أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ العَوْلُ في الأصْلِ المَيْلُ المَحْسُوسُ يُقالُ: عالَ المِيزانُ عَوْلًا إذا مالَ، ثُمَّ نُقِلَ إلى المَيْلِ المَعْنَوِيِّ وهو الجَوْرُ، ومِنهُ عالَ الحاكِمُ إذا جارَ، والمُرادُ هَهُنا المَيْلُ المَحْظُورُ المُقابِلُ لِلْعَدْلِ أيْ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداهُما مِن أنْ لا تَمِيلُوا مَيْلًا مَحْظُورًا لِانْتِفائِهِ رَأْسًا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في (p-197)الأوَّلِ، وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ. وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ؛ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الإشارَةِ إلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: التَّقْلِيلِ مِنَ الأزْواجِ واخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي، أيْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أدْنى مِن جَمِيعِ ما عَداها، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَدْ حُكِيَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ألا تَعُولُوا﴾ بِأنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم. وقَدْ ذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ خَطَّأهُ وحاشاهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ لِمَن كَثُرَتْ عِيالُهُ: أعالَ يُعِيلُ إعالَةً ولَمْ يَقُولُوا عالَ يَعُولُ. وأُجِيبُ بِأنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ سَلَكَ في هَذا التَّفْسِيرِ سَبِيلَ الكِنايَةِ فَقَدْ جَعَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الفِعْلَ في الآيَةِ مِن عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهم كَقَوْلِكَ: مانَهم يَمُونُهم إذا أنْفَقَ عَلَيْهِمْ، ومَن كَثُرَتْ عِيالُهُ لَزِمَهُ أنْ يَعُولَهم فاسْتَعْمَلَ الإنْفاقَ وأرادَ لازِمَ مَعْناهُ وهو كَثْرَةُ اِلْعِيالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عالَ بِمَعْنى مانَ وأنْفَقَ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَثْرَةِ المُؤْنَةِ حَتّى يُكَنّى بِهِ عَنْ كَثْرَةِ العِيالِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الرّاغِبَ ذَكَرَ أنَّ أصْلَ مَعْنى العَوْلِ الثِّقْلُ يُقالُ: عالَهُ أيْ تَحَمَّلَ ثِقْلَ مُؤْنَتِهِ، والثِّقْلُ إنَّما يَكُونُ في كَثِيرِ الإنْفاقِ لا في قَلِيلِهِ فَيُرادُ مَن لا تَعُولُوا كَثْرَةَ الإنْفاقِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والسِّياقِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ المُؤْنَةِ والعِيالِ مِن أصْلِهِ إذْ مَن تَزَوَّجَ واحِدَةً كانَ عائِلًا وعَلَيْهِ مُؤْنَةٌ، فالكَلامُ كالصَّرِيحِ فِيهِ واسْتِعْمالُ أصْلِ الفِعْلِ في الزِّيادَةِ فِيهِ غَيْرُ عَزِيزٍ فَلا غُبارَ، وذُكِرَ في «الكَشْفِ» أنَّهُ لا حاجَةَ إلى أصْلِ الجَوابِ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ الكِسائِيَّ نَقَلَ عَنْ فُصَحاءِ العَرَبِ عالَ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ ومِمَّنْ نَقَلَهُ الأصْمَعِيُّ والأزْهَرِيُّ وهَذا التَّفْسِيرُ نَقَلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو مِن أجِلَّةِ التّابِعِينَ، وقِراءَةُ طاوُسٍ أنْ لا تُعِيلُوا مُؤَيِّدَةٌ لَهُ فَلا وجْهَ لِتَشْنِيعِ مَن شَنَّعَ عَلى الإمامِ جاهِلًا بِاللُّغاتِ والآثارِ، وقَدْ نَقَلَ الدُّورِيُّ إمامُ القُرّاءِ أنَّها لُغَةُ حِمْيَرَ وأنْشَدَ:
؎وإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ ∗∗∗ بِلا شَكٍّ وإنْ أمْشى ”وعالا“
أيْ وإنْ كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ وعِيالُهُ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ عالَ بِمَعْنى كَثُرَتْ عِيالُهُ يائِيٌّ وبِمَعْنى جارَ واوِيٌّ فَلَيْسَتِ التَّخْطِئَةُ في اسْتِعْمالِ عالَ في كَثْرَةِ العِيالِ بَلْ في عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ المادَّتَيْنِ، فَرُدَّ أيْضًا بِما اقْتَضاهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ عالَ لَهُ مَعانٍ: مالَ وجارَ وافْتَقَرَ وكَثُرَتْ عِيالُهُ ومانَ وأنْفَقَ وأعْجَزَ، يُقالُ: عالَنِي الأمْرُ أيْ أعْجَزَنِي ومُضارِعُهُ يُعِيلُ ويَعُولُ فَهو مِن ذَواتِ الواوِ والياءِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي، ثُمَّ المُرادُ بِالعِيالِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وعَدَمَ كَثْرَةِ الأزْواجِ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ إنْ قُلْنا إنَّهُ داخِلٌ في المُشارِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِنَّ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ صادِقٌ عَلى عَدَمِهِنَّ بِالكُلِّيَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوْلادَ وعَدَمَ كَثْرَتِهِمْ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِمْ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الأوْلادِ إذِ العادَةُ عَلى أنْ لا يَتَقَيَّدَ المَرْءُ بِمُضاجَعَةِ السَّرارِيِّ ولا يَأْبى العَزْلَ عَنْهُنَّ بِخِلافِ المَهائِرِ فَإنَّ العادَةَ عَلى تَقَيُّدِ المَرْءِ بِمُضاجَعَتِهِنَّ وإباءِ العَزْلِ عَنْهُنَّ، وإنْ كانَ العَزْلُ عَنْهُنَّ كالعَزْلِ عَنِ السَّرارِيِّ جائِزًا شَرْعًا بِإذْنٍ وبِغَيْرِ إذْنٍ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ «الكَشّافِ» ما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذَلِكَ خِلافًا عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ فَمَنعُهُ بَعْضَهم كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ألا تَعُولُوا﴾ بِأنْ لا تَفْتَقِرُوا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عالَ يَجِيءُ بِمَعْنى افْتَقَرَ، ومِن وُرُدِهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎فَمًا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى ”يَعِيلُ“
إلّا أنَّ الفِعْلَ في البَيْتِ يائِيٌّ لا واوِيٌّ كَما في الآيَةِ، والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ كَما عَرَفْتَ، وعَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ (p-198)جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى التَّعْلِيلِ.
{"ayah":"وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق