الباحث القرآني
قال تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ذَلِكَ أدْنى ألاَّ تَعُولُوا ﴾ [النساء: ٣].
بعدَما ذكَرَ اللهُ الأيتامَ وحَقَّهم ببرِّهم وحفظِ مالِهم ذكورًا وإناثًا، أشار إلى ما تَحْتَرِزُ منه نفسُ كفيلِ اليتيمِ عادةً، مِن أمرِ المخالطةِ، كما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهُمْ فَإخْوانُكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فالناسُ تتهيَّبُ قُرْبَ مالِ اليتيمِ، لحُرمَتِهِ ولضَعْفِ صاحِبِه، فتخافُ الإثمَ، وخوفُها ربَّما أجحَفَ باليتيمِ وبمالِهِ، فيُترَكُ عن النَّماءِ والإصلاحِ، فيَهْلِكُ بأكلِهِ أو تفسُدُ عينُهُ بعدمِ العنايةِ به إذا كان زرعًا أو ماشيةً ونحوَ ذلك.
وممّا تتهيَّبُهُ النفوسُ: العدلُ في حقِّ اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ كفيلِها، وقولُه تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾، يعني: تحرَّجْتُم، كما قاله مجاهدٌ[[«تفسير الطبري» (٦/٣٦٦)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٥٧).]].
ولايةُ اليتيمةِ:
والحَرَجُ المذكورُ في الآيةِ حُمِلَ على مَعانٍ عدةٍ، منها:
الحَرَجُ مِن اليتيمةِ التي تكونُ في حَجْرِ وليِّها، وليس لها وليٌّ غيرُهُ يَحمِيها، ويَدْفَعُ عنها عندَ أذِيَّتِها وأخذِ حقِّها، ويُريدُ كفيلُها مِن أوليائِها الزواجَ منها بمَهْرٍ دونَ مهرِ مِثْلِها، وربَّما كان لها مالٌ وفيها جمالٌ، فطَمِعَ فيها لأجلِ ذلك، وقد يُقَصِّرُ في حقِّها، وربَّما ضَرَبَها وأضَرَّ بها، فأمَرَ اللهُ النفوسَ الواجدةَ لذلك بتركِها وتزويجِها غيرَهُ، ويكونُ هو وليًّا لها عندَ زوجِها يَحْمِيها ويطلُبُ لها مهرَ المِثْلِ، وهو يتزوَّجُ ممّا أحَلَّ اللهُ له مِن النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، كما روى الشيخانِ، عن عروة، عن عائشةَ، في قولِه: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾، قالَتْ: «أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وهُوَ ولِيُّها ووارِثُها، ولَها مالٌ ولَيْسَ لَها أحَدٌ يُخاصِمُ دُونَها، فَلا يُنْكِحُها لِمالِها، فَيُضِرُّ بِها ويُسِيءُ صُحْبَتَها، فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ يَقُولُ: ما أحْلَلْتُ لَكُمْ، ودَعْ هَذِهِ الَّتِي تُضِرُّ بِها»[[أخرجه البخاري (٥٠٩٨) (٧/٩)، ومسلم (٣٠١٨) (٤/٢٣١٤).]].
ومِن مَعانيه:
دفعُ النفوسِ التي تتحرَّجُ مِن مالِ اليتيمةِ أنْ تتحرَّجَ مِن الزِّنى كذلك، سواءٌ باليتيمةِ التي في حَجْرِهِ أو بغيرِها، وكما أمَرَهُ اللهُ بالحِياطَةِ في أموالِ الأيتامِ وغيرِهم، ووضَعَ له مِن ذلك مَخرَجًا، كذلك أمَرَهُ اللهُ بتجنُّبِ الزِّنى، ووضَعَ له مَخرَجًا، وهو التعدُّدُ بالأزواجِ ممّا أباحَ اللهُ، كما روى ابنُ المُنذِرِ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾، يَقُولُ: «إنْ تَحَرَّجْتُمْ مِن ولايةِ اليتامى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك تحرَّجُوا مِن الزِّنى، فانكِحُوا النِّساءَ نكاحًا طيِّبًا: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾»[[«تفسير ابن المنذر» (٢/٥٥٤).]].
ومِن مَعانيه:
الحثُّ على العدلِ مع الزوجاتِ، والتخويفُ مِن ظُلْمِهِنَّ، فقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، فِي قولِه تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾، قالَ: «فَكَما خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فِي اليَتامى، فَخافُوا ألاَّ تَعْدِلُوا فِي النِّساءِ، إنَّما جَمَعْتُمُوهُنَّ عِنْدَكُمْ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٥٧).]].
تزويجُ اليتيمةِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾ إشارةٌ إلى جوازِ تزويجِ غيرِ اليتيمةِ بأقلَّ مِن مِهرِ مِثْلِها، لأنّ اللهَ لمّا نَهى عنه في اليتيمةِ، دَلَّ على جوازِه في غيرِها، وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ خلافًا للشافعيِّ، فقد منَعَ الوليَّ كالأبِ مِن تزويجِها إلا بمِهْرِ مِثلِها.
وأبو حنيفةَ يجعلُ الثيِّبَ التي لا حَجْرَ عليها لا تُزوَّجُ إلا بمهرِ مِثْلِها ولو رَضِيَتْ بأقلَّ منه، ويجعلُ مهرَ المِثْلِ مِن الكفاءةِ في النِّكاحِ.
وظاهرُ الآيةِ والسُّنَّةِ جوازُ ذلك، وهو الصحيحُ.
تزويجُ وليِّ اليتيمة نفسَهُ:
وتتضمَّنُ الآيةُ دَلالةً على وجوبِ الوليِّ في النكاحِ، وأنّه شرطٌ فيه.
واختَلَفَ العلماءُ في تزويجِ وليِّ اليتيمةِ مِن نفسِه:
فمَنَعَ منه الشافعيُّ.
وكَرِهَ مالكٌ تزويجَ الوليِّ لها حتى مِن ابنِه، وعلَّلُوا ذلك بحفظِ حقِّها مِن أنْ تَطمَعَ النفوسُ فيه.
وإذا زوَّجَها منه أو مِن ابنِه سلطانٌ أو وليٌّ غيرُه، جاز عندَهم، لأنّه أحفَظُ لحقِّها ممّا لو كان مِن وليِّ اليتيمةِ الأولِ لنفسِهِ أو لابنِهِ.
وأجازَ أن ينكِحَ وليُّ اليتيمةِ ووصيُّها اليتيمةَ مِن نفسِهِ ـ وهو قولٌ لمالكٍ ـ: أهلُ الكوفةِ والأوزاعيُّ وأحمدُ والليثُ وغيرُهم، لدلالةِ التضمينِ في الآيةِ، فاللهُ منَعَ أنْ يُزوِّجَها الوليُّ مِن نفسِه عندَ خوفِ عدمِ القسطِ في حقِّها، ومفهومُ ذلك الجوازُ عندَ الأمنِ مِن ذلك، فالمنعُ حينَما تَوَجَّهَ إليه: دليلٌ على أنّه يَملِكُ ولايتَها، ولو كانَتِ الولايةُ لغيرِه حتى لنفسِهِ، لم يكنْ لتوجيهِ الخطابِ إليه معنًى في قولِه تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فانْكِحُوا﴾.
تزويجُ اليتيمةِ قبلَ بلوغها:
واختُلِفَ في تزويجِ اليتيمةِ حالَ يُتمِها، وقبلَ بلوغِها: فمنهم مَن أجاز تزويجَها كغيرِها مِن الصغيراتِ، ومَن أجاز، أخَذَ بظاهرِ الآيةِ، لأنّه بالبلوغِ يرتفعُ اليُتْمُ فسمّاها اللهُ يتيمةً: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾، وقياسًا على جوازِ إنكاحِ غيرِ اليتيمةِ، لأنّ العِلَّةَ الصِّغَرُ، فجاز في غيرِها ويجوزُ فيها على اختلافٍ عندَهم في حدِّ الصغيرةِ، وهو مرويٌّ عن بعضِ الصحابةِ، كعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وزيدٍ وأمِّ سلمةَ، والحسنِ وعطاءٍ وطاوسٍ وأهلِ الكوفةِ.
ومنَعَ الجمهورُ مِن تزويجِ اليتيمةِ قبلَ بلوغِها حتى تُستأذَنَ بنفسِها، لأنّ صِغَرَها يمنَعُ مِن استئذانِها، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وحمَلُوا الآيةَ في تسميةِ اليتيمةِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى﴾ على استصحابِ وصفِها قبلَ بلوغِها ممّا عُرِفَتْ عليه، فمَن وُلِدَ يتيمًا وبلَغَ يَتْبَعُهُ وصفُ اليُتمِ بعدَ بلوغِه، ويُؤيِّدُ هذا ما رواهُ أحمدُ، مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: «تُوُفِّيَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ، قالَ: وأَوْصى إلى أخِيهِ قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، قالَ عَبْدُ اللهِ: وهُما خالايَ، قالَ: فَخَطَبْتُ إلى قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ابْنَةَ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَزَوَّجَنِيها، ودَخَلَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ـ يَعْنِي: إلى أُمِّها ـ فَأَرْغَبَها فِي المالِ، فَحَطَّتْ إلَيْهِ، وحَطَّتِ الجارِيَةُ إلى هَوى أُمِّها، فَأَبَيا حَتّى ارْتَفَعَ أمْرُهُما إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْنَةُ أخِي أوْصى بِها إلَيَّ، فَزَوَّجْتُها ابْنَ عَمَّتِها عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِها فِي الصَّلاحِ ولا فِي الكَفاءَةِ، ولَكِنَّها امْرَأَةٌ، وإنَّما حَطَّتْ إلى هَوى أُمِّها، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (هِيَ يَتِيمَةٌ، ولا تُنْكَحُ إلاَّ بِإذْنِها)، قالَ: فانْتُزِعَتْ واللهِ مِنِّي بَعْدَ أنْ مَلَكْتُها، فَزَوَّجُوها المُغِيرَةَ»[[أخرجه أحمد (٦١٣٦) (٢/١٣٠).]].
قالوا: لو كانتْ صغيرةً قبلَ بلوغِها، لم يكنْ لها استئذانٌ، لأنّ الصغيرةَ يُزوِّجُها وليُّها، فسمّاها يتيمةً، وأمَرَ باستئذانِها، استصحابًا لاسمِ اليُتْمِ الذي كانتْ عليه قبلَ بلوغِها.
ولمّا كانتْ ولايةُ اليتيمةِ في النكاحِ قاصرةً، شُدِّدَ في ذلك، فالأصلُ أنّ النفوسَ تحتاطُ لبنتِها مِن صُلْبِها عندَ تزويجِها وهي صغيرةٌ ما لا تحتاطُ للبنتِ مِن غيرِ صُلْبِها، فربَّما أراد الوليُّ والوصيُّ الخلاصَ مِن اليتيمةِ وهي صغيرةٌ، وهذا لا يكونُ في الأبِ مع ابنتِه.
تعدُّدُ الزوجاتِ:
وكان العربُ يَنكِحونَ في الجاهليَّةِ عشرَ نسوةٍ مِن الأَيامى، ثمَّ جعَلَ اللهُ ذلك في أربعِ نِسْوةٍ فقطْ، قاله ابنُ عبّاسٍ[[«تفسير الطبري» (٦/٣٦٥)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٥٩).]]، وحدُّ تعدُّدِ النساءِ بأربعٍ متَّفقٌ عليه عندَ السلفِ والخلفِ، وخالَفَتِ الرافضةُ.
وكانتْ ثقيفٌ مِن أكثرِ قبائلِ العربِ في الجاهليَّةِ تعدُّدًا للنساءِ، فربَّما كان للواحدِ مِن رجالِها عشرُ نسوةٍ، كعُرْوةَ بنِ مسعودٍ، ومسعودِ بنِ مُعَتِّبٍ، وأبي عقيلٍ مسعودِ بنِ عامرٍ، وسفيانَ بنِ عبدِ اللهِ، وغَيْلانَ بنِ سلمةَ، فلمّا أسلَمَ أبو عقيلٍ وسفيانُ وغيلانُ، نزَلَ كلٌّ منهم عن ستِّ زوجاتٍ، وأمسَكَ أربعًا[[ينظر: «المحبر» لمحمد بن حبيب (ص ٣٥٧).]].
نكاحُ أهلِ الجاهليةِ:
وأصلُ النِّكاحِ عندَ العربِ في الجاهليَّةِ شبيهٌ به في الإسلامِ، في المهرِ والوليِّ والإشهارِ، لكنَّهم لا يَحُدُّونَ العَدَدَ، وعندَهم أنواعٌ مِن النِّكاحِ قليلةٌ لا يفعلُها كثيرٌ منهم، كنكاحِ الاسْتِبْضاعِ: أنْ يُفارِقَ الرجلُ زوجتَهُ حتى تَسْتَبْرِئَ بحيضةٍ، ثمَّ تَسْتَبْضِعَ مِن غيرِه، فإنْ حمَلَتْ وبانَ حملُها، رجَعَتْ لزوجِها ويُنسَبُ الولدُ لأبيهِ، وكأنّها تُؤجِّرُهُ رَحِمَها، وهو زِنًى وسِفاحٌ، وما كان يفعلُه أكثرُ العربِ ولكنَّه فيهم، وكان موجودًا عندَ قدماءِ اليونانِ، وقد حكاهُ أفلاطونُ في «جمهوريَّتِه»، ومنه نكاحُ الرَّهْطِ الذي ورِثَهُ بعضُ عربِ اليمنِ مِن الفُرْسِ، وهو أنْ يطَأَ رجالٌ دونَ العَشَرةِ امرأةً في يومٍ، ثمَّ تختارَ منهم أبًا لولدِها إنْ حمَلَتْ منهم.
وقد أخرَجَ البخاريُّ وأبو داودَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ: «إنّ النِّكاحَ فِي الجاهِلِيَّةِ كانَ عَلى أرْبَعَةِ أنْحاءٍ: فَنِكاحٌ مِنها نِكاحُ النّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ولِيَّتَهُ أوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُها ثُمَّ يَنْكِحُها، ونِكاحٌ آخَرُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إذا طَهُرَتْ مِن طَمْثِها: أرْسِلِي إلى فُلانٍ فاسْتَبْضِعِي مِنهُ، ويَعْتَزِلُها زَوْجُها ولا يَمَسُّها أبَدًا، حَتّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُها مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنهُ، فَإذا تَبَيَّنَ حَمْلُها، أصابَها زَوْجُها إذا أحَبَّ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجابَةِ الوَلَدِ، فَكانَ هَذا النِّكاحُ نِكاحَ الاِسْتِبْضاعِ، ونِكاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ ما دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُها، فَإذا حَمَلَتْ ووَضَعَتْ، ومَرَّ عَلَيْها لَيالٍ بَعْدَ أنْ تَضَعَ حَمْلَها، أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنهُمْ أنْ يَمْتَنِعَ، حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَها، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كانَ مِن أمْرِكُمْ وقَدْ ولَدتُّ، فَهُوَ ابْنُكَ يا فُلانُ، تُسَمِّي مَن أحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ ولَدُها، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ، ونِكاحُ الرّابِعِ: يَجْتَمِعُ النّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلى المَرْأَةِ، لا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جاءَها، وهُنَّ البَغايا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلى أبْوابِهِنَّ راياتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَن أرادَهُنَّ، دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإذا حَمَلَتْ إحْداهُنَّ، ووَضَعَتْ حَمْلَها، جُمِعُوا لَها، ودَعَوْا لَهُمُ القافَةَ ـ أي: الَّذِينَ يَعْرِفُونَ شَبَهَ الوَلَدِ بِالوالِدِ بِالآثارِ الخَفِيَّةِ ـ ثُمَّ ألْحَقُوا ولَدَها بِالَّذِي يَرَوْنَ، فالتاطَ بِهِ، ودُعِيَ ابْنَهُ، لا يَمْتَنِعُ مِن ذَلِكَ»[[أخرجه البخاري (٥١٢٧) (٧/١٥)، وأبو داود (٢٢٧٢) (٢/٢٨١).]].
النكاحُ في الإسلامِ:
وقد عَظَّمَ اللهُ أمرَ النكاحِ في الإسلامِ، وحَفِظَ حقَّ الزوجَيْنِ والذريَّةِ، وسمّى عقدَ النكاحِ وما يتضمَّنُهُ: «المِيثاقَ الغليظَ»، قال تعالى: ﴿وأَخَذْنَ مِنكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: ٢١]، واللهُ لم يَصِفِ الميثاقَ بالغليظِ إلا في ميثاقِ عقدِ الزوجَيْنِ، وميثاقِهِ على الأنبياءِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَذْنا مِنهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: ٧]، وكذلك ميثاقُهُ على بني إسرائيلَ ألاَّ يَعْدُوا في السبتِ نذيرًا لعذابِهِمُ الذي يَعْقُبُ عِصْيانَهم للهِ: ﴿وقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وأَخَذْنا مِنهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: ١٥٤].
وإنّما جعَلَ اللهُ المرأةَ هي التي تأخُذُ الميثاقَ في قولِهِ: ﴿وأَخَذْنَ مِنكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: ٢١]، ولم يجعَلْهُ بينَ الزوجَيْنِ، لأنّ المرأةَ هي مَن تُغلَبُ على حقِّها غالبًا، لضَعْفِها وقِلَّةِ قُدْرتِها على أخذِه.
وقيَّدَ اللهُ الرخصةَ بالتعدُّدِ عندَ الأمنِ مِن الحَيْفِ وظُلْمِ الأزواجِ، روى ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ، عن قتادةَ، قال في قولِه تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾، يَقُولُ: «إنْ خِفْتَ ألاَّ تَعْدِلَ فِي أرْبَعٍ فَثَلاثًا، وإلاَّ فاثْنَتَيْنِ، وإلاَّ فَواحِدَةً»[[«تفسير الطبري» (٦/٣٦٣)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٥٩).]].
وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألاَّ تَعُولُوا ﴾، أيْ: ألاَّ تَجُورُوا وتَميلُوا في حقِّهنَّ، قالتْهُ عائشةُ، وبه قال ابنُ عبّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُهم، ورُوِيَ مرفوعًا مِن حديثِ عائشةَ، ولا يصحُّ، والصوابُ وقفُه، قاله أبو حاتمٍ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٠).]].
وروى الشافعيُّ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، أنّه قال: «ذلك أدْنى ألاَّ تَفْتَقِرُوا»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/٨٦٠).]].
وقيل في قولِه: ﴿أدْنى ألاَّ تَعُولُوا ﴾، أيْ: كيلا تكثُرَ عيالُكُمْ فلا تَقدِرُوا على النفقةِ.
وأظهَرُ المَعاني في هذه الآيةِ: ﴿ألاَّ تَعُولُوا ﴾، أيْ: ألاَّ تَجُورُوا وتَمِيلُوا في حقِّ النِّساءِ فتَظلِموهُنَّ، كما هو قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ، وهو ما يَجري استعمالُهُ في لغةِ العربِ وقريشٍ خاصَّةً، قال أبو طالبٍ:
بِمِيزانِ صِدْقٍ ما يَعُولُ شَعِيرَةً
ووَزّانِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ
وقال الشاعرُ:
إنّا تَبِعْنا رَسُولَ اللَّهِ واطَّرَحُوا
قَوْلَ الرَّسُولِ وعالُوا فِي المَوازِينِ
وأمّا قولُ الشافعيِّ: إنّ المرادَ: حتى لا تكثُرَ عيالُكُمْ، فلا تَقدِرُوا على الإنفاقِ، فهو قولٌ مرجوحٌ، ولم يُفسِّرْهُ بهذا أحدٌ مِن الصحابةِ، وقولُ الثعلبيِّ: «إنّه لم يَقُلْ بهذا التأويلِ غيرُ الشافعيِّ»[[«تفسير الثعلبي: الكشف والبيان، عن تفسير القرآن» (٣/٢٤٨).]]، فيه نظرٌ، فقد رواهُ الدارقطنيُّ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: «ذلك أدْنى ألاَّ يكثُرَ مَن تَعُولُونَه»[[أخرجه الدارقطني في «سننه» (٣٨٥١) (٤/٤٨٧).]].
وربَّما أخَذَهُ الشافعيُّ مِن قولِهِ ﷺ، كما في «الصحيحَيْنِ»: (وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ)[[أخرجه البخاري (١٤٢٧) (٢/١١٢)، ومسلم (١٠٣٤) (٢/٧١٧).]].
ولكنَّ النصوصَ والأثرَ تُضعِّفُ القولَ بهذا التأويلِ في هذه الآيةِ وفي هذا السياقِ، فلم يَثْبُتْ في تركِ الأولادِ وتكثيرِهم خشيةَ الفقرِ والنفقةِ شيءٌ.
حكمُ تعدُّدِ الزوجاتِ:
وتعدُّدُ الأزواجِ للقادرِ العادلِ شِرْعَةٌ نبويَّةٌ وفِطْرةٌ صحيحةٌ، فقد تزوَّجَ إبراهيمُ اثنتَيْنِ، وتزوَّجَ داودُ ألفَ امرأةٍ، كما جاء في التوراةِ وفي بعضِ حكاياتِ بني إسرائيلَ، وتزوَّجَ سليمانُ مِئَةَ زوجةٍ، كما في «الصحيحَيْنِ»، مِن حديثِ أبي هريرةَ[[أخرجه البخاري (٢٨١٩) (٤/٢٢)، ومسلم (١٦٥٤) (٣/١٢٧٥).]]، وجمَعَ خيرُ الناسِ محمدٌ ﷺ إحدى عَشْرةَ، وقيل: تسعَ نِسْوةٍ، والروايتانِ في «الصحيحِ»، مِن حديثِ أنسٍ[[أخرجه البخاري (٢٦٨) (١/٦٢).]].
وأكثرُ الصحابةِ تزوَّجُوا أكثَرَ مِن واحدةٍ، منهم مَن جمَعَهنَّ، ومنهم مَن تزوَّجَ وفارَقَ، وقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عبّاسٍ: «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قال: فَتَزَوَّجْ، فَإنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً»[[أخرجه البخاري (٥٠٦٩) (٧/٣).]].
وهو شِرْعَةٌ إلـهيَّةٌ لحكمةٍ عظيمةٍ، بها يتحقَّقُ دفعُ مفاسدَ عظيمةٍ مِن النِّساءِ والرِّجالِ، وإنْ غابتْ حكمتُها عندَ بعضِ الناس، فلِقصورِها ومُكابَرتِها عن إدراكِ مكامنِ النفوسِ وبواطنِ الغرائزِ.
وأكثرُ مَن يُنكِرُ شريعةَ اللهِ في التعدُّدِ مِن الرجالِ اليومَ هم ممَّن هان الزِّنى في قلبِه، فاللهُ يُنظِّمُ ما تفعلُهُ النفوسُ المريضةُ في السرِّ ليكونَ في العَلانِيَةِ، ويدفَعُ به العَنَتَ والمشقَّةَ التي تجدُها النفوسُ السويَّةُ، وبه تنتظمُ الفِطْرةُ، ويُدفَعُ الحرامُ، وتتحصَّنُ الأعراضُ، وقد قُلْتُ لأحدِ الفلاسفةِ الغربيِّينَ: «تقييدُ تعدُّدِ الزوجاتِ بأربعٍ خيرٌ ممّا تُبيحُونَهُ مِن الزِّنى بالعشيقاتِ بلا عددٍ، فالإسلامُ أمَرَ بإعلانِ ما تُخْفُونَهُ وضبَطَه وحَدَّهُ حتى لا تضيعَ الحقوقُ، وتحريمُ التعدُّدِ والزِّنى بالعشيقاتِ جميعًا اختلالٌ لفِطْرةِ المجتمعِ، وتكليفٌ لها بما لا تُطِيقُ، وإباحةُ الزِّنى وتحريمُ التعدُّدِ ظُلْمٌ في الدِّينِ وإهدارٌ لحقوقِ الزوجينِ».
وأمّا كراهةُ المرأةِ أنْ يُعدِّدَ عليها زوجُها، فذاك ليس كُرْهًا للشريعةِ، ولكنَّه كُرْهٌ لأنْ تُشارَكَ هي في نصيبِها مِن زوجِها، وهذا مِن أبوابِ الغَيْرَةِ والشُّحِّ، لا مِن أبوابِ كُرْهِ التشريعِ، ولذا لا تجدُ المرأةُ المسلمةُ حَرَجًا مِن تعدُّدِ غيرِ زوجِها، وتَكرَهُهُ في زوجِها لحَظِّ نفسِها.
واتَّفَقَ العلماءُ أنّ الحُرَّ يتزوَّجُ أربعَ نسوةٍ، واختلَفُوا في العبدِ، وهما روايتانِ عن مالكٍ: قيل: إنّه كالحُرِّ، وهذا قولُ أهلِ الظاهرِ، وقال الجمهورُ: يتزوَّجُ اثنتَيْنِ، وهو الأصحُّ، فهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنِ عوفٍ، ولا أعلَمُ مَن خالَفَهم مِن الصحابةِ.
{"ayah":"وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق