الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس [[أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430 عن ابن عباس بسند جيد في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا. هـ. وفي "تنوير المقباس" 2/ 77 قال: (تركوا دينهم ودين آبائهم وصاروا فرقًا، اليهودية والنصرانية والمجوسية) ا. هـ. وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 104، 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، والنحاس في "ناسخه" 2/ 356، عن ابن عباس بسند ضعيف قال: (اليهود والنصارى) اهـ. ملخصًا.]]، في رواية عطاء: (يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون بأنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 7.]] [يونس: 18]. فهذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة، فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد، وقال مجاهد [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 577، والثعلبي في "الكشف" 178 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 146، والبغوي في "تفسيره" 3/ 208، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 229 قال: (يهود)، وأخرجه الطبري في تفسيره 8/ 105 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 222، والطبري 12/ 269 - 270، وابن أبي حاتم 3/ 129 أبسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.]] والكلبي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 146، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 77.]]: (هم اليهود والنصارى)، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 599.]] أيضًا، والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 403.]]، وأصح [[في (ش): (في أصح)، وهو تحريف.]] القولين [[الظاهر إن الآية عامة تشمل كل أهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 105، والنحاس في "إعراب القرآن" 2/ 110، وابن كثير 2/ 219، والشوكاني 2/ 259.]]، واختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 266.]] والزجاج. قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 308.]]: (يعني: به اليهود والنصارى، وذلك [أن النصارى] [[لفظ: (أن النصارى) ساقط من (ش).]] يكفر بعضهم بعضًا، وكذلك اليهود، وهم أهل كتاب واحد، وهو التوراة، والنصاري يكفر اليهود، واليهود يكفر النصارى) [[كذا في النسخ، والصواب: (والنصارى يكفرون اليهود، واليهود يكفرون النصارى) وعند الزجاج في معانيه 2/ 308: (وبعضهم يكفر بعضًا، أعني اليهود تكفر النصارى، والنصارى تكفر اليهود) اهـ.]] وعلى هذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ ما قال يمان بن رئاب: (أخذوا [ببعض] [[لفظ: (ببعض) ساقط من (ش).]] وتركوا بعضًا، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [[لفظ: (وتكفرون ببعض) ساقط من (ش).]] [البقرة: 85]، فهم خلاف المسلمين [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8 بدون نسبة.]] الذين وصفوا بالإيمان به كله في قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119] وقال في وصفهم أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: 150]. ومعنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ قال مقاتل: (هو الإِسلام الذي أمروا به) [[هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 438.]] يعني: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، فسمى شريعة الإسلام دينهم، وإن لم يجيبوا إليه، ولم يأخذوا به؛ لأنهم قد شرع لهم ذلك، ودعوا إليه، فلهذا الالتباس الذي لهم به جاز أن يضاف إليهم، وقرأ حمزة [["تفسيرمقاتل" 1/ 599.]] والكسائي (فارقوا دينهم) [[قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف مع تخفيف الراء، وقرأ الباقون: (فرقوا) بغير ألف مع تشديد الراء. انظر: السبعة ص 274، و"المبسوط" ص 177، و"التذكرة" 2/ 413، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.]] أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يؤول إلى معنى ﴿فَرَّقُوا﴾ ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه، وعلى هذه [[هذا نص كلام أبي علي في الحجة 3/ 438، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 396، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة 278، و"الكشف" 1/ 458.]] القراءة إن تأولنا الآية في المشركين كما قال ابن عباس [[سبق تخريجه قريبًا.]] -رضي الله عنه-، فالدين [الذي] [[لفظ: (الذي) ساقط من (ش).]] فارقه المشركون التوحيد الذي نصب لهم عليه أدلته؛ لأن المشركين لم يكونوا أهل كتاب، ولا ممسكين بشريعة ثم تركوها حتى يقال: (فارقوا دينهم) ولكن إضافة الدين إليهم كإضافته إلى اليهود على ما بينا، ومثل هذا قوله: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 137] أي: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، ألا ترى أنهم لا يلبسون عليهم دينهم الذي هو الإشراك. وقال مجاهد فيما روى عنه ليث [[ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، تقدمت ترجمته.]]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (هم من هذ الأمة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8.]]. وكذلك روي عن طاووس [[لم أقف عليه.]] وعائشة [[لم أقف عليه.]] وعن أبي هريرة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري".]] روي مرفوعًا [[المرفوع جاء من ثلاثة طرق: الأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: "يا عائشة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، ليست لهم توبة. يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة == غير أصحاب البدع والأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني براء" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430، والطبراني في "الصغير" 1/ 203، والواحدي في "الوسيط" 1/ 147، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي وأبي الشيخ وأبي نعيم في "الحلية" وابن مردويه وأبي نصر السجزي في الإبانة والبيهقي في "شعب الإيمان". وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن مردويه وهو غريب ولا يصح رفعه) ا. هـ. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22، وقال: (رواه الطبراني في الصغير وإسناد جيد) ا. هـ. وقال في 1/ 188: (رواه الطبراني في الصغير، وفيه بقية بن الوليد ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف). وقال الحافظ في "التقريب" 1/ 105: (بقية صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، علق له البخاري، وروي له الباقون). الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: (هم أهل البدع، وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة" اهـ. أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه)، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن جرير، وإسناده لا يصح، فيه عباد بن كثير، متروك الحديث) ا. هـ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22 - 23 وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير معلل بن نفيل، وهو ثقة) ا. هـ. الثالث: عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن الرسول ﷺ في قوله عز وجل: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (النحاس وابن مردويه). وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، والشوكاني 2/ 260، وقالا: (لا يصح رفعه) اهـ.]]: أنهم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة، ذلك أنهم أبدعوا في الدين، وخالفوا الجماعة العظمى، وصاروا شيعًا مختلفين. قال أبو إسحاق: (وفي هذه الآية حث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع) [["معاني الزجاج" 2/ 308، وذكر مثله السمرقندي في "تفسيره" 1/ 527، وانظر "تفسير" ابن عطية 5/ 410، والقرطبي 7/ 149.]]. وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ قال الكلبي: (لست من قتالهم [في شيء]) [["تنوير المقباس" 2/ 77.]]، وقال السدي: (يقول: لم تؤمر بقتالهم، فلما أمر بقتالهم نسخ هذا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 106، وابن أبي حاتم 5/ 1431 بسند جيد.]]، كذلك قال ابن عباس [[أخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 356 بسند ضعيف.]] ومجاهد [[لم أقف عليه، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 366، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 527.]] والكلبي والسدي: إن قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ منسوخ، نسخه السيف في سورة براءة [[آية السيف في أصح الأقوال هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] انظر: النسخ في القرآن الكريم للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 504.]]. قال ابن الأنباري: (معنى [[في (أ): (يعني).]] ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [[لفظ: (في شيء) ساقط من (ش).]] أنت منهم بريء، وهم منك برآء [[في (ش): (وهم منك براء، وتأويلهم لم تلتبس بشيء من مذاهبهم).]] لم تلتبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن كلمت فلانًا فلست منك ولست مني، يريدون: كل واحد منا برئ من صحبه. قال النابغة: إِذَا حَاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ... فَإنّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي [[ديوان النابغة الذبياني ص 127، و"الكتاب" 4/ 186، و"تفسير الماوردي" 2/ 193، والقرطبي 7/ 150، و"البحر المحيط" 4/ 260، و"الدر المصون" 5/ 236 - 237، والفجور بالضم: الريبة والكذب، والشاعر يريد نقض الحلف، انظر: "اللسان" 7/ 3352 (فجر).]] وقال النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا" [[أخرجه أحمد في المسند 2/ 50، والدرامي 3/ 1655 (2583)، ومسلم في "صحيحه" رقم (164)، وأبو داود (3452)، وابن ماجه (2224 - 2225)، والترمذي (1315)، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ كلهم في السنن كتاب البيوع، باب النهي عن الغش، ومسلم في باب الإيمان باب قول النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا"، وابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن الغش.]] معناه [[قال ابن الأثير في "النهاية" 3/ 369: (الغش: ضد النصح من الغشش، وهو المشرب الكدر، وقوله: "ليس منا" أي: ليس من أخلاقنا ولا على سنتنا) اهـ.]]: فنحن منه برآء) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وعلى هذا القول تكون الآية محكمة غير منسوخة، وهو الظاهر؛ لأنها خبر، والمعنى: أنت بريء منهم، وهم منك براء، وليس إليك شيء من أمرهم، وإنما أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 106، 107، والنحاس في ناسخه 2/ 356، ومكي في "الإيضاح" ص 247، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 411، والرازي 14/ 8، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لابن حزم ص 38، ولابن العربي 2/ 213، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 337، و"النسخ في القرآن الكريم" لمصطفى زيد 1/ 441.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب