الباحث القرآني
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية.
حرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرمًا، لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطير، سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم [["تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.]]، وأما الحلال فله أن يصيد في الحل وليس له أن يصيد في الحرم، والآية هل تدل على هذا أم لا؟
أما عند المفسرين فالآية واردة في المحرمين [["تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.]]، وعند أهل المعاني يجوز حمل الآية على الحكمين جميعا، فإن قوله ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يصلح للمحرمين وللداخلين في الحرم، وإذا شمل اللفظ المعنيين جميعًا فهما منه [["النكت والعيون" 2/ 66، "زاد المسير" 2/ 422.]]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، قال مجاهد والحسن وابن جريج وإبراهيم وابن زيد: هو الذي يتعمد القتل ناسيًا لإحرامه، وعليه الجزاء، فأما إذا تعمد القتل ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء عليه، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة [["تفسير الطبري" 7/ 43، "النكت والعيون" 2/ 67، البغوي 3/ 97.]]، وقال ابن عباس وعطاء والباقون: يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل مع ذكر الإحرام [["تفسير الطبري" 7/ 42، "زاد المسير" 2/ 422.]]، وهذا مذهب عامة الفقهاء [["تفسير البغوي" 3/ 97، "زاد المسير" 2/ 422.]]، فأما إذا قتل الصيد خطأ، بأن قصد غيره بالرمي فأصابه، فهو كالمتعمد في وجوب الجزاء عند عامة أهل التفسير والفقه، وذلك أنهم ألحقوا المخطىء بالعامد في وجوب الكفارة، كما ألحقوا العامد بالمخطىء في كفارة القتل [["تفسير الطبري" 7/ 42، "الوسيط" 2/ 229، البغوي 3/ 97.]]، وقال سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئًا [[أخرجه الطبري 7/ 43 بمعناه.]]، وهذا قول شاذ لا يؤخذ به، وقال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ [[أخرجه الطبري 7/ 43، "الوسيط" 2/ 229.]].
وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ارتفع ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بإضمار: فعليه [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 476.]]، أو: فاللازم له، أو: فالواجب عليه.
وقال الزجاج: ويجوز أن يُرفَع (جزاء) على الابتداء، ويكون (مثل ما قتل) خبر الابتداء، ويكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 207.]]، واختلف القراء في هذا، فقرأ بعضهم بالتنوين ورفع المثل [[قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (فجزاءُ مثل ما) مضافة بخفض مثل. "الحجة للقراء السبعة" 3/ 254.]]؛ لأن المعنى: فعليه جزاء مماثلٌ للمقتول من الصيد، فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله: (فجزاء) ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل، ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، إنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. وإذا كان كذلك علمت أن الجزاء لا ينبغي أن يضاف إلى (مثل) لأنه يوجب جزاء المثلِ، والموجَبُ جزاءُ المقتول من الصيد، لا جزاءُ مثله الذي ليس بمقتول [["الحجة للقراء السبعة" 3/ 254، 255.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾، يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي (فجزاء) والمعنى: فجزاء من النعم مثلٌ لما قتل، ويجوز أن يكون متعلقًا بمثل، أي: مثلٌ لما قتل من النعم [["الحجة للقراء السبعة" 3/ 255، "بحر العلوم" 1/ 458.]].
وأما من أضاف الجزاء إلى مثل فقال: فجزاء مثل ما قتل، فإنه وإن كان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنهم قد يقولون: أنا نكرم مثلك، يريدون: أنا أكرمُك، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في المعنى كغير الإضافة، لأن المعنى: فعليه جزاءُ ما قتل، ومما يؤكد أن المثل وإن كان قد أضيف إليه الجزاء فالمعنى: فعليه جزاء المقتول لا جزاءُ مثله الذي لم يقتل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] والتقدير: كمن هو في الظلمات، والمِثْلُ والمَثَلُ والشِّبْهُ والشَبَهُ واحدٌ، فإذا كان مَثلُه في الظلمات فكأنه هو أيضًا فيها [[الحجة 3/ 256، 257، "بحر العلوم" 1/ 458.]].
واختلفوا في هذه المماثلة أهي في القيمة أو بالخلقة: فالذي عليه عُظْم أهل العلم والتأويل: أن المماثلة في الخِلقَه، ففي النعامة بدنة،، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال والأرنب حَمَل، وفي الضب سخلة، وفي اليَربُوع جَفْرة [["الأم" للشافعي 2/ 206، والطبري 7/ 44 - 50، و"النكت والعيون" 2/ 67 ، والبغوي 3/ 97، 98، والقرطبي 6/ 310، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.]].
قال الشافعي بعد ما ذكر هذا الفصل: ينظر إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهًا من النعم بالخلقة لا بالقيمة [["الأم" 2/ 206، 207.]]، وكل دابة من الصيد لم يسمها ففداؤها ما يقرب منها في الخِلقَة من النَعَم قياسًا على ما سميناه، هذا في الدواب، فأما في الطائر: فقال الشافعي: الطائر صنفان: حمام، وغير حمام، فكل ما عَبّ وهدر كالفواخت وذوات الأطواق والقُمري والدُّبسي فهو حمام، وفيه شاة، وما سواه من الطير ففيه قيمته في المكان الذي أصيب فيه [["الأم" 2/ 207، و"تفسير البغوي" 3/ 97.]]، وهذا قول عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك [["تفسير الطبري" 7/ 44 - 50، والبغوي 3/ 97، 98، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.]].
وقال إبراهيم النخعي: يُقوم الصيد المقتول بقيمة عادلة، ثم يشترى بثمنه مثله من النعم [[أخرجه الطبري 7/ 50.]] فاعتبر المماثلة بالقيمة.
والصحيح القول الأول [[وهو اختيار الطبري 7/ 50.]]؛ لأن أولئك القوم حكموا في النعامة ببدنة وهي لا تساوي هناك بدنه، وفي حمار الوحش ببقرة (وهو لا يساوي) [[في (ج): (وهي لا تساوي).]] هناك بقرة.
وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يهدى (في) [[ليس في (ج).]] جزاء الصيد إلا ما يجوز أن يضحى به، فإذا لم يبلغ قيمة الصيد هديًا أطعم أو صام [["بحر العلوم" 1/ 458، "النكت والعيون" 2/ 67، القرطبي 6/ 310.]]، وهذا خلاف قول الإجماع من الصحابة.
وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان (منكم) أي من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به [["معاني الزجاج" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 67، "الوسيط" 2/ 229، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص 101، والبغوي 3/ 97، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.]].
قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به [[أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد جيد. انظر: ابن كثير 2/ 112، كما أخرجه عبد بن حميد أيضاً. "الدر المنثور" 2/ 581.]].
وأخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم رحمه الله، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عبدوس الحيري، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثني ابن أبي أمية، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حُجاجًا، فكنَّا إذا صلينا الغداةَ اقتدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ [[في (ش): (إذ).]] سنح لنا ظبي فابتدرنا، فابتدرته ورميته فأصاب خُشَّاءَه [[بضم الخاء وتشديد الشين، والخشاء: هو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتىء خلف الأذن (تحقيق شاكر للطبري).]] فركب رَدْعَهُ [[ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه، وأصل الردع ما تلطخ به الشيء من زعفران وغيره، وهو أثر دمه (تحقيق شاكر للطبري).]] فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر بن الخطاب، وكان حاجًا وكان جالسًا إلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فسألته عن ذلك، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، فقال: اذهب فاذبح [[في (ش): (فاهد).]] شاة، فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلا عمر ومعه الدِّرة فعلاني بالدرة وقال: أتقتل في الحرم وتُسَفِّه الحكم؟ قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فأنا عمر وهذا عبد الرحمن [[أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن قبيصة. الطبري 7/ 45 - 48، وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه. "الدر المنثور" 2/ 581.]].
وجوز عمر - رضي الله عنه - أن يكون الجاني على الصيد أحد الحكمين فيما روي أن أربد [[هو أربد بن عبد الله البجلي، أدرك الجاهلية، ترجمه ابن حجر في الإصابة من القسم الثالث، وذكر قصته هذه. انظر: "الإصابة" 1/ 101.]] أوطأ فرسه [[أي حمل دابته حتى وطئت الصف، أي داسته (تحقيق شاكر للطبري).]] ففزر ظهر، فسأل عمر بن الخطاب فقال له عمر: احكم، فقال: أنت أعدل يا أمير المؤمنين فاحكم، فقال: إنما أمرتك بأن تحكم وما أمرتك بأن تزكيني، فقال: أرى فيه جَدْيًا جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى [[أخرجه الشافعي في "الأم" 2/ 206، والطبري 7/ 49، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. الإصابة 1/ 111.]].
قال العلماء: في هذه الآية دلالة على صحة الاجتهاد في الأحكام، لأن الله تعالى جعل الحكم إلى العدلين، وقد يقع في ذلك الاختلاف، فيحكم عدلان في جزاء صيد بشيء، ويحكم عدلان آخران لإنسان آخر في جزاء مثله من الصيد بشيءآخر، وكله حق وصواب.
وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ﴾، قال الزجاج: (هديًا) منصوب على الحال، المعنى يحكم به مقدّرًا أن يهدي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، انظر: "الطبري" 7/ 50.]]، قال أبو علي: ومثله قولك: معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدرًا الصيد [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 268.]]، وقد سبق بيان هذا في مواضع من الكتاب، و ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكره، لأن المعنى: بالغًا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافًا [["معاني الزجاج" 2/ 208، "تفسير الطبري" 7/ 50.]]، ومثله قوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [[في (ج): (ممكرنا).]] [الأحقاف: 24]، وقد شرحنا هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء [97]، والكعبة: البيت الحرام، سمي كعبة لارتفاعه وتربيعه، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة [["تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب)، والصحاح 1/ 213 (كعب).]]، قال ابن عباس: يريد إذا أتى مكة ذبحه وتصدق به [[أخرجه الطبري 7/ 51.]]،
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، اختلف القراء ههنا، فنون بعضهم الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام؛ لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد [["الحجة" 3/ 257، 258، ونسب القراءة هذه لابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.]]، وأضاف الآخرون الكفارة إلى الطعام [[بعد هذه الكلمة وجد زيادة في (ج) وهي: "لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد"، ولعل هذا سهو من الناسخ؛ لأن هذه الجملة من الكلام تقدمت في تعليل القراءة الأولى، فليتنبه.]]؛ لأنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، استجاز الإضافة لذلك، فكأنه قيل: كفارة طعام، لا كفارة هدي ولا كفارة صيام، فاستقامت الإضافة لكون الكفارة من هذه الأشياء [["الحجة" 3/ 257 ، 258 ونسب هذه القراءة لنافع وابن عامر.]].
واختلفوا في (أو) في هذه الآية هل هي للتخيير أم لا؟ فقال ابن عباس في بعض الروايات ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي: إن (أو) ليس على التخيير ولكن على الترتيب، لأنه لا يخرج حكم الجزاء عن أحد الثلاثة، إن لم يجد الجزاء بالهدي إما لعدم (الثمن) [[ساقط من (ج).]] أو لعوز النعم فالإطعام، وإن لم يجد الإطعام فالصيام، وقال ابن عباس في بعض الروايات وعطاء والحسن وإبراهيم: إن (أو) للتخيير [["تفسير الطبري" 7/ 53، "الدر المنثور" 2/ 583.]]. وإليه ذهب الشافعي [["الأم" 2/ 207.]].
قال الزجاج: الذي يوجبه اللفظ التخيير، وهو الاختيار على مذهب اللغة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.]]، قال الشافعي: إذا قتل صيدًا فإن شاء جزاه بمثله، وإن شاء قوم المثل دراهم، ثم الدراهم طعامًا، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُدٍّ يومًا [["الأم" 2/ 207.]]، واختلفوا كيف يقوم الصيد طعامًا، فمذهب الشافعي ما ذكرنا وهو أن يقوم مثله من النعم دراهم، ثم الدراهم طعامًا، وهو قول عطاء [["الأم" 2/ 207، والطبري 7/ 53 عن عطاء.]].
وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيًّا، ثم يجعل طعامًا [[أخرجه الطبري 7/ 54.]]، واختلفوا في أي موضع يعتبر قيمة الصيد، فمذهب الشافعي وأكثر الفقهاء أنه يقوم بالمكان الذي أصابه فيه، وهذا مذهب إبراهيم وحماد وأبي حنيفة [["تفسير الطبري" 7/ 54.]].
وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها [[أخرجه الطبري 7/ 55.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعِدْل المثل، تقول: عندي عِدلُ غلامك وشاتك ، إذا كانت شاة تعدل شاة أو غلام يعدل غلامًا، وإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت: عَدْل، وربما قال بعض العرب: عِدْله وكأنه منهم غلط، لتقارب معنى العَدْل من العِدْل ولفظه [["معاني القرآن" 1/ 320، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).]].
وقال أبو الهيثم: العِدلُ المثل، هذا عِدْلُه أي مثله، والعَدْل القيمة، تقول: خُد عَدْله منه كذا، أي قيمته. قال: والعِدل اسم حمْلِ معدول يحمل، أي مَسَوَّى به، والعَدْل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلًا [["تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).]].
وقال الزجاج: العَدْل والعِدلُ واحد في المعنى، وهما بمعنى المثل، كان المثل من الجنس أو من غير الجنس، ولا تقول: إن العرب غلطت وليس إذا أخطأ مخطئ وجب أن تقول: إن العرب غلطت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).]].
وقال ابن الأعرابي: عَدْل الشيء وعِدله سواء، أي مثله [["تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).]].
قال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿صِيَامًا﴾ منصوب على التمييز. المعنى: ومثل ذلك من الصيام [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.]].
وقال الفراء: ونصبك الصيام على التفسير، كما تقول: عندي رطلان عسلاً، وملء بيت قَتّا. قال: والأصل فيه أن تنظر إلى (مِنْ)، فإن حسنت فيه ثُمَّ أُلقيت نصبت، ألا ترى أنك تقول: عليه عَدْل ذلك من الصيام، وكذلك قوله تعالى: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: 91] [["معاني القرآن" 1/ 320، "تفسير الطبري" 7/ 57، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).]]، قال عطاء: يصوم لكل مُدٍّ يومًا [[أخرجه الطبري 7/ 57.]]، وهو مذهب الشافعي [["الأم" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 68.]]، وعند أبي حنيفة يصوم لكل نصف صاع يومًا [["بحر العلوم" 1/ 459، والبغوي 3/ 98.]].
قال الشافعي: ولا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة أو بمنى، وأما الصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم [["الأم" 2/ 207.]]، واعلم أن الجزاء إنما يجب فيما يؤكل لحمه من الدواب، وأما السباع غير المأكولة فلا جزاء في قتلها [["الوسيط" 2/ 230. عموم السباع فيها خلاف وتفصيل. ذكره القرطبي 6/ 303، 304 فلينظر إليه.]]، وكذلك الفواسق وهن خمس.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا إبراهيم شريك، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "خمسٌ من الدوابِّ ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغُرابُ والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" [[أخرجه البخاري (1826) كتاب: جزاء الصيد ، باب: ما يقتل المحرم من == الدواب 2/ 212، ومسلم (1198) كتاب: الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب وغيرهما.]].
وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، قال ابن عباس: يريد جزاء ما صنع وعاقبته [["تفسير البغوي" 3/ 98.]]، والوبال في اللغة: ثقل الشيء في المكروه، يقال: مرعى وبيل، إذا كان يستوخم، وماء وبيل، إذا لم يستمرأ. يقال: رعينا كلأً وبيلاً، وقال أبو زيد: استوبلت الأرض إذا لم يستمرىء بها الطعام [["معاني الزجاج" 2/ 208، و"اللسان" 8/ 4755 (وبل).]].
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، قال الحسن وعطاء والسدي: عما مضى في الجاهلية [[أخرجه عن عطاء الطبري 7/ 58، و"تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 426 ورجح ابن الجوزي هذا القول.]]، وقال آخرون: عما سلف قبل التحريم في الإسلام [["تفسير الطبري" 7/ 58 - 59، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، اختلفوا في حكم من عاد: فقال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرمًا بعدما حُكِمَ عليه في المرة الأولى حكم عليه ثانيًا وهو بصدد الوعيد لقوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [["تفسير الطبري" 7/ 59.]]، وعلى هذا مذهب الفقهاء، وهو قول مجاهد [["تفسير الطبري" 7/ 61، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.]]، وقال ابن عباس وشريح والحسن: إن عاد لم يلزم الجزاء، ويقال له: اذهب فسينتقم الله منك [["تفسير الطبري" 7/ 60 - 61، "بحر العلوم" 1/ 459.]].
قال ابن عباس: إذا عاد في المرة الثانية لقتل الصيد لم يحكم عليه، ولكن يملأ بطنه وظهره بالسياط ضربًا وجيعًا [["تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 427.]]، وكذلك حكم رسول الله ﷺ في "وج" وهو وادٍ بالطائف، جعله حرامًا كحرمة البلد الحرام، فمن قتل صيده ملىء ظهره وبطنه جلدًا وسلب ثيابه [[أخرج أبو داود (2032) كتاب: المناسك، باب: 97 عن الزبير - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله". و"تفسير البغوي" 3/ 98.]].
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ﴾ جواب الشرط، والتقدير: ومن عاد فإن الله ينتقم منه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 209.]]، قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: 126] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: 13] إن في هذه الآي إضمارًا مقدرًا، كأنه: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن فهو لا يخاف، لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل إذا كان مستغنًى عنه مع الفعل، وإنما يحتاج إلى الفاء مثل قولك: إن تأتني فأنت مكرم [[انظر: "الكتاب" 3/ 69]].
قال أبو علي: وموضع الفاء مع ما بعدها جزم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] بالجزم، يحمل إياه على موضع: (فلا هادِي) [["الحجة" 4/ 109 ، 110.]]، ويقال: انتقمت منه إذا كافأه عقوبة بما صنع والنِّقمَة والنَّقْمة العقوبة والإنكار [["تفسير الطبري" 7/ 63، "النكت والعيون" 2/ 68.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، قال عطاء: منيع ذو انتقام من أهل معصيته" [[انظر: "الوسيط" 2/ 230.]].
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰلِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق