الباحث القرآني
بابُ ما يَقْتُلُهُ المُحْرِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لَمّا كانَ خاصًّا في صَيْدِ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ لِما ذَكَرْنا في سِياقِ الآيَةِ مِنَ التَّخْصِيصِ، اقْتَضى عُمُومُهُ تَحْرِيمَ سائِرِ صَيْدِ البَرِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ وعائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ والعَقْرَبُ والغُرابُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في بَعْضِها، وفي بَعْضِها: ( هُنَّ فَواسِقُ ) . ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( الكَلْبُ العَقُورُ الأسَدُ ) . ورَوى حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنْ وبَرَةَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ «أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الذِّئْبِ والفَأْرَةِ والغُرابِ والحِدَأةِ» . فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ الذِّئْبَ. وذَكَرَ القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ قالَ: ( الكَلْبُ العَقُورُ الَّذِي أُمِرَ المُحْرِمُ بِقَتْلِهِ ما قَتَلَ النّاسَ وعَدا عَلَيْهِمْ، مِثْلُ الأسَدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ وهو الكَلْبُ العَقُورُ، وأمّا ما كانَ مِنَ السِّباعِ لا يَعْدُو مِثْلُ الضَّبُعِ والثَّعْلَبِ والهِرَّةِ وما أشْبَهَهُنَّ مِنَ السِّباعِ فَلا يَقْتُلْهُنَّ المُحْرِمُ، فَإنْ قَتَلَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَداهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَلَقّى الفُقَهاءُ هَذا الخَبَرَ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ في إباحَةِ قَتْلِ الأشْياءِ الخَمْسَةِ لِلْمُحْرِمِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الكَلْبِ العَقُورِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلى ما قَدَّمْنا الرِّوايَةَ فِيهِ: ( إنَّهُ الأسَدُ ) ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ فَقالَ: «أكَلَكَ كَلْبُ اللَّهِ» فَأكَلَهُ الأسَدُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ الكَلْبَ العَقُورَ هو الذِّئْبُ. ورُوِيَ في بَعْضِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ في مَوْضِعٍ ( الكَلْبُ ) ( الذِّئْبُ )، ولَمّا ذَكَرَ الكَلْبَ العَقُورَ أفادَ بِذَلِكَ كَلْبًا مِن شَأْنِهِ العَدْوَ عَلى النّاسِ وعَقْرِهِمْ، وهَذِهِ صِفَةُ الذِّئْبِ، فَأوْلى الأشْياءِ بِالكَلْبِ هاهُنا الذِّئْبُ. وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ ما عَدا عَلى المُحْرِمِ وابْتَدَأهُ بِالأذى فَجائِزٌ لَهُ قَتْلُهُ مِن غَيْرِ فَدِيَةٍ لِأنَّ فَحْوى ذِكْرِهِ الكَلْبَ العَقُورَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَنِ ابْتَدَأهُ السَّبْعُ فَقَتَلَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ هو الَّذِي ابْتَدَأ السَّبْعَ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾
واسْمُ الصَّيْدِ واقِعٌ عَلى كُلِّ مُمْتَنِعِ الأصْلِ مُتَوَحِّشٍ، (p-١٣٢)ولا يَخْتَصُّ بِالمَأْكُولِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فَعَلَّقَ الحُكْمَ مِنهُ بِما تَنالُهُ أيْدِينا ورِماحُنا، ولَمْ يُخَصِّصِ المُباحَ مِنهُ دُونَ المَحْظُورِ الأكْلِ. ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في الخَبَرِ وذَكَرَ مَعَها الكَلْبَ العَقُورَ، فَكانَ تَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الأشْياءِ وذِكْرُهُ لِلْكَلْبِ العَقُورِ دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلَّ ما ابْتَدَأ الإنْسانَ بِالأذى مِنَ الصَّيْدِ فَمُباحٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْتَدِئَ بِالأذى، فَجَعَلَ حُكْمَها حُكْمَ حالِها في الأغْلَبِ وإنْ كانَتْ قَدْ لا تَبْتَدِئُ في حالٍ؛ لِأنَّ الأحْكامَ إنَّما تَتَعَلَّقُ في الأشْياءِ بِالأعَمِّ الأكْثَرِ، ولا حُكْمَ لِلشّاذِّ النّادِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الكَلْبَ العَقُورَ وقِيلَ هو الأسَدُ فَإنَّما أباحَ قَتْلَهُ إذا قَصَدَ بِالعَقْرِ والأذى، وإنْ كانَ الذِّئْبُ فَذَلِكَ مِن شَأْنِهِ في الأغْلَبِ؛ فَما خَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن ذَلِكَ بِالخَبَرِ وقامَتْ دَلالَتُهُ فَهو مَخْصُوصٌ مِن عُمُومِ الآيَةِ، وما لَمْ يَخُصَّهُ ولَمْ تَقُمْ دَلالَةُ تَخْصِيصِهِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الضَّبُعُ صَيْدٌ وفِيهِ كَبْشٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ» .
وقَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، والضَّبُعُ مِن ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها كَبْشًا.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِسْتَ عَلى الخَمْسِ ما كانَ في مَعْناها وهو ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قِيلَ لَهُ: إنَّما خَصَّ هَذِهِ الأشْياءَ الخَمْسَةَ مِن عُمُومِ الآيَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا القِياسُ عَلى المَخْصُوصِ إلّا أنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَذْكُورَةً فِيهِ أوْ دَلالَةً قائِمَةً فِيما خَصَّ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ لِلْخَمْسِ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِيها لَمْ يَجُزِ القِياسُ عَلَيْها في تَخْصِيصِ عُمُومِ الأصْلِ. وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى ما يَبْتَدِئُ الإنْسانَ بِالأذى مِنَ السِّباعِ، وكَوْنُهُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ دَلالَةٌ مِن فَحْوى الخَبَرِ ولا عِلَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبارُهُ. وأيْضًا فَإنَّهُ لا خِلافَ فِيما ابْتَدَأ المُحْرِمَ في سُقُوطِ الجَزاءِ، فَجازَ تَخْصِيصُهُ بِالإجْماعِ وبَقِيَ حُكْمُ عُمُومِ الآيَةِ فِيما لَمْ يَخُصَّهُ الخَبَرُ ولا الإجْماعُ. ومِن أصْحابِنا مَن يَأْبى القِياسَ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ حَصَرَهُ بِعَدَدٍ فَقالَ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ» وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما عَداهُ مَحْظُورٌ، فَغَيْرُ جائِزٍ اسْتِعْمالُ القِياسِ في إسْقاطِ دَلالَةِ اللَّفْظِ. ومِنهم مَن يَأْبى صِحَّةَ الِاعْتِلالِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْكُولٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ والنَّفْيُ لا يَكُونُ عِلَّةً، وإنَّما العِلَلُ أوْصافٌ ثابِتَةٌ في الأصْلِ المَعْلُولِ، وأمّا نَفْيُ الصِّفَةِ فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً. فَإنْ غُيِّرَ الحُكْمُ بِإثْباتِ وصْفٍ وجَعَلَ العِلَّةَ أنَّهُ مُحَرَّمُ الأكْلِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ هو الحُكْمُ بِنَفْيِ الأكْلِ، فَلَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ نافِيًا لِلصِّفَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ الِاعْتِلالُ بِها. (p-١٣٣)وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ ما لا يُؤْكَلُ مِنَ الصَّيْدِ فَلا جَزاءَ عَلى المُحْرِمِ فِيهِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَقالَ قائِلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ: ( سَواءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أوْ خَطَأً فَعَلَيْهِ الجَزاءُ ) وجَعَلُوا فائِدَةَ تَخْصِيصِهِ العَمْدَ بِالذِّكْرِ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالعَمْدِ دُونَ الخَطَإ؛ لِأنَّ المُخْطِئَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ، فَخَصَّ العَمْدَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ الخَطَأُ والنِّسْيانُ مِثْلَهُ لِيَصِحَّ رُجُوعُ الوَعِيدِ إلَيْهِ؛ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ والحَسَنِ رِوايَةً وإبْراهِيمَ وفُقَهاءَ الأمْصارِ. والقَوْلُ الثّانِي: ما رَوى مَنصُورٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمّاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّهُ كانَ لا يَرى في الخَطَإ شَيْئًا ) وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ والقاسِمِ وأحَدِ قَوْلَيْ مُجاهِدٍ في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ عَنْهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: ما رَوى سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: ( إذا كانَ عامِدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ، وإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِهِ فَلا جَزاءَ عَلَيْهِ ) وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ( قَدْ فَسَدَ حَجُّهُ وعَلَيْهِ الهَدْيُ ) . وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ قَوْلِ مُجاهِدٍ في أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ إذا كانَ عامِدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ جِناياتِ الإحْرامِ لا يَخْتَلِفُ فِيها المَعْذُورُ وغَيْرُ المَعْذُورِ في بابِ وُجُوبِ الفِدْيَةِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَذَرَ المَرِيضَ ومَن بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ ولَمْ يُخْلِهِما مِن إيجابِ الكَفّارَةِ ؟ وكَذَلِكَ لا خِلافَ في فَواتِ الحَجِّ لِعُذْرٍ أوْ غَيْرِهِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الحُكْمِ؛ ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ في جِناياتِ الإحْرامِ وكانَ الخَطَأُ عُذْرًا؛ لَمْ يَكُنْ مُسْقِطًا لِلْجَزاءِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لا يَجُوزُ عِنْدَكم إثْباتُ الكَفّاراتِ قِياسًا، ولَيْسَ في المُخْطِئِ نَصٌّ في إيجابِ الجَزاءِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا عِنْدَنا قِياسًا؛ لِأنَّ النَّصَّ قَدْ ورَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وذَلِكَ عِنْدَنا يَقْتَضِي إيجابَ البَدَلِ عَلى مُتْلِفِهِ، كالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صَيْدِ الآدَمِيِّ أوْ إتْلافِ مالِهِ يَقْتَضِي إيجابَ البَدَلِ عَلى مُتْلِفِهِ؛ فَلَمّا جَرى الجَزاءُ في هَذا الوَجْهِ مَجْرى البَدَلِ وجَعَلَهُ اللَّهُ مِثْلًا لِلصَّيْدِ؛ اقْتَضى النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ إيجابَ بَدَلِهِ عَلى مُتْلِفِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ البَدَلُ يَكُونُ الجَزاءُ بِالِاتِّفاقِ.
وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ اسْتِواءُ حالِ المَعْذُورِ وغَيْرِ المَعْذُورِ في سائِرِ جِناياتِ الإحْرامِ كانَ مَفْهُومًا مِن ظاهِرِ النَّهْيِ تَساوِي حالِ العامِدِ والمُخْطِئِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنا قِياسًا، كَما أنَّ حُكْمَنا في غَيْرِ بَرِيرَةَ بِما حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ في بَرِيرَةَ لَيْسَ بِقِياسٍ، وكَذَلِكَ حُكْمُنا في العُصْفُورِ بِحُكْمِ الفَأْرَةِ وحُكْمُنا في الزَّيْتِ بِحُكْمِ السَّمْنِ إذا ماتَ فِيهِ لَيْسَ (p-١٣٤)هُوَ قِياسًا عَلى الفَأْرَةِ وعَلى السَّمْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَساوِي ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الحُكْمِ بِما وصَفْنا، فَإذا ورَدَ في شَيْءٍ مِنهُ كانَ حُكْمًا في جَمِيعِهِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ بِبَقاءِ صَوْمِ الآكِلِ ناسِيًا هو حُكْمُ فِيهِ بِبَقاءِ صَوْمِ المُجامَعِ ناسِيًا؛ لِأنَّهُما غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الأحْكامِ في حالِ الصَّوْمِ وكَذَلِكَ قالُوا فِيمَن سَبَقَهُ الحَدَثُ في الصَّلاةِ مِن بَوْلٍ أوْ غائِطٍ إنَّهُ بِمَنزِلَةِ الرُّعافِ والقَيْءِ اللَّذَيْنِ جاءَ فِيهِما الأثَرُ في جَوازِ البِناءِ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِن أحْكامِ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ، فَلَمّا ورَدَ الأثَرُ في بَعْضِ ذَلِكَ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا في جَمِيعِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقِياسٍ.
كَذَلِكَ حُكْمُ قاتِلِ الصَّيْدِ خَطَأً. وأمّا مُجاهِدٌ فَإنَّهُ تارِكٌ لِظاهِرِ الآيَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَمَن كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِ الصَّيْدِ فَقَدْ شَمِلَهُ الِاسْمُ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ الجَزاءُ، ولا مَعْنى لِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى كَفّارَةِ قاتِلِ الخَطَإ فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ قاتِلَ العَمْدِ، كَذَلِكَ لَمّا نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى قاتِلِ العَمْدِ بِإيجابِ الجَزاءِ لَمْ يَجُزْ إيجابُها عَلى قاتِلِ الخَطَإ. قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَصَّ عَلى حُكْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَتْلَيْنِ وجَبَ اسْتِعْمالُهُما ولَمْ يَجُزْ قِياسُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا قِياسَ المَنصُوصاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ قَتْلَ العَمْدِ لَمْ يَخْلُ مِن إيجابِ القَوَدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ، ومَتى أخْلَيْنا قاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً مِن إيجابِ الجَزاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ لَغْوًا عارِيًّا مِن حُكْمٍ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. وأيْضًا فَإنَّ أحْكامَ القَتْلِ في الأُصُولِ مُخْتَلِفَةٌ في العَمْدِ والخَطَإ والمُباحِ والمَحْظُورِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ في الصَّيْدِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى حُكْمُ العَمْدِ والخَطَإ فِيهِ واخْتُلِفَ في قَتْلِ الآدَمِيِّ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمِثْلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّ المِثْلَ نَظِيرُهُ؛ في الأرْوى بَقَرَةٌ وفي الظَّبْيَةِ شاةٌ وفي النَّعامَةِ بَعِيرٌ ) وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ والشّافِعِيِّ وذَلِكَ فِيما لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النَّعَمِ، فَأمّا ما لا نَظِيرَ لَهُ مِنهُ كالعُصْفُورِ ونَحْوِهِ فَفِيهِ القِيمَةُ.
ورَوى الحَجّاجُ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ في المِثْلِ أنَّهُ القِيمَةُ دَراهِمَ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ الهَدْيُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: ( المِثْلُ هو القِيمَةُ، ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ اشْتَرى طَعامًا وأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-١٣٥)المِثْلُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى القِيمَةِ وعَلى النَّظِيرِ مِن جِنْسِهِ وعَلى نَظِيرِهِ مِنَ النَّعَمِ، ووَجَدْنا المِثْلَ الَّذِي يَجِبُ في الأُصُولِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:
إمّا مِن جِنْسِهِ كَمَنِ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ حِنْطَةً فَيَلْزَمُهُ مِثْلُها، وإمّا مِن قِيمَتِهِ كَمَنِ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا أوْ عَبْدًا؛ والمِثْلُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ ولا قِيمَتِهِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ. واتَّفَقُوا أنَّ المِثْلَ مِن جِنْسِهِ غَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المِثْلُ المُرادُ بِالآيَةِ هو القِيمَةُ. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ مُتَشابِهًا مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي وجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما اتَّفَقُوا عَلى مَعْناهُ مِنَ المِثْلِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَلَمّا كانَ المِثْلُ في هَذا المَوْضِعِ فِيما لا مِثْلَ لَهُ مِن جِنْسِهِ هو القِيمَةُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المِثْلُ المَذْكُورُ لِلصَّيْدِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المِثْلَ في آيَةِ الِاعْتِداءِ مُحْكَمٌ مُتَّفَقٌ عَلى مَعْناهُ بَيْنَ الفُقَهاءِ وهَذا مُتَشابِهٌ يَجِبُ رَدُّهُ إلى غَيْرِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَرْدُودًا عَلى ما اتَّفَقَ عَلى مَعْناهُ مِنهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المِثْلَ اسْمٌ لِلْقِيمَةِ في الشَّرْعِ ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ مِنَ النَّعَمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ اسْمًا لَهُ ولَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى ما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ اسْمٌ لَهُ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقُوا أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ بِهَذا المِثْلِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هي المُرادَةُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ فَهو بِمَنزِلَتِهِ لَوْ نَصَّ عَلَيْها فَلا يَنْتَظِمُ النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ انْتَفى النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ لِاسْتِحالَةِ إرادَتِهِما جَمِيعًا في لَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما مِن قِيمَةٍ أوْ نَظِيرٍ مِنَ النَّعَمِ، ومَتى ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ انْتَفى غَيْرُها.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لَمّا كانَ عامًّا فِيما لَهُ نَظِيرٌ وفِيما لا نَظِيرَ لَهُ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المِثْلُ عامًّا في جَمِيعِ المَذْكُورِ والقِيمَةُ بِذَلِكَ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا حُمِلَ عَلى القِيمَةِ كانَ المِثْلُ عامًّا في جَمِيعِ المَذْكُورِ، وإذا حُمِلَ عَلى النَّظِيرِ كانَ خاصًّا في بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ وحُكْمُ اللَّفْظِ اسْتِعْمالُهُ عَلى عُمُومِهِ ما أمْكَنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ اعْتِبارُ القِيمَةِ أوْلى، ومَنِ اعْتَبَرَ النَّظِيرَ جَعَلَ اللَّفْظَ خاصًّا في بَعْضِ المَذْكُورِ دُونَ البَعْضِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ اسْمُ المِثْلِ يَقَعُ عَلى القِيمَةِ تارَةً وعَلى النَّظِيرِ أُخْرى، فَمَنِ اسْتَعْمَلَهُما فِيما لَهُ نَظِيرٌ عَلى النَّظِيرِ وفِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ عَلى القِيمَةِ، فَلَمْ يَخْلُ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المِثْلِ عَلى عُمُومِهِ إمّا في القِيمَةِ أوِ المِثْلِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في القِيمَةِ عَلى الخُصُوصِ وفي النَّظِيرِ عَلى (p-١٣٦)الخُصُوصِ أيْضًا واسْتِعْمالُهُ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ أوْلى مِنَ اسْتِعْمالِهِ عَلى الخُصُوصِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: المِثْلُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ ولَيْسَ بِاسْمٍ لِلْقِيمَةِ، وإنَّما أُوجِبَتِ القِيمَةُ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ الصَّيْدِ بِالإجْماعِ لا بِالآيَةِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى القِيمَةَ مِثْلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ عَبْدًا أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ، وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى مُعْتِقِ عَبْدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ إذا كانَ مُوسِرًا، فَبانَ بِذَلِكَ غَلَطُ هَذا القائِلِ في نَفْيِهِ اسْمَ المِثْلِ عَنِ القِيمَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَكَ ( إنَّ الآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ إيجابَ الجَزاءِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ ) تَخْصِيصٌ لَها بِغَيْرِ دَلِيلٍ، مَعَ دُخُولِ ذَلِكَ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ والهاءُ في: ﴿قَتَلَهُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المَذْكُورِ مِنَ الصَّيْدِ، فَإذا أخْرَجْتَ مِنهُ بَعْضَهُ فَقَدْ خَصَّصْتَهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المِثْلَ القِيمَةُ دُونَ النَّظِيرِ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قَدْ رُوِيَ عَنْهم: ( في الحَمامَةِ شاةٌ ) ولا تَشابُهَ بَيْنَ الحَمامَةِ والشّاةِ في المَنظَرِ، فَعَلِمْنا أنَّهم أوْجَبُوها عَلى وجْهِ القِيمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَعَلَ في الضَّبُعِ كَبْشًا. قِيلَ لَهُ: لِأنَّ تِلْكَ كانَتْ قِيمَتُهُ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ أوْجَبَهُ مِن حَيْثُ كانَ نَظِيرًا لَهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما كانَ يَسُوغُ هَذا التَّأْوِيلَ وحَمْلَ الآيَةِ عَلى القِيمَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ بَيانُ المُرادِ بِالمِثْلِ، وقَدْ فُسِّرَ في نَسَقِ الآيَةِ مَعْنى المِثْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ ولا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ مَعَ النَّصِّ. قِيلَ لَهُ: إنَّما كانَ يَكُونُ عَلى ما ادَّعَيْتُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَصِلْهُ بِما أسْقَطَ دَعْواكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ فَلَمّا وصَلَهُ بِما ذَكَرَ وأدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّخْيِيرِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ النَّعَمِ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الطَّعامَ والصِّيامَ جَمِيعًا ولَيْسا مِثْلًا وأدْخَلَ ( أوْ ) بَيْنَهُما وبَيْنَ النِّعَمِ ؟ ولا فَرْقَ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ تَرْتِيبُ الآيَةِ بَيْنَ أنْ يَقُولَ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ طَعامًا أوْ صِيامًا أوْ مِنَ النَّعَمِ هَدْيًا؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ النَّعَمِ في التِّلاوَةِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ في المَعْنى، بَلِ الجَمِيعُ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ مَعًا.
ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] لَمْ يَقْتَضِ كَوْنَ الطَّعامِ مُقَدَّمًا عَلى الكِسْوَةِ ولا الكِسْوَةِ مُقَدَّمَةً عَلى العِتْقِ في المَعْنى، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ (p-١٣٧)مَذْكُورٌ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَعًا ؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ النَّعَمِ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ المِثْلُ مُضَمَّنًا بِالنَّعَمِ مَعَ اسْتِغْناءِ الكَلامِ عَنْهُ لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ فَلَهُ حُكْمٌ غَيْرُ جائِزٍ تَضْمِينُهُ بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ سِواهُ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ مَعْلُومٌ أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ إرادَةِ المُحْرِمِ، فَمَعْناهُ: ( مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا ) إنْ أرادَ الهَدْيَ، والطَّعامَ إنْ أرادَ الطَّعامَ، فَلَيْسَ هو إذًا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، كَما أنَّ الطَّعامَ والصِّيامَ لَيْسا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ المَذْكُورِ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم حَكَمُوا في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ القِيَمَ تَخْتَلِفُ، وقَدْ أطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الصَّيْدِ في زِيادَةِ القِيمَةِ ونُقْصانِها. قِيلَ لَهُ: فَما تَقُولُ أنْتَ، هَلْ تُوجِبُ في كُلِّ نَعامَةٍ بَدَنَةً مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الصَّيْدِ في ارْتِفاعِ قِيمَتِهِ وانْخِفاضِها فَتُوجِبُ في أدْنى النَّعامِ بَدَنَةً رَفِيعَةً وتُوجِبُ في أرْفَعِ النَّعامِ بَدَنَةً وضِيعَةً ؟
فَإنْ قِيلَ: لا، وإنَّما أُوجِبُ بَدَنَةً عَلى قَدْرِ النَّعامَةِ، فَإنْ كانَتْ رَفِيعَةً فَبَدَنَةٌ رَفِيعَةٌ وإنْ كانَتْ وضِيعَةً فَبَدَنَةٌ عَلى قَدْرِها؛ قِيلَ لَهُ فَقَدْ خالَفْتَ الصَّحابَةَ لِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا عَنْ حالِ الصَّيْدِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّفِيعَةِ مِنها والدَّنِيَّةِ فاعْتَبَرْتَ خِلافَ ما اعْتَبَرُوا.
فَإنْ قِيلَ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ عَلى حَسَبِ حالِ النَّعامَةِ وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ ولَمْ يَنْقُلْهُ الرّاوِي. قِيلَ لَهُ: فَكَذَلِكَ يَقُولُ لَكَ القائِلُونَ بِالقِيمَةِ إنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قِيمَتَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا أنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ عَلى أنَّ قِيمَتَها كانَتْ قِيمَةَ النَّعامَةِ. ويُقال لَهم: هَلْ يَدُلُّ حُكْمُهم في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ غَيْرُها مِنَ الطَّعامِ والصِّيامِ ؟ فَإنْ قالُوا: لا، قِيلَ لَهم: فَكَذَلِكَ حُكْمُهم فِيها بِالبَدَنَةِ غَيْرُ دالٍّ عَلى نَفْيِ جَوازِ القِيمَةِ.
* فَصْلٌ
وقُرِئَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ﴾ بِرَفْعِ المِثْلِ، وقُرِئَ بِخَفْضِهِ وإضافَةِ الجَزاءِ إلَيْهِ. والجَزاءُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْواجِبِ بِالفِعْلِ ويَكُونُ مَصْدَرًا فَيَكُونُ فِعْلًا لِلْمَجازِيِّ، فَمَن قَرَأهُ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ المِثْلَ صِفَةً لِلْجَزاءِ المُسْتَحَقِّ بِالفِعْلِ وهو القِيمَةُ أوِ النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ؛ ومَن أضافَهُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا وأضافَهُ إلى المِثْلِ، فَكانَ ما يُخْرِجُهُ مِنَ (p-١٣٨)الواجِبِ مُضافًا إلى المِثْلِ المَذْكُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ الَّذِي هو الواجِبُ مُضافًا إلى المِثْلِ، والمِثْلُ يَكُونُ مِثْلًا لِلصَّيْدِ، فَيُفِيدُ أنَّ الصَّيْدَ مَيْتَةٌ مُحَرَّمٌ لا قِيمَةَ لَهُ، وأنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ مِثْلِ الصَّيْدِ حَيًّا في إيجابِ القِيمَةِ، فالإضافَةُ صَحِيحَةُ المَعْنى في الحالَيْنِ سَواءٌ كانَ الجَزاءُ اسْمًا أوْ مَصْدَرًا؛ والنَّعَمِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا مِنَ القِيمَةِ أوِ النَّظِيرِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأنَّ القِيَمَ تَخْتَلِفُ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ الصَّيْدِ، فَيَحْتاجُ في كُلِّ حِينٍ وفي كُلِّ صَيْدٍ إلى اسْتِئْنافِ حُكْمِ الحَكَمَيْنِ في تَقْوِيمِهِ. ومَن قالَ بِالنَّظَرِ فَرَجَعَ إلى قَوْلِ الحَكَمَيْنِ، لِاخْتِلافِ الصَّيْدِ في نَفْسِهِ مِنَ ارْتِفاعٍ أوِ انْخِفاضٍ حَتّى يُوجِبا في الرَّفِيعِ مِنهُ الرَّفِيعَ مِنَ النَّظِيرِ وفي الوَسَطِ الوَسَطَ وفي الدَّنِيِّ الدَّنِيَّ، وذَلِكَ يُحْتاجُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحَكَمَيْنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، قالا في مُحْرِمٍ قَتَلَ قَطاةً: ( فِيهِ ثُلُثا مُدٍّ وثُلُثا مُدٍّ خَيْرٌ مِن قَطاةٍ في بَطْنِ مِسْكِينٍ ) .
ورَوى مَعْمَرُ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَألْتُ القاسِمَ وسالِمًا عَنْ حَجَلَةٍ ذَبَحَها وهو مُحْرِمٌ ناسِيًا، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أحَجَلَةٌ في بَطْنِ رِجْلٍ خَيْرٌ أوْ ثُلُثا مُدٍّ ؟ فَقالَ: بَلْ ثُلُثا مُدٍّ، فَقالَ: هي خَيْرٌ أوْ نِصْفُ مُدٍّ ؟ قالَ: بَلْ نِصْفُ مُدٍّ، قالَ: هي خَيْرٌ أوْ ثُلُثُ مُدٍّ ؟ قالَ: قُلْتُ: أتُجْزِي عَنِّي شاةٌ ؟ قالا: أوَتَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالا: فاذْهَبْ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ وضَعَ رِداءَهُ عَلى عُودٍ في دارِ النَّدْوَةِ، فَأطارَ حَمامًا فَقَتَلَهُ حَرامٌ، فَقالَ لِعُثْمانَ ونافِعِ بْنِ عَبْدِ الحارِثِ: احْكُما عَلَيَّ فَحَكَما بِعَناقٍ بُنَيَّةَ عَفْراءَ، فَأمَرَ بِها عُمَرُ.
ورَوى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ: " أنَّ مُحْرِمًا قَتَلَ ظَبْيًا، فَسَألَ عُمَرُ رَجُلًا إلى جَنْبِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِذَبْحِ شاةٍ وأنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِها؛ قالَ قَبِيصَةُ: فَلَمّا قُمْنا مِن عِنْدِهِ قُلْتُ لَهُ: أيُّها المُسْتَفْتِي ابْنَ الخَطّابِ إنَّ فُتْيا ابْنِ الخَطّابِ لَمْ تُغْنِ عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فانْحَرْ ناقَتَكَ وعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَواَللَّهِ ما عَلِمَ ابْنُ الخَطّابِ ما يَقُولُ حَتّى سَألَ الرَّجُلَ الَّذِي إلى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ إلى عُمَرَ وإذا عُمَرُ قَدْ أقْبَلَ ومَعَهُ الدُّرَّةُ عَلى صاحِبِي صَفْعًا وهو يَقُولُ: قاتَلَكَ اللَّهُ أتَقْتُلُ الحَرامَ وتُعَدِّي الفَتَيا وتَقُولُ ما عَلِمَ عُمَرُ حَتّى سَألَ مَن إلى جَنْبِهِ أما تَقْرَأُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الحَكَمَيْنِ في ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، ألا تَرى أنَّ عُمَرَ وابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ عُمَرَ والقاسِمَ وسالِمًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَألَ صاحِبَهُ عَنِ اجْتِهادِهِ في المِقْدارِ الواجِبِ، فَلَمّا اتَّفَقَ رَأْيُهُما عَلى شَيْءٍ حَكَما بِهِ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ لِإباحَةِ اللَّهِ تَعالى الِاجْتِهادَ في تَقْوِيمِ الصَّيْدِ وما يَجِبُ فِيهِ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ تَقْوِيمَ المُسْتَهْلَكاتِ (p-١٣٩)مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ يَحْكُمانِ بِهِ عَلى المُسْتَهْلِكِ، كَما أوْجَبَ الرُّجُوعَ إلى قَوْلِ الحَكَمَيْنِ في تَقْوِيمِ الصَّيْدِ. والحَكَمانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَحْكُمانِ عَلَيْهِ بِالقِيمَةِ ثُمَّ يَخْتارُ المُحْرِمُ ما شاءَ مِن هَدْيٍ أوْ طَعامٍ أوْ صِيامٍ. وقالَ مُحَمَّدٌ: ( الحَكَمانِ يَحْكُمانِ بِما يَرَيانِ مِن هَدْيٍ أوْ طَعامٍ أوْ صِيامٍ، فَإنْ حَكَما بِالهَدْيِ كانَ عَلَيْهِ أنْ يُهْدِيَ ) .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ فَإنَّ الهَدْيَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا خِلافَ أنَّ لَهُ أنْ يُهْدِيَ مِن أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ أيُّها شاءَ مِنها. هَذا في الإحْصارِ، فَأمّا في جَزاءِ الصَّيْدِ فَإنَّ مَن يَجْعَلُ الواجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الصَّيْدِ فَإنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنِ اخْتارَ الهَدْيَ وبَلَغَتْ قِيمَتُهُ بَدَنَةً نَحَرَها، وإنْ لَمْ تَبْلُغْ بَدَنَةً وبَلَغَ بَقَرَةً ذَبَحَها، فَإنْ لَمْ تَبْلُغْ وبَلَغَ شاةً ذَبَحَها، وإنِ اشْتَرى بِالقِيمَةِ جَماعَةٌ شاءً أجْزَأهُ. ومَن يُوجِبُ النَّظِيرَ مِنَ النَّعَمِ، فَإنَّهُ إنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالهَدْيِ أهْدى بِما حَكَمَ بِهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في السِّنِّ الَّذِي يَجُوزُ في جَزاءِ الصَّيْدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( لا يَجُوزُ أنْ يُهْدِيَ إلّا ما يُجْزِي في الأُضْحِيَةِ وفي الإحْصارِ والقِرانِ ) . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( يُجْزِي الجَفْرَةَ والعَناقَ عَلى قَدْرِ الصَّيْدِ ) . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ هَدْيٌ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالإحْرامِ، وقَدِ اتَّفَقُوا في سائِرِ الهَدايا الَّتِي تَعَلَّقَ وُجُوبُها بِالإحْرامِ أنَّها لا يُجْزِي مِنها إلّا ما يُجْزِي في الأضاحِي، وهو الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أوِ الثَّنِيُّ مِنَ المَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ فَصاعِدًا، فَكَذَلِكَ هَدْيُ جَزاءِ الصَّيْدِ. وأيْضًا لَمّا سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى هَدْيًا عَلى الإطْلاقِ كانَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الهَدايا المُطْلَقَةِ في القُرْآنِ، فَلا يُجْزِي دُونَ السِّنِّ الَّذِي ذَكَرْنا. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ إلى ما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ في اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ وفي الأرْنَبِ عَناقٌ، وعَلى أنَّهُ لَوْ أهْدى شاةً فَوَلَدَتْ ذُبِحَ ولَدُها مَعَها.
فَأمّا ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ القِيمَةِ، وأمّا ولَدُ الهَدْيِ فَإنَّهُ تَبَعٌ لَها، فَيَسْرِي الحَقُّ الَّذِي في الأُمِّ مِن جِهَةِ التَّبَعِ، ولَيْسَ يَجُوزُ اعْتِبارُ ما كانَ أصْلًا في نَفْسِهِ بِالِاتِّباعِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْنُ أُمِّ الوَلَدِ بِمَنزِلَةِ أُمِّهِ في كَوْنِهِ غَيْرَ مالٍ وعِتْقُهُ بِمَوْتِ المَوْلى مِن غَيْرِ سِعايَةٍ ولا يَصِحُّ ابْتِداءُ إيجابِ هَذا الحُكْمِ لَهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّبَعِ والدُّخُولِ في حُكْمِ الأُمِّ ؟ وكَذَلِكَ ولَدُ المُكاتَبَةِ هو مُكاتَبٌ وهو عُلُوقٌ ولَوِ ابْتَدَأ كِتابَةَ العُلُوقِ لَمْ يَصِحَّ؛ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِلْهَدْيِ، وبُلُوغُهُ الكَعْبَةَ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ لا خِلافَ في ذَلِكَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَمَ كُلُّهُ بِمَنزِلَةِ الكَعْبَةِ في الحُرْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ رِباعُها؛ لِأنَّهُ (p-١٤٠)عَبَّرَ بِالكَعْبَةِ عَنِ الحَرَمِ، وهو كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ»؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [التوبة: ٢٨] المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ ومَعالِمُ الحَجِّ؛ لِأنَّهم مُنِعُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ الحَجِّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَواضِعِ تَقْوِيمِ الصَّيْدِ، فَقالَ إبْراهِيمُ: ( يُقَوَّمُ في المَكانِ الَّذِي أصابَهُ، فَإنْ كانَ في فَلاةٍ فَفي أقْرَبِ الأماكِنِ مِنَ العُمْرانِ إلَيْها )، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ( يُقَوَّمُ بِمَكَّةَ أوْ بِمِنًى ) . والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ كَتَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ، فَيُعْتَبَرُ المَوْضِعُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الِاسْتِهْلاكُ لا في المَوْضِعِ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ القِيمَةُ؛ ولِأنَّ تَخْصِيصَ مَكَّةَ ومِنًى مِن بَيْنِ سائِرِ البِقاعِ تَخْصِيصُ الآيَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلا يَجُوزُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُما حَكَما في الظَّبْيِ بِشاةٍ ولَمْ يَسْألا السّائِلَ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُ السّائِلُ سَألَ عَنْ قَتْلِهِ في مَوْضِعٍ عَلِمَ أنَّ قِيمَتَهُ فِيهِ شاةٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ فَإنَّهُ قُرِئَ " كَفّارَةُ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ بِلا إضافَةٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ الطَّعامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً وإبْراهِيمُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ ومِقْسَمٌ: ( يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ ) . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً: ( يُقَوَّمُ الهَدْيُ ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا )، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والأوَّلُ قَوْلُ أصْحابِنا، والثّانِي قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ والأوَّلُ أصَحُّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ جَزاءُ الصَّيْدِ، فَلَمّا كانَ الهَدْيُ مِن حَيْثُ كانَ جَزاءً مُعْتَبَرًا بِالصَّيْدِ إمّا في قِيمَتِهِ أوْ في نَظِيرِهِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ فَجَعَلَ الطَّعامَ جَزاءً وكَفّارَةً كالقِيمَةِ؛ فاعْتِبارُهُ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ أوْلى مِنَ اعْتِبارِهِ بِالهَدْيِ، إذْ هو بَدَلٌ مِنَ الصَّيْدِ وجَزاءٌ عَنْهُ لا مِنَ الهَدْيِ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقُوا فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ أنَّ اعْتِبارَ الطَّعامِ إنَّما هو بِقِيمَةِ الصَّيْدِ، فَكَذَلِكَ فِيما لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مُنْتَظِمَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، فَلَمّا اتَّفَقُوا في أحَدِهِما أنَّ المُرادَ اعْتِبارُ الطَّعامِ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ كانَ الآخَرُ مِثْلَهُ. وقالَ أصْحابُنا: إذا أرادَ الإطْعامَ اشْتَرى بِقِيمَةِ الصَّيْدِ طَعامًا فَأطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ ولا يُجْزِيهِ أقَلُّ مِن ذَلِكَ، كَكَفّارَةِ اليَمِينِ وفِدْيَةُ الأذى؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفِ.
* * *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ ومِقْسَمٍ وقَتادَةَ أنَّهم قالُوا: ( لِكُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا )، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ( لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ) . وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الهَدْيِ والإطْعامِ والصِّيامِ فَهو (p-١٤١)عَلى التَّخْيِيرِ لِأنَّ ( أوْ ) يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في كَفّارَةِ اليَمِينِ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ رِوايَةً؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً أُخْرى أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ مِثْلُهُ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ رِوايَةً أُخْرى أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ. والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ومَن حَمَلَهُ عَلى التَّرْتِيبِ زادَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، ولا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وشُرَيْحٍ: ( إنْ عادَ عَمْدًا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ مِنهُ ) . وقالَ إبْراهِيمُ: ( كانُوا يَسْألُونَ هَلْ أصَبْتُ شَيْئًا قَبْلَهُ ؟ فَإنْ قالَ نَعَمْ لَمْ يَحْكُمُوا عَلَيْهِ، وإنْ قالَ لا حُكِمَ عَلَيْهِ ) . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: ( يُحْكَمُ عَلَيْهِ أبَدًا ) . وسَألَ عُمَرُ قَبِيصَةَ بْنَ جابِرٍ عَنْ صَيْدٍ أصابَهُ وهو مُحْرِمٌ، فَسَألَ عُمَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَسْألْهُ هَلْ أصَبْتُ قَبْلَهُ شَيْئًا. وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ﴾ يُوجِبُ الجَزاءَ في كُلِّ مَرَّةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وذِكْرُهُ الوَعِيدَ لِلْعائِدِ لا يُنافِي وُجُوبَ الجَزاءِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ حَدَّ المُحارِبِ جَزاءً لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ؟ فَلَيْسَ إذًا في ذِكْرِ الِانْتِقامِ مِنَ العائِدِ نَفْيٌ لِإيجابِ الجَزاءِ. وعَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ العائِدُ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ قَتْلِهِ لِصَيْدٍ آخَرَ قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: ( عَفا اللَّهُ عَمّا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ومَن عادَ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ ) وإنْ كانَ أوَّلُ صَيْدٍ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ وإذا كانَ فِيهِ احْتِمالُ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ العائِدَ في قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ قَتْلِهِ مَرَّةً أُخْرى لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا الِانْتِقامُ.
* * *
فَصَلٌ: في اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَلصِّيامِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اَلْيَمِينِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ يُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي حَنِيفَةَ في المُحْرِمِ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَزِمَهُ جَزاؤُهُ أنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ ما أكَلَ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ الغُرْمَ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ بِإخْراجِ هَذا القَدْرِ مِن مالِهِ، فَإذا أكَلَ مِنهُ فَقَدْ رَجَعَ مِنَ الغُرْمِ في مِقْدارِ ما أكَلَ مِنهُ، فَهو غَيْرُ ذائِقٍ بِذَلِكَ وبالَ أمْرِهِ؛ لِأنَّ مَن غَرِمَ شَيْئًا وأخَذَ (p-١٤٢)مِثْلَهُ لا يَكُونُ ذائِقًا وبالَ أمْرِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ. وقالَ أصْحابُنا: ( إنْ شاءَ المُحْرِمُ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ مِنَ الطَّعامِ يَوْمًا، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ بَعْضٍ وأطْعَمَ بَعْضًا ) فَأجازُوا الجَمْعَ بَيْنَ الصِّيامِ والطَّعامِ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّيامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ مَعَ الإطْعامِ فَلَمْ يُجِيزُوا الجَمْعَ بَيْنَهُما، وفَرَّقُوا أيْضًا بَيْنَهُ وبَيْنَ العِتْقِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِأنْ يَعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ ويُطْعِمَ خَمْسَةَ مَساكِينَ. فَأمّا الصَّوْمُ في جَزاءِ الصَّيْدِ فَإنَّما أجازُوا الجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّعامِ مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الصِّيامَ عَدْلًا لِلطَّعامِ ومِثْلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾ أنْ يَكُونَ مِثْلًا لَهُ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ؛ إذْ لا تَشابُهَ بَيْنَ الصِّيامِ وبَيْنَ الطَّعامِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ المُماثَلَةُ بَيْنَهُما في قِيامِهِ مَقامَ الطَّعامِ ونِيابَتِهِ عَنْهُ لِمَن صامَ بَعْضًا، فَكَأنَّهُ قَدْ أطْعَمَ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَجازَ ضَمُّهُ إلى الطَّعامِ فَكانَ الجَمِيعُ طَعامًا.
وأمّا الصِّيامُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ فَإنَّما يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الطَّعامِ وهو بَدَلٌ مِنهُ، فَغَيْرُ جائِزٍ الجَمْعُ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ واجِدًا أوْ غَيْرَ واجِدٍ، فَإنْ كانَ واجِدًا لِلطَّعامِ لَمْ يُجْزِهِ الصِّيامُ، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِدٍ فالصَّوْمُ فَرْضُهُ بَدَلًا مِنهُ، وغَيْرُ جائِزٍ الجَمْعُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، كالمَسْحِ عَلى أحَدِ الخُفَّيْنِ وغَسْلِ الرِّجْلِ الأُخْرى وكالتَّيَمُّمِ والوُضُوءِ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في امْتِناعِ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الصِّيامِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ، وأمّا العِتْقُ والطَّعامُ فَإنَّما لَمْ يَجُزِ الجَمْعُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ كَفّارَةَ اليَمِينِ أحَدَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ فَإذا أعْتَقَ النِّصْفَ وأطْعَمَ النِّصْفَ فَهو غَيْرُ فاعِلٍ لِأحَدِهِما فَلَمْ يُجْزِهِ، والعِتْقُ لا يَتَقَوَّمُ فَيُجْزِي عَنِ الجَمِيعِ بِالقِيمَةِ، ولَيْسَ هو مِثْلُ أنْ يَكْسُوَ خَمْسَةً ويُطْعِمُ خَمْسَةً فَيُجْزِي بِالقِيمَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ مُتَقَوِّمٌ فَيُجْزِي عَنْ أحَدِهِما بِالقِيمَةِ.
* * *
(فَصْلٌ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ يَنْتَظِمُ الواحِدَ والجَماعَةَ إذا قَتَلُوا في إيجابِ جَزاءٍ تامٍّ عَلى كُلِّ واحِدٍ؛ لِأنَّ ( مَن ) يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ عَلى حِيالِهِ في إيجابِ جَمِيعِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قَدِ اقْتَضى إيجابَ الرَّقَبَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ إذا قَتَلُوا نَفْسًا واحِدَةً؛ وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] وعِيدٌ لِكُلِّ واحِدٍ عَلى حِيالِهِ.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وعِيدٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ؛ وهَذا مَعْلُومٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَتَدافَعُونَهُ، وإنَّما يَجْهَلُهُ مَن لا حَظَّ لَهُ فِيها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلَوْ قَتَلَ جَماعَةٌ رَجُلًا كانَتْ عَلى جَمِيعِهِمْ دِيَةٌ (p-١٤٣)واحِدَةٌ، والدِّيَةُ إنَّما دَخَلَتْ في اللَّفْظِ حَسَبَ دُخُولِ الرَّقَبَةِ.
قِيلَ لَهُ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وعُمُومُهُ إيجابُ دِياتٍ بِعَدَدِ القاتِلِينَ، وإنَّما اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى دِيَةٍ واحِدَةٍ بِالإجْماعِ، وإلّا فالظّاهِرُ يَقْتَضِيهِ.
ألا تَرى أنَّهُما لَوْ قَتَلاهُ عَمْدًا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَأنَّهُ قاتِلٌ لَهُ عَلى حِيالِهِ ويُقْتَلانِ جَمِيعًا بِهِ ؟ ألا تَرى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ لا يَرِثُ وأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَنزِلَةِ مَن قَتَلَ بَعْضَهُ لَوَجَبَ أنْ لا يُحْرَمَ المِيراثَ مِمّا قَتَلَهُ مِنهُ غَيْرُهُ ؟ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا لا يَرِثانِ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كَأنَّهُ قاتِلٌ لَهُ وحْدَهُ، كَذَلِكَ في إيجابِ الكَفّارَةِ؛ إذْ كانَتِ النَّفْسُ لا تَتَبَعَّضُ، وكَذَلِكَ قاتِلُو الصَّيْدِ كُلُّ واحِدٍ كَأنَّهُ مُتْلِفٌ لِلصَّيْدِ عَلى حِيالِهِ؛ فَتَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ كَفّارَةٌ تامَّةٌ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى ذَلِكَ كَفّارَةً بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ وجَعَلَ فِيها صَوْمًا، فَأشْبَهَتْ كَفّارَةُ القَتْلِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما هو جَزاءٌ واحِدٌ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أنْ يَكُونُوا جَماعَةً أوْ واحِدًا، وأنْتَ تَقُولُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَزاءانِ وثَلاثَةٌ وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: هَذا الجَزاءُ يَنْصَرِفُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم، ونَحْنُ لا نَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءانِ وثَلاثَةٌ وإنَّما يَجِبُ عَلَيْهِ جَزاءٌ واحِدٌ؛ واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى كُلِّ واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ( قَتَلُوا ) فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ واحِدًا؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ ( شَرْحِ المَناسِكِ ) .
والخَصْمُ يَحْتَجُّ عَلَيْنا بِهَذِهِ الآيَةِ في القارِنِ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا جَزاءٌ واحِدٌ بِظاهِرِ الكِتابِ. والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّهُ مُحْرِمٌ عِنْدَنا بِإحْرامَيْنِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ، وإذا صَحَّ لَنا ذَلِكَ ثُمَّ أُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَيْهِما وجَبَ أنْ يَجْبُرَهُما بِدَمَيْنِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ الهَدْيَ لا يُجْزِي إلّا بِمَكَّةَ، وأنَّ بُلُوغَهُ الكَعْبَةَ أنْ يَذْبَحَهُ هُناكَ في الحَرَمِ، وأنَّهُ لَوْ هَلَكَ بَعْدَ دُخُولِهِ الحَرَمَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَهُ أنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا آخَرَ غَيْرَهُ. وقالَ أصْحابُنا: إذا ذَبَحَهُ في الحَرَمِ بَعْدَ بُلُوغِ الكَعْبَةِ فَإنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ تَعَيَّنَتْ فِيهِ بِالذَّبْحِ، فَصارَ كَمَن قالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أتَصَدَّقَ بِهَذا اللَّحْمِ، فَسُرِقَ فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
واتَّفَقَ الفُقَهاءُ أيْضًا عَلى جَوازِ الصَّوْمِ في غَيْرِ مَكَّةَ، واخْتَلَفُوا في الطَّعامِ، فَقالَ أصْحابُنا: ( يَجُوزُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شاءَ )؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا يُجْزِي إلّا أنْ يُعْطِيَ مَساكِينَ مَكَّةَ ) . والدَّلِيلُ عَلى جَوازِهِ حَيْثُ شاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ وذَلِكَ عُمُومٌ في سائِرِهِمْ، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِمَكانٍ إلّا بِدَلالَةٍ، ومَن قَصَرَهُ عَلى مَساكِينِ مَكَّةَ فَقَدْ خَصَّ (p-١٤٤)الآيَةَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وأيْضًا لَيْسَ في الأُصُولِ صَدَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَكانٍ لا يَجُوزُ أداؤُها في غَيْرِهِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ صَدَقَةً وجَبَ جَوازُها في سائِرِ المَواضِعِ قِياسًا عَلى نَظائِرِها مِنَ الصَّدَقاتِ؛ ولِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِمَكانٍ خارِجٍ عَنِ الأُصُولِ، وما خَرَجَ عَنِ الأُصُولِ وظاهِرِ الكِتابِ مِنَ الأقاوِيلِ فَهو ساقِطٌ مَرْذُولٌ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالهَدْيُ سَبِيلُهُ الصَّدَقَةُ وهو مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ قِيلَ لَهُ: ذَبْحُهُ مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ، فَأمّا الصَّدَقَةُ فَحَيْثُ شاءَ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا أنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ في الحَرَمِ ثُمَّ أخْرَجَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ في غَيْرِهِ أجْزَأهُ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ الصِّيامِ في غَيْرِ مَكَّةَ وهو جَزاءٌ لِلصَّيْدِ ولَيْسَ بِذَبْحٍ، وجَبَ مِثْلُهُ في الطَّعامِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
* * *
واخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ " لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ " هَلْ يَجُوزُ لَهُ نَحْرُها بِغَيْرِ مَكَّةَ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " لا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ إلّا بِمَكَّةَ " . ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَن نَذَرَ هَدْيًا أنَّ عَلَيْهِ ذَبْحَهُ بِمَكَّةَ وأنَّ مَن قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ " أنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ شاءَ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: " مَن نَذَرَ جَزُورًا نَحَرَها حَيْثُ شاءَ، وإذا نَذَرَ بَدَنَةً نَحَرَها بِمَكَّةَ "، وكَذا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ، وكَذا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وسالِمٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالا: " إذا جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ هَدْيًا فَبِمَكَّةَ وإذا قالَ بَدَنَةٌ فَحَيْثُ نَوى " . وقالَ مُجاهِدٌ: " لَيْسَتِ البُدْنُ إلّا بِمَكَّةَ " . وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ البَدَنَةَ بِمَنزِلَةِ الجَزُورِ ولا يَقْتَضِي إهْداءَها إلى مَوْضِعٍ فَكانَ بِمَنزِلَةِ ناذِرِ الجَزُورِ والشّاةِ ونَحْوِها، وأمّا الهَدْيُ فَإنَّهُ يَقْتَضِي إهْداءَهُ إلى مَوْضِعٍ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ فَجَعَلَ بُلُوغَ الكَعْبَةِ مِن صِفَةِ الهَدْيِ. ويُحْتَجُّ لِأبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] فَكانَ اسْمُ البَدَنَةِ مُفِيدًا لِكَوْنِها قُرْبَةً كالهَدْيِ؛ إذْ كانَ اسْمُ الهَدْيِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قُرْبَةً مَجْعُولًا لِلَّهِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزِ الهَدْيُ إلّا بِمَكَّةَ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ البَدَنَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا لا يَلْزَمُ مِن قِبَلِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ ذَبْحُهُ قُرْبَةً فَهو مُخْتَصٌّ بِالحَرَمِ؛ لِأنَّ الأُضْحِيَّةَ قُرْبَةٌ، وهي جائِزَةٌ في سائِرِ الأماكِنِ، فَوَصْفُهُ لِلْبُدْنِ بِأنَّها مِن شَعائِرِ اللَّهِ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالحَرَمِ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰلِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق