الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآيَةَ: ٩٥. يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِهِ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. ويَحْتَمِلُ دُخُولَ الحَرَمِ، يُقالُ: أحْرَمَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الحَرَمَ، كَما يُقالُ: أبْحَرَ إذا أتى بَحْرًا، وأعْرَقَ إذا أتى العِراقَ، واتَّهَمَ إذا أتى تِهامَةَ، والثّالِثُ الدُّخُولُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎قَتْلُ الخَلِيفَةِ مُحَرَّمًا
والوَجْهُ الثّالِثُ عَلى خِلافِ الإجْماعِ، فَلا يَكُونُ مُرادًا بِالآيَةِ، فَبَقِيَ الوَجْهانِ الأوَّلانِ. إذا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾، (p-١٠٤)فَدَلَّ مُطْلَقُ الصَّيْدِ عَلى تَحْرِيمِ اصْطِيادِ كُلِّ ما يُصْطادُ مِن بَرِّيٍّ أوْ بَحْرِيٍّ، لَوْلا ما اسْتَثْناهُ مِنَ البَحْرِيِّ. ولَمّا قالَ: لا تَقْتُلُوا، أمْكَنَ أنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَبِيحَةَ المُحْرِمِ مَيْتَةٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاها قَتْلًا، والمَقْتُولُ لا يُؤْكَلُ، وإنَّما المَأْكُولُ هو الَّذِي يُذْبَحُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَتْلَ والذَّبْحَ في عُرْفِ اللُّغَةِ واحِدٌ، فَهَذا إنْ كانَ فَرْقًا، فَهو فَرْقٌ مَأْخُوذٌ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ، ولَيْسَ يَظْهَرُ مِن عُرْفِ الشَّرْعِ هَذا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وكانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا، ويُقالُ: ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ وذَبِيحَةُ الوَثَنِيِّ.
نَعَمِ؛ الَّذِي يُقْطَعُ مِنهُ الحَلْقُ واللِّبَةُ يُسَمّى في العُرْفِ والعادَةِ مَذْبُوحًا سَواءٌ كانَ مُباحًا أوْ مُحَرَّمًا، والَّذِي يُرْمى مِن بَعِيدٍ ولا يُذْبَحُ مِنَ المَذْبَحِ المُعْتادِ، يُسَمّى مَقْتُولًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الفِعْلُ قَتْلًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] .
وكُلُّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
ومِنهُ ما سُمِّيَ مَذْبُوحًا، ومِنهُ ما سَمّاهُ مَوْقُوذًا، فَلا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ هَذا الِاسْمِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأبُو حَنِيفَةَ جَعَلَ ذَلِكَ أصْلًا، فَقالَ: إذا قالَ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أذْبَحَ ولَدِي، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ. وإذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ، لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا، فَأبُو حَنِيفَةَ يَرى اتِّباعَ عُمُومِ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ، فَأوْجَبَ الجَزاءَ بِقَتْلِ النَّمِرِ والفَهْدِ والسِّباعِ المُؤْذِيَةِ العادِيَّةِ لِطِباعِها، إذا قَتَلَها المُحْرِمُ مِن غَيْرِ صِيالٍ مِنها. (p-١٠٥)وذَكَرَ القَعْنَيُّ عَنْ مالِكٍ: ورَدَ في الخَبَرِ: «والكَلْبُ العَقُورُ،» والكَلْبُ العَقُورُ هو الَّذِي أُمِرَ المُحْرِمُ بِقَتْلِهِ ما قَتَلَ النّاسَ وعَدا عَلَيْهِمْ بِجِبِلَّتِهِ، مِثْلَ الأسَدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ، والكَلْبِ العَقُورِ، وما كانَ مِنَ السِّباعِ لا يَعْدُو مِثْلَ الضَّبُعِ والهِرَّةِ والثَّعْلَبِ، فَلا يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ، فَإنْ قَتَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَداهُ.
واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى مُوجَبِ ما ورَدَ في الخَبَرِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وعائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ والعَقْرَبُ والغُرابُ والفَأرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ عَلى اخْتِلافٍ مِنهُمْ، وفي بَعْضِها: هُنَّ فَواسِقُ»، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الكَلْبُ العَقُورُ: الأسَدُ.
ويَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا عَلى عُتْبَةَ ابْنِ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ: أكَلَكَ كَلْبُ اللَّهِ» فَأكَلَهُ الأسَدُ. وقِيلَ: إنَّ الكَلْبَ العَقُورَ هو الذِّئْبُ، ودَلَّ لَهم ذِكْرُ العَقُورِ عَلى أنَّ العُقْرَ بِصُورَتِهِ وقَصْدِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، ولَكِنَّهُ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهِ كَفى، فَيَدُلُّ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ التَّنْبِيهِ ضَرُورَةً عَلى أنَّ الصَّيْدَ إذا صالَ عَلى المُحْرِمِ وقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ فَلا ضَمانَ.
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهِ عَلى أنْ لا ضَمانَ في كُلِّ سَبُعٍ عادِيٍّ بِطَبْعِهِ، فَإنَّ ذِكْرَ العَقُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما في طَبْعِهِ مِنَ الضَّراوَةِ قائِمًا مَقامَ ما يَظْهَرُ مِنهُ لِكُلِّ سَبُعٍ عادِيٍّ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما في طَبْعِهِ مِنَ الضَّراوَةِ قائِمًا مَقامَ ما يَظْهَرُ مِنهُ، (p-١٠٦)فَهَذا صَحِيحٌ عَلى ما هو قَوْلُ مالِكٍ، ويَظْهَرُ الكَلامُ فِيهِ عَلى أبِي حَنِيفَةَ، وذَكَرَ الرّازِيُّ فُصُولًا في مَنعِ التَّعْلِيلِ، كَرِهْنا ذِكْرَها لِسَقاطَتِها، ولِكَوْنِها أقَلَّ مِمّا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِها وتَكَلُّفِ الجَوابِ عَنْها، فاعْلَمْهُإلّا أنَّ الإشْكالَ في السِّباعِ الَّتِي لا تَعْدُو ولا تَضْرى.
واعْلَمْ أنَّ ما لا يَعْدُو مِنها فَأكْثَرُها مَأْكُولُ اللَّحْمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، كالضَّبُعِ والثَّعْلَبِ، يَبْقى ذَلِكَ ما لا يُسَمّى صَيْدًا مِثْلَ الهِرَّةِ الأهْلِيَّةِ، وهي غَيْرُ داخِلَةٍ في عُمُومِ الآيَةِ. وبَعْدُ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقابَلَهُ بِصَيْدِ البَرِّ فَقالَ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]، عُلِمَ أنَّهُ إنَّما حُرِّمَ لِلْأكْلِ، فانْصَرَفَ إلى ما يُؤْكَلُ بِحالٍ، ثُمَّ قالَ: ما دُمْتُمْ حُرُمًا، فَمَدَّ التَّحْرِيمَ إلى غايَةٍ، والَّذِي هو مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، لا يُقالُ فِيهِ حُرِّمَ عَلَيْكم ما دُمْتُمْ حُرُمًا، ويُجْعَلُ في مُقابَلَتِهِ صَيْدُ البَرِّ، فَهَذا هو الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الشّافِعِيُّ في تَخْصِيصِ الآيَةِ في مَأْكُولِ اللَّحْمِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ . اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ؛ فَمِنهم مَن سَوّى بَيْنِ العَمْدِ والخَطَأِ وهم جُمْهُورُ العُلَماءِ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالعَمْدِ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ وداوُدَ، والَّذِينَ مالُوا إلى مُوجَبِ الجُمْهُورِ، وذَكَرُوا أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ المُتَعَمَّدِ يَظْهَرُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالعَمْدِ دُونَ الخَطَأِ، لِأنَّ المُخْطِئَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ، فَخَصَّصَ العَمْدَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ الخَطَأُ والنِّسْيانُ مِثْلَهُ لِيَصِحَّ رُجُوعُ الوَعِيدِ إلَيْهِ، وإذا صَحَّ مُجْمَلُ التَّخْصِيصِ (p-١٠٧)ساغَ قِياسُ الخَطَأِ عَلى العَمْدِ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ بَدَلَ المُتْلِفِ هو الجَزاءُ، وهو مُقَدَّرٌ بِمِثْلِ الفائِتِ، إمّا بِقِيمَتِهِ مِنَ الدَّراهِمِ أوِ الدَّنانِيرِ أوِ النِّعَمِ، وأبْدالُ المُتْلَفاتِ يَسْتَوِي العَمْدُ والخَطَأُ كالدِّياتِ وقِيَمِ المُتْلَفاتِ، وغايَةُ ما في النِّسْيانِ أنْ يُقَدِّرَ عُذْرًا، والعُذْرُ لا يُسْقِطُ الجَزاءَ المُتَعَلِّقَ بِالجَنابَةِ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحَلْقُ لِلْأذى، إلّا أنَّ هَذا لا يَسْتَقِيمُ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ، فَإنَّهُ فَرَّقَ في اللَّبْسِ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ، وكَذَلِكَ في التَّطَيُّبِ، ولِأنَّ الصَّوْمَ يَبْعُدُ جَعْلُهُ بَدَلًا مِنَ العَيْنِ، وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الصِّيامَ فَقالَ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ، ومَتى وجَبَ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ اخْتَلَفَ المُتَعَمِّدُ والسّاهِي، لِأنَّ السّاهِيَ لَيْسَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الصِّيامُ في حَقِّ المُخْطِئِ عَلى ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ المُتَعَمِّدِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ يُجَوِّزُ إيجابَ الصَّوْمِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ البَدَلِ، وقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِن أصْلِهِ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِقَتْلِ الآدَمِيِّ.
والجُمْلَةُ، وُجُوبُ الجَزاءِ عَلى النّاسِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ مَسْلَكٌ عَلى أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ لا يَرى إثْباتَ الكَفّاراتِ بِالقِياسِ، والَّذِي نَحْنُ فِيهِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ الكَفّاراتِ عِنْدَهُ، حَتّى إذا اشْتَرَكَ المُحْرِمُونَ عِنْدَهُ في قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ، بِخِلافِ صَيْدِ الحَرَمِ، فَإنَّهُ وجَبَ بِالجِنايَةِ عَلى الإحْرامِ، وجِنايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم كامِلَةٌ، وذَلِكَ يُخْرِجُ الجَزاءَ عَنْ كَوْنِهِ بَدَلًا، ومَتى ثَبَتَ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى الفِعْلِ، كَيْفَ يَجِبُ عَلى الخاطِئِ؟ سِيَّما والكَفّاراتُ عِنْدَهُ لا تُثْبِتُ قِياسًا، ولَمّا ورَدَ النَّصُّ في الكَفّارَةِ بِقَتْلِ الآدَمِيِّينَ في الخَطَأِ لَمْ يَجُزْ قِياسُ قَتْلِ العَمْدِ عَلَيْهِ سَواءٌ وجَبَ القَصاصُ في العَمْدِ أوْ لَمْ يَجِبْ، مِثْلَ قَتْلِ الأبِ ابْنَهُ، والسَّيِّدِ عَبْدَهُ، فَكَيْفَ أجازُوا قِياسَ (p-١٠٨)الخاطِئِ عَلى العامِدِ هاهُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ في حالَةِ النِّسْيانِ، وتَكَلَّفَ الرّازِيُّ فُرُوقًا بَيْنَهُما، فَقالَ: في العَمْدِ تَوَلّى اللَّهُ بَيانَ حُكْمِهِ، وفي الخَطَأِ تَوَلّى اللَّهُ بَيانَ حُكْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ قِياسُ مَنصُوصٍ عَلى مَنصُوصٍ. وهَذا جَهْلٌ مُفْرِطٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ حُكْمَ العَمْدِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، وسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الكَفّارَةِ، فَإنْ كانَ السُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ الكَفّارَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ المَسْكُوتِ عَنْهُ، فَهَلّا كانَ ذِكْرُ العَمْدِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ الحُكْمِ في المَسْكُوتِ عَنْهُ وهو الخَطَأُ، بَلْ أوْلى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أبانَ اخْتِصاصَ الجَزاءِ بِالعَمْدِ، وإنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ لا يَتَعَلَّقُ بِالخَطَأِ، فَإنْ قالَ: ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا وجَبَ أنْ يَخْتَصَّ حُكْمُ الجَزاءِ بِالعَمْدِ ولا يُشْرِكُهُ الخَطَأ. فاعْلَمْ. وذَكَرَ فَرْقًا آخَرَ فَقالَ: إنَّ العَمْدَ لَمْ يَخْلُ مِن إيجابِ القَوْدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الكَفّارَةِ، ومَتى أخْلَيْنا قاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً مِن إيجابِ الجَزاءِ أهْدَرْنا، وذَلِكَ بَعِيدٌ، وإبْطالٌ لِحُرْمَةِ الصَّيْدِ.
فَيُقالُ: إنَّ القِصاصَ الواجِبَ لِلْآدَمِيِّ لا يَسُدُّ مَسَدَّ الكَفّارَةِ، وقَدْ يَجِبُ القَصاصُ، ولا كَفّارَةَ مِثْلَ قَتْلِ الأبِ ابْنَهُ والسَّيِّدِ عَبْدَهُ، وقَوْلُهُ: إنّا لَوْ لَمْ يُوجِبِ الجَزاءَ في الصَّيْدِ أهْدَرْنا، إنَّما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ وجَبَ الجَزاءُ بَدَلًا عَنِ الصَّيْدِ، وعِنْدَهُ أنَّهُ ما وجَبَ بَدَلًا، وإنَّما وجَبَ عُقُوبَةً عَلى الفِعْلِ، ولِذَلِكَ يَجِبُ عَلى المُشْتَرِكِينَ عَلى كُلِّ واحِدٍ كَمالُ الجَزاءِ، (p-١٠٩)وهَذا بَيِّنٌ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآيَةَ: اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمِثْلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المِثْلَ نَظِيرُهُ في الخِلْقَةِ، فَفي الظَّبْيَةِ شاةٌ، وفي النَّعامَةِ بَدَنَةٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فِيما لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النِّعَمِ، وما لا نَظِيرَ لَهُ كالعَصافِيرِ وغَيْرِها، فَفِيهِ القِيمَةُ.
وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ يَرَوْنَ أنَّ المِثْلَ هو القِيمَةُ، ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا، وإنْ شاءَ طَعامًا، وأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا.
وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِلشّافِعِيِّ، فَإنَّ الَّذِي يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ المِثْلِ، المِثْلُ مِن حَيْثُ الخِلْقَةِ، يُقالُ فِيمَن أتْلَفَ طَعامًا عَلَيْهِ المِثْلُ، وفِيمَن أتْلَفَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ القِيمَةُ، فَإنَّ الطَّعامَ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ، ولا مِثْلَ لِلصَّيْدِ مِن جِنْسِهِ، إلّا أنَّ الفَرْقَ أنَّ المِثْلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، وإنْ رُوعِيَ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ فَهو مِن غَيْرِ جِنْسِ الصَّيْدِ، مِثْلَ إيجابِنا البَدَنَةَ في النَّعامَةِ، والكَبْشَ في الضَّبُعِ، وهَذا لا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مِثْلًا مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المِثْلَ في المُتَعارَفِ هو المِثْلُ مِن حَيْثُ الخِلْقَةُ والصُّورَةُ، فاعْلَمْهُ.
ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ المُماثَلَةَ في القَصاصِ مُرْعِبَةٌ، ولا نَعْنِي بِالمُماثَلَةِ ما نَعْنِيهِ في ذَرّاتِ الأمْثالِ، وإنَّما نَعْنِي المُماثَلَةَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ المُماثَلَةَ إذا أُطْلِقَتْ، فالمَفْهُومُ مِنها المُماثَلَةُ مِن غَيْرِ الصُّورَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: القِيمَةُ مِثْلٌ في المالِيَّةِ شَرْعًا، ولَمْ يَثْبُتْ في عُرْفِ الشَّرْعِ أنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ مِن جِنْسٍ آخَرَ مِنَ النِّعَمِ، وأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى مِثْلًا، نَعَمِ (p-١١٠)القِيمَةُ مِثْلٌ لِلشَّيْءِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والَّذِي في ذَواتِ الأمْثالِ مِثْلٌ مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والمَعْنى، أمّا البَدَنَةُ في قَتْلِ النَّعامَةِ فَلَيْسَتْ مِثْلًا لِلنَّعامَةِ لا صُورَةً ولا مَعْنًى، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا طَرِيقَ أصْلًا إلى ما قُلْناهُ.
والجَوابُ أنَّ المُعْتَبَرَ في ذَلِكَ فَهْمُ مَعْنى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وتَتَبُّعُ دَلالَتِهِ، فَإذا قالَ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ كانَ المِثْلُ مِنَ النِّعَمِ، والمِثْلُ مِنَ النِّعَمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ القِيمَةِ، فَإنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ مِثْلًا لِلْعَبْدِ في الإطْلاقِ وإنْ ساواهُ في القِيمَةِ. نَعَمْ، إنّا لا نُطْلِقُ القَوْلَ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولَكِنْ إذا قِيلَ: مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا المُماثَلَةُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ الصُّورَةُ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى إيجابِ البَدَنَةِ في النَّعامَةِ، أفَيَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ قِيمَةَ النَّعامَةِ بَدَنَةٌ في زَمَنِ الصَّحابَةِ وفي زَمَنِ التّابِعِينَ قِيمَتُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وهَلْ سَمِعْنا أنَّ قِيمَةَ النَّعامَةِ كانَتْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ قِيمَةَ بَدَنَةٍ، قالُوا: القِيمَةُ مَعْنِيَّةٌ بِهَذا المِثْلِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ، فَواجِبٌ أنْ يُفْهَمَ مِنَ اللَّفْظِ في الكَبِيرِ مِنَ الصَّيْدِ ما فُهِمَ مِنَ الصَّغِيرِ، فَإنَّ اللَّفْظَ اشْتَمَلَ عَلَيْها اشْتِمالًا واحِدًا، ومَتى اعْتُبِرَ النَّظِيرُ اخْتَصَّ اللَّفْظُ بِبَعْضِ المُسَمَّياتِ.
الجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالُوهُ، وتَحَكَّمَ، فَإنَّ الآيَةَ نَصٌّ في إيجابِ المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فَإذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَمَعْناهُ: بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، والجَزاءُ مِنَ النَّعَمِ بِطَرِيقِ المُماثَلَةِ، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، أوْ فَجَزاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، لَمْ يُمْكِنْ طَرْحُ النَّعَمِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ القِيمَةَ أصْلًا، وكَذَلِكَ هاهُنا. وعَلى هَذا لا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلى صِفاتِ الصُّيُودِ، وإنَّما وُجُوبُ القِيمَةِ فِيها مُتَلَقًّى مِنَ الإجْماعِ. (p-١١١)فَإنْ قِيلَ: سَمّى اللَّهُ تَعالى القِيمَةَ مِثْلًا في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ بِهِ القِيمَةَ وإنَّما المُرادُ بِهِ: القَصاصُ والمُماثَلَةُ فِيهِ، فَإنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى الِاعْتِداءِ، لا عَلى القِيمَةِ الَّتِي تَجِبُ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ إتْلافُ مالِ الغَيْرِ، ويَجِبُ شَرْطُ الضَّمانِ، فَوَصْفُ الِاعْتِداءِ في ضَمانِ القِيمَةِ لَغْوٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ القَصاصُ، وهَذا بَيِّنٌ جِدًّا.
فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . ولَوْ كانَ الواجِبُ مِثْلَ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ البَدَنَةِ في النَّعامَةِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ. ومِثْلُ الكَبْشِ في الضَّبُعِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ فِيهِ إلى الِارْتِياءِ والنَّظَرِ ومَعْرِفَةِ الشَّكْلِ حَتّى يَحْتاجَ فِيهِ إلى ذَوِي عَدْلٍ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَوِي العَدْلِ فِيما يَخْتَلِفُ ويَتَفاوَتُ فِيهِ النَّظَرُ ويَضْطَرِبُ فِيهِ الرَّأْيُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ذُكِرَ الطَّعامُ والصِّيامُ ولَيْسا مِثْلًا وأُدْخِلَ ”أوْ“ بَيْنَهُما وبَيْنَ النِّعَمِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ الآيَةِ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أوْ مِنَ الطَّعامِ أوِ الصِّيامِوَتَقْدِيمُ ذِكْرِ النَّعَمِ في التِّلاوَةِ لا يُوجَدُ تَقْدِيمُهُ في المَعْنى، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ مَعًا، فَلا فَرْقَ عَلى هَذا بَيْنَ هَذا التَّرْتِيبِ المَوْجُودِ مِنَ الآيَةِ، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ طَعامًا أوْ صِيامًا ومِنَ النَّعَمِ هَدْيًا، ونَظِيرُهُ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ، أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، [المائدة: ٨٩] ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الطَّعامِ مُقَدَّمًا عَلى الكُسْوَةِ، ولا الكُسْوَةِ مُقَدَّمَةً عَلى العِتْقِ، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ في لَفْظٍ (p-١١٢)واحِدٍ مَعًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ النَّعَمِ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ.
الجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالُوهُ غَلَطٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ في اعْتِبارِ حالِ الصَّيْدِ في صِغَرِهِ وكِبَرِهِ، مُوجِبٌ في أدْنى النَّعَمِ بَدَنَةً عَلى قَدْرِها، وفي الرَّفِيعَةِ عَلى قَدْرِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُكْمَ ذَوِي العَدْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ والصِّيامَ، قِيلَ: لا جَرَمَ لا يَحْسُنُ في الإطْلاقِ أنْ يَقُولَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ الطَّعامِ أوِ الصِّيامِ أوِ الصَّلاةِ، إنْ ورَدَ الشَّرْعُ بِالصَّلاةِ، فَإنَّ الصَّوْمَ لا يَكُونُ مِثْلًا لِلْحَيَوانِ في الإطْلاقِ، وكَذَلِكَ الطَّعامُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، أوِ الطَّعامِ إذا لَمْ يَرِدِ المِثْلُ، أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا، فالمُماثَلَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِن جِهَةِ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ في النَّعَمِ، ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في الطَّعامِ والصِّيامِ. قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ كَلامٌ تامٌّ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ المِثْلُ مُضَمَّنًا بِالنَّعَمِ مَعَ اسْتِغْناءِ الكَلامِ عَنْهُ، لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ لَهُ حُكْمُهُ، غَيْرُ جائِزٍ تَضْمِينُهُ بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ سِواهُ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ”مِنَ النَّعَمِ“ مَعْلُومٌ أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ إرادَةِ الحَرَمِ، فَمَعْناهُ: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ، هَدْيًا إنْ أرادَ الهَدْيَ، والطَّعامَ إنْ أرادَ الطَّعامَ، فَلَيْسَ هو إذًا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، كَما أنَّ الطَّعامَ والصِّيامُ لَيْسا المِثْلَ المَذْكُورَ. والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾، أنَّ قَدْرَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ كانَ مُجْمَلًا لا يَكْفِي في البَيانِ، فَإنَّ المِثْلَ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. (p-١١٣)وقَوْلُهُ: ”مِنَ النَّعَمِ“ بَيانُ ذَلِكَ الإجْمالِ لا مَحالَةَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، وهَذا مَعْلُومٌ ضَرُورَةً، وإنَّما كانَ يَسْتَقِيمُ ما ذَكَرُوهُ، أنْ لَوْ كانَ صَدْرُ الكَلامِ مُسْتَقِلًّا بِالبَيانِ وفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنّا لا نُثْبِتُ المُماثَلَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ وتَوَهَّمُوهُ، وإنَّما نَقُولُ: يُقَوِّمُ الهَدْيَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا، فَلا مُماثَلَةَ مَعَ الهَدْيِ بِوَجْهٍ، وإنَّما المُماثَلَةُ والمُقابَلَةُ مَعَ النَّعَمِ، ثُمَّ يُقَوِّمُ النَّعَمَ ويَشْتَرِي بِهِ طَعامًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المُماثَلَةَ مَعَ النَّعَمِ، ولَمْ يَذْكُرِ المُماثَلَةَ مَعَ الصَّيْدِ. نَعَمْ، أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ. فَأمّا الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ يَرى المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ يُقَوِّمُ المِثْلَ كَما في المِثْلِيّاتِ يُقَوِّمُ المِثْلَ، وتُوجَدُ قِيمَةُ المِثْلِ، فَسَتَكُونُ قِيمَةُ المِثْلِ كَقِيمَةِ الشَّيْءِ، فَإنَّ المِثْلَ هو الأصْلُ في الوُجُوبِ وهَذا لا غُبارَ عَلَيْهِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّ العاقَّ لا جَزاءَ عَلَيْهِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ. نَعَمْ؛ مَعْنى ذَلِكَ ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾، يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ احْتَجَّ بِهِ الرّازِيُّ لِأبِي حَنِيفَةَ، في أنَّ المُحْرِمَ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَزِمَهُ، جَزاؤُهُ أنَّ عَلَيْهِ (p-١١٤)قِيمَةَ ما أكَلَ، يَتَصَدَّقُ بِهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ الغُرْمَ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، فَلَوْ أكَلَ مِنهُ وأخَذَ مِثْلَهُ، فَلا يَكُونُ ذائِقًا وبالَ أمْرِهِ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، فَإنَّ الصَّيْدَ عِنْدَهُ مَيْتَةٌ، فَإذا أكَلَ المَيْتَةَ فَمِن أيْنَ يَكُونُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مالٌ مِثْلُ ما خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ .
اسْتَدَلَّ بِهِ الرّازِيُّ عَلى أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَماعَةِ جَزاءً كامِلًا، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن قَتَلَهُ﴾، وكُلُّ واحِدٍ يُسَمّى قاتِلًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الرَّقَبَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لَيْسَ قاتِلًا حَقِيقَةً بَلْ هم قَتَلَةٌ، وهم كَشَخْصٍ واحِدٍ، وهَذا بَيَّنّاهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولَيْسَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْتَرِكِينَ دِيَةً كامِلَةً، فاعْلَمْهُ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰلِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق