الباحث القرآني
قال تعالى: ﴿ياأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ [المائدة: ٩٥].
أنواعُ الصيدِ المحرَّمِ:
جعَلَ اللهُ الصيدَ على المُحرِمِ حرامًا، ويحرُمُ صيدُ البَرِّ عليه بجميعِ أنواعهِ، ويحرُمُ على قاصدِ البيتِ الحرامِ وعامِرِهِ الصيدُ، وهو على نوعَيْنِ:
الأولُ: الصيدُ المتعلِّقُ بحالٍ، وهي حالُ إحرامِه، فما دام مُحرِمًا يحرُمُ عليه صيدُ البَرِّ حتى يَحِلَّ، مهما كان موضعُهُ مِن الأرضِ، قبلَ المِيقاتِ أو دونَهُ، فمَن أحرَمَ قبلَ الميقاتِ مِن الشامِ أو مصرَ أو بيتِ المَقْدِسِ، حَرُمَ عليه صيدُ البَرِّ حتى يَحِلَّ.
الثاني: الصيدُ المتعلِّقُ بمكانٍ، وهو البلدُ الحرامُ، سواءٌ كان الصائدُ مُحرِمًا أو غيرَ مُحرِمٍ، وقد ثبَتَتِ السُّنَّةُ بذلك في أحاديثَ كثيرةٍ، منها قولُهُ ﷺ عن مكَّةَ: (لا يُخْتَلى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلاَّ لِمُعَرِّفٍ) [[أخرجه البخاري (١٣٤٩) (٢ /٩٢).]].
وإن كان مُحرِمًا، فالصيدُ في البلدِ الحرامِ أغلَظُ، لأنّ التحريمَ وقَعَ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ الحالِ، ومِن جهةِ المكانِ.
تغليظُ صيدِ الحَرَمِ:
وتحريمُ الصيدِ بالبلدِ الحرامِ أغلَظُ مِن تحريمِ الصيدِ على المحرِمِ في غيرِه، لأنّ اللهَ حرَّمَ في البلدِ الحرامِ عَضْدَ شجرِها، وتنفيرَ صيدِها، والتقاطَ لُقَطَتِها، وهذا تغليظٌ ليس في صيدِ المحرِمِ، ولا في لُقَطَتِهِ في غيرِ الحَرَمِ، ثمَّ إنّ المحرِمَ إنّما حرُمَ عليه الصيدُ، لأنّه قاصدٌ البلدَ الحرامَ، ولو كان قاصدًا لغيرِهِ، لم يحرُمْ عليه شيءٌ، فدَلَّ على أنّ أصلَ التعظيمِ متعلِّقٌ بالبلدِ الحرامِ.
وقولُه تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحرُمُ على المحرِمِ الصيدُ ولو لم يُرِدْ أكْلَهُ كمَن يَصِيدُهُ لغيرِه، ويحرُمُ أكلُ المُحرِمِ منه ولو كان الصائدُ حلالًا إنْ صِيدَ للمحرِمِ، فإنّ عِلةَ التحريمِ تتحقَّقُ في ذلك كلِّه.
صيدُ الحَلالِ:
ويخرُجُ مِن هذا: مَن صادَ صيدًا وهو حلالٌ، ثمَّ أحرَمَ فأكَلَ صيدَهُ السابقَ في حالِ إحرامِه، فلا حرَجَ عليه، وأَولى منه: مَن أكَلَ صيدًا لم يُصَدْ له وهو مُحرِمٌ وصادَهُ رجلٌ حلالٌ، فيجوزُ له أكلُهُ.
وقولُه تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، وتأكيدُهُ على وصفِ القتلِ بعدَ ذلك: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وقولُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾، فسمّاهُ قتلًا لا صيدًا، لأنّه يأخُذُ حُكْمَ المقتولِ غيرِ المأكولِ، فكأنّما قتَلَ محرَّمًا عليه كذِي نابٍ وذي مِخْلَبٍ، والعربُ تسمِّي الوحشيَّ المأكولَ: صيدًا، وغيرَ المأكولِ: مقتولًا، كما في حديثِ الفواسقِ الخمسِ ويأتي، وبهذه الآيةِ استَدَلَّ أحمدُ على أنّ كلَّ ما ذبحَهُ المحرِمُ من الصيدِ، فهو مَيْتةٌ، وشدَّد أحمدُ من حُرْمةِ صيد المحرِمِ، وأَنَّ مَن اضطُرَّ إلى الصيدِ أو المَيْتةِ، فإنه يأكُلُ المَيْتةَ، لأنّ الله رخَّص بها، ولم يرخِّصْ بصَيْدِ المحرِمِ للضرورةِ.
وفي قولِه: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ دليلٌ على تحريمِ تناوُلِ الصيدِ باليدِ ولو بغيرِ آلةٍ، كسَهْمٍ ورُمْحٍ وحَصاةٍ ورصاصةٍ، فالعِبْرةُ بقتلِه، ولو ذُبِحَ بسكينٍ فحُكْمُهُ كحُكْمِ المَيْتَةِ، ولذا قال تعالى فيما سبَقَ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكُمْ ورِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فما أمسَكَتْ به اليدُ مِن الطيورِ، ولو كان في حَجْرِ المحرِمِ أو ممّا جاء طوعًا، فأمسَكَ به، فهو صيدٌ محرَّمٌ.
صيدُ غيرِ المأكولِ:
ولا يُسمّى غيرُ المأكولِ صيدًا في كلامِ العربِ، فمَن قتَلَ غزالًا أو ظَبْيًا أو أرنبًا، يُقالُ: صادَهُ، ومَن قتَلَ عَقْرَبًا أو حَيَّةً أو كلبًا، يُقالُ: قتَلَهُ، ولا يُقالُ: صادَهُ، لأنّه لا يُؤكَلُ، ولهذا قال ﷺ: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ لَيْسَ عَلى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُناحٌ: الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ) [[أخرجه البخاري (١٨٢٦) (٣ /١٣)، ومسلم (١١٩٩) (٢ /٨٥٨).]]، فقال: قَتْلُهُنَّ أو يُقْتَلْنَ، ولم يَقُلْ: صَيْدُهُنَّ أو يُصَدْنَ.
ويُقاسُ عليهنَّ: ما أخَذَ حُكْمَهُنَّ ممّا يَضُرُّ الإنسانَ، فمَن قتَلَ حيَّةً أو زُنْبُورًا أو ذُبابةً أو بَعُوضةً أو حَشَرةً مِن دوابِّ الأرضِ تُؤذِيهِ، فليستْ صيدًا، ولا شيءَ عليه فيها، ومِثْلُ ذلك لو قتَلَها مِن غيرِ أذيَّةٍ فلا كفّارةَ فيها، وإنّما رُخِّصَ في الضارِّ أنْ يُقتَلَ، وغيرِ الضارِّ أنْ يُترَكَ، لأنّ قتلَهُ بلا سببٍ مكروهٌ.
وقاس أحمدُ ومالكٌ على الكلبِ: كلَّ سَبُعٍ يُؤذِي ويُخشى منه، وخَصَّ أبو حنيفةَ الذئبَ، لأنّه كلبٌ بَرِّيٌّ، ولم يَستثنِ غيرَه.
ولم يجعَلِ الشافعيُّ في قتلِ غيرِ مأكولِ اللحمِ للمحرِمِ شيئًا، ونسَبَ بعضُ الشافعيَّةِ إلى الشافعيِّ: جوازَ قتلِ كلِّ غيرِ مأكولِ اللحمِ، وفي إطلاقِ هذا القولِ عنه نظرٌ، وإطلاقُهُ بتحريمِ قتلِ الصيدِ المأكولِ لا يعني جوازَ قتلِ غيرِ المأكولِ بإطلاقٍ.
كفّارةُ الصيدِ للمحرِمِ:
وقولُه تعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ قَضى الصحابةُ والتابعونَ بأنّه يُحكَمُ على المتعمِّدِ والمخطِئِ، ولا فرقَ بينَهما، إلاَّ أنّ المتعمِّدَ يأثَمُ، والمُخطِئَ لا يأثَمُ، وبهذا قال عمرُ وابنُ عبّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، لأنّ السُّنَّةَ قضَتْ بذلك على العامدِ والناسي سواءً، فإنّ مَن صِيدَ له الصيدُ وهو لا يَعلَمُ به ولو كان الصائدُ حلالًا، حرُمَ عليه، فإنّ تحريمَهُ على المحرِمِ نفسِهِ بغيرِ قصدٍ للصيدِ منه مِن بابِ أولى، قال الزُّهْريُّ: «دَلَّ الكتابُ على العامِدِ، وجَرَتِ السُّنَّةُ على الناسي»[[«تفسير ابن كثير» (٣ /١٩٢).]].
ومُرادُ الزُّهْريِّ بالسُّنَّةِ: ما ورَدَ في الأثرِ مِن قولِ الصحابةِ، كعمرَ وابنِ عبّاسٍ وجماعةٍ مِن التابعينَ على ما تقدَّمَ.
وخصَّه طاوُسٌ بالمتعمِّدِ، لظاهِرِ الآيةِ، وهو روايةٌ لأحمدَ، وإنّما ذكَرَ التعمُّدَ، لاعتبارِ الغالبِ، فالصيدُ لا يُقصَدُ عن نسيانٍ، لأنّه تتبُّعٌ وقصدٌ ومشقَّةٌ لا يقعُ سهوًا ونسيانًا، والأحكامُ تُذكَرُ على غالبِ حالِها، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالغالبُ في الرَّبِيبَةِ: أنّها تكونُ في الحَجْرِ مع أمِّها.
وجعَلَ مجاهِدٌ التعمُّدَ في الآيةِ هو تعمُّدَ الصيدِ مع نسيانِ الإحرامِ، وأمّا مَن كان ذاكِرًا لإحرامِه، فإحرامُهُ باطلٌ، واختلَفَ لفظُ المَرْوِيِّ عنه، فتارَةً يقولُ: «ولا حَجَّ له»، كما رواهُ ليثٌ عنه[[«تفسير الطبري» (٨ /٦٧٤).]]، وفي روايةٍ قال: «فقد حَلَّ»، كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ[[«تفسير الطبري» (٨ /٦٧٤).]]، ولم يُوافَقْ على قولِهِ بإبطالِ النُّسُكِ.
وقد حمَلَ الشافعيُّ قولَهُ على معنًى آخَرَ، فقال في «الأُمِّ»: «أحْسَبُهُ يذهبُ إلى: أحَلَّ عقوبةَ اللهِ، قيل له: أفتراهُ يُريدُ أحلَّ مِن إحرامِهِ؟ قال: ما أراهُ، ولو أرادَهُ، كان مذهبُ مَن أحْفَظُ عنه خلافَهُ، ولم يَلزَمْ بقولِه حُجَّةٌ»[[«الأم» (٢ /٢٠٠).]].
وأيضًا: لو كان الإحرامُ يَبطُلُ بالصيدِ، لكان بيانُهُ في الآيةِ أولى مِن بيانِ حُكْمِ الكفّارةِ، ولمّا لم يكنِ البطلانُ مقصودًا، لم يُذكَرْ، وذُكِرَ ما دونَهُ، وهو الكفّارةُ.
وقولُه تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمرادُ بالمِثْليَّةِ في الآيةِ: الشَّبِيهُ في صِفَتِهِ وحالِه، فأقرَبُ الحيوانِ إلى الصيدِ يُقضى به على الصائدِ، وبهذا يقولُ عامَّةُ السلفِ، وهو قولُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفةَ، إذْ ساوى بينَ الجزاءِ بالمِثْلِ وبينَ الإطعامِ والصيامِ في كلِّ حيوانٍ، له مثيلٌ أو ليس له مثيلٌ.
ويختلِفُ الأمرُ بحسَبِ نظرِ الناسِ في الحيوانِ وجَمْعِ الحيوانِ للصِّفاتِ المتشابِهةِ مع غيرِه، ولهذا تنوَّعَ كلامُ الصحابةِ والتابعينَ في تقديرِ مشابهةِ بعضِ الحيوانِ لبعضٍ.
التحكيمُ في كفّارةِ الصيدِ:
وقولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ اشترَطَ اللهُ أهلَ العَدْلِ، وفي ذلك مَعانٍ:
الأولُ: أنّ الحاكِمَ لا ينفرِدُ بالحُكْمِ بحالٍ، واختُلِفَ في أنْ يكونَ المحكومُ عليه أحدَ العَدْلَيْنِ:
فمـنهم: مَن منَعَ حتى لا يَحكُمَ الصائدُ لنفسِه، حتى لا يُحابيَها فيُقصِّرَ في حقِّ اللهِ عليه، وبهذا يقولُ مالكٌ.
ومـنـهـم: مَن أجازَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ، فأجازا كونَ القاتلِ أحدَ الحَكَمَيْنِ، لأنّ الثانيَ يَدفَعُ التُّهَمةَ به، وعدمَ إنصافِهِ مِن نفسِه، وجاء عن عمرَ وابنِهِ ابنِ عمرَ أنّهما حَكَّما الصائدَ معه في مِثْلِيَّةِ ما صادَ، ولم يُخالِفْهما أحدٌ مِن الخُلَفاءِ وعامَّةُ فُقَهاءِ الصحابةِ.
الثـا&#١٣٣،ني: اشتراطُ العَدَدِ، فلا يَنفرِدُ الواحدُ بالحُكْمِ إلاَّ عندَ العجزِ عن الآخَرِ.
الثالثُ: أنّه لا يَقضِي الفاسقُ الذي لا يُؤتمَنُ على مالٍ ولا على قولٍ، لأنّه ليس بعَدْلٍ، فربَّما لم يتورَّعْ عن ظلمٍ وإجحافٍ في تقديرِه.
الـرابـعُ: أنّه لا يَقضِي إلاَّ عارفٌ بالحيوانِ وأشباهِهِ وصِفاتِه، ومَن لم يَعرِفْ أحوالَ الحيوانِ وأنواعَهُ، لم يَجُزْ له الحُكْمُ، حتى لا يَقضِيَ بجهلٍ، فإنّ العِلْمَ أعظَمُ أصولِ العَدْلِ، والجَهْلَ أعظَمُ أصولِ الظُّلْمِ.
الخامسُ: اشتراطُ الإسلامِ في الحَكَمَيْنِ، لأنّ اللَّهَ قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، يعني: مِن المُسلِمينَ، كما قال تعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ﴾، والخِطابُ للمُؤمِنينَ في الآيةِ: ﴿ياأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
حكمُ الصحابةِ في صيدِ المحرِمِ:
وقضاءُ الصحابةِ ليس توقيفيًّا، لاختلافِ الأحوالِ وتغيُّرِها، ولكنَّ حُكْمَهُمْ أقرَبُ إلى الحقِّ والصوابِ، ولذا جعَلَ أحمدُ والشافعيُّ حُكْمَهم مقدَّمًا على غيرِهم، فما حَكَمُوا فيه يُحكَمُ فيه، وما لم يحكُمُوا فيه فيحكُمُ به ذوا عَدْلٍ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: إنّ الحُكْمَ ثابتٌ في كلِّ قضيةٍ ولو قَضى فيها الصحابةُ، امتثالًا لظاهِرِ الأمرِ، والمقطوعُ به: أنّ قضاءَ الصحابةِ وحُكْمَهُمْ ليس وحيًا، ولا يقالُ فيمَن خالَفَهُ: خالَفَ القرآنَ والسُّنَّةَ، ما لم يُجمِعُوا، ولهذا اختلَفُوا في تقديرِ بعضِ الصيدِ بينَهم.
قال تعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ يجبُ إخراجُ فِدْيةِ الصيدِ مِن الهَدْيِ إلى البلدِ الحرامِ، ويجبُ ذبحُهُ فيها، وتوزيعُهُ على أهلِها، لظاهِرِ الآيةِ.
قال تعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾، يعني: مَن لم يَجِدْ مثيلًا للصيدِ ولا قريبًا منه، فيُطعِمُ مساكينَ بقيمتِهِ، وبهذا قَضى عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وابنُ عبّاسٍ وزيدٌ.
وجعَلَ مالكٌ والشافعيُّ لكلِّ مسكينٍ مُدًّا.
وذهَبَ أحمدُ: إلى أنّ الحِنْطَةَ تختلِفُ عن غيرِها، فمنها مُدٌّ للمسكينِ، ومِن غيرِها مُدّانِ.
وذهَبَ أهلُ الرأيِ إلى أنّ لكلِّ مسكينٍ مُدَّيْنِ.
التخييرُ في كفّارة الصيدِ:
واختلَفُوا في التخييرِ والترتيبِ بينَ المِثْليَّةِ: ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وبينَ الإطعامِ والصِّيامِ: هل الثلاثةُ كلُّها على التخييرِ، لأنّ اللهَ خيَّرَ بينَها بقولِ: (أوْ)؟ وقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك على أقوالٍ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنّ التخييرَ في الجميعِ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ وأحمدَ.
وذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى أنّها على الترتيبِ، فيجبُ أولًا مِثلُ الصيدِ، ثمَّ يُخيَّرُ بينَ الإطعامِ أو عَدْلِ ذلك صيامًا، وجاء هذا عن ابنِ عبّاسٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ، وفي روايةٍ أُخرى عن هؤلاء الثلاثةِ: أنّها على التخييرِ.
قيمةُ الإطعامِ ومحِلُّهُ من كفّارةِ الصيدِ:
واختلَفُوا في قيمةِ الإطعامِ: هل تكونُ على قيمةِ الصيدِ، أو على قِيمةِ مِثْلِهِ لو كان له مِثْلٌ؟ على قولَيْنِ:
والجمهورُ: على أنّ المقوَّمَ هو الصيدُ.
والشافعيُّ: يَرى أنّ المقوَّمَ هو مَثِيلُهُ مِن النَّعَمِ لو كان موجودًا.
والأظهَرُ: أنّ القيمةَ تكونُ للنَّعَمِ، لا للصيدِ، لأنّ تقييمَ الصيدِ شاقٌّ، وغالبُهُ لا قيمةَ له، لأنّ الناسَ لا يَتبايَعُونَهُ عادةً، وفي هذا حرَجٌ على الناسِ في معرفةِ القيمةِ، وخاصَّةً في الأزمنةِ المتأخِّرةِ، فإنّ قيمةَ الصيدِ أضعافُ قيمةِ مِثْلِهِ مِن الأنعامِ، لنُدْرةِ الصيدِ وكثرةِ بهيمةِ الأنعامِ.
واختلَفُوا في محلِّ الإطعامِ والصيامِ: هل يأخُذُ حُكْمَ مِثلِ الصيدِ مِن النَّعَمِ، فيقسَّمُ في مكَّةَ على فقراءِ الحَرَمِ وذوي الحاجةِ منها، أم يُتصدَّقُ به في أيِّ موضعٍ؟:
قال بالأولِ: عطاءٌ وطاوسٌ والشافعيُّ ومالكٌ في قولٍ.
وبالثـانـي: النخَعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ قولًا ثالثًا، وهو أنّ الإطعامَ يكونُ بمحلِّ الإصابةِ، وهذا قولٌ لمالكٍ آخَرُ.
والأظهَرُ التيسيرُ، لأنّ اللهَ خَصَّ المكانَ في الهَدْيِ، ولو كان الإطعامُ يجبُ كالهَدْيِ، لَتَأَخَّرَ بيانُ المكانِ إلى ما بعدَ الإطعامِ، ولو قيل: إنّ الإطعامَ يكونُ كالهَدْيِ، لَلَزِمَ أنْ يكونَ ذلك في الصيامِ، لأنّها كلَّها كفّاراتٌ، فيجبُ الصومُ في الحَرَمِ، وفي هذا حَرَجٌ شديدٌ.
وأمّا قولُهُ: ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾، فيعني: ما يُعادِلُ ذلك المقدارَ مِن الطعامِ، وقد قدَّرَهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ بأنّ كلَّ نِصْفِ صاعٍ يُعادِلُ صيامَ يومٍ، صحَّ هذا عن ابنِ عبّاسٍ ومجاهدٍ، ولأنّ النبيَّ ﷺ قد جعَلَ الكفّارةَ على كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: أنْ يُطعِمَ ستةَ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو أنْ يصومَ ثلاثةَ أيامٍ، والحديثُ في «الصحيحَيْنِ»[[أخرجه البخاري (١٨١٤) (٣ /١٠)، ومسلم (١٢٠١) (٢ /٨٦٢).]].
ولا زمانَ محدودًا للصيامِ، فيصومُ حيثُ شاء ومتى شاء، في طريقِهِ، أو في مكةَ، أو في بلدِه إذا رجَعَ إليها، ولذا قال عطاءٌ: «الصِّيامُ حيثُ شاء»[[«تفسير الطبري» (٨ /٧٠٦).]].
وقولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، يعني: عقوبتَهُ، فوَبالُ الشيءِ: بلاؤُه وعقوبتُهُ ونقمتُهُ على صاحِبِه.
فالكفّارةُ المذكورةُ على الصيدِ تَغفِرُ ذنبَهُ الذي فعَلَ، فإنّما هي لمحوِ سيِّئاتِه، وليستْ عملًا صالحًا مجرَّدًا يُكتَبُ له في صحيفةِ حسناتِه، إلاَّ أنْ يشاءَ اللهُ.
تكرارُ المحرِمِ للصيد:
وقولُه تعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾:
العَوْدُ للذنبِ مرَّةً ثانيةً أعظَمُ مِن المرَّةِ الأُولى، كما أنّ الرِّدَّةَ أغلَظُ في تَكْرارِها مِن الكُفْرِ أولَ مَرَّةٍ، لأنّ التَّكْرارَ يَقترِنُ به الإصرارُ والاستهانةُ، بخلافِ فِعْلِ المعصيةِ مرةً.
ومِن المَعاني المرادةِ بالآيةِ: أنّ مَن كرَّرَ السيِّئةَ عن عِلْمٍ مستسهِلًا الكفّارةَ كحالِ الأغنياءِ الذين لا يَجِدُونَ ضِيقًا مِن الكفّاراتِ، فهؤلاء يُضاعَفُ عليهم العقوبةُ، فمع الكفّارةِ مرةً أُخرى وعيدٌ يَلحَقُهُمْ في الدُّنيا والآخِرةِ، للمُكابَرةِ والعِنادِ.
ومِن السلفِ مَن قال: إنّ مَن كرَّرَ الصيدَ متعمِّدًا مرَّةً أُخرى، فلا يُحكَمُ عليه، لعِنادِهِ، ويُترَكُ لانتقامِ اللهِ منه، رواهُ عِكْرِمةُ وعليٌّ عن ابنِ عبّاسٍ[[«تفسير الطبري» (٨ /٧١٦)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٤ /١٢٠٩).]]، وبه قال مجاهدٌ والشعبيُّ وشُرَيْحٌ[[«تفسير الطبري» (٨ /٧١٧ ـ ٧١٨).]].
وأكثرُ السلفِ: على أنّ الكفّارةَ تجبُ عليه كلَّ مرةٍ، فيُحكَمُ عليه في كلِّ صيدٍ، وبه يقولُ عطاءٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ[[«تفسير الطبري» (٨ /٧١٥).]].
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰلِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق