الباحث القرآني

ولَمّا أخْبَرَهم بِالِابْتِلاءِ؛ صَرَّحَ لَهم بِما لَوَّحَ إلَيْهِ؛ بِذِكْرِ المَخافَةِ مِن تَحْرِيمِ التَّعَرُّضِ لِما ابْتَلاهم بِهِ؛ فَقالَ - مُنَوِّهًا بِالوَصْفِ النّاهِي عَنِ الِاعْتِداءِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ وذَكَرَ القَتْلَ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الذَّبْحِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الصَّيْدَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ النَّفْرَةِ المانِعَةِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِن ذَبْحِهِ - يُحْبَسُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن أنْواعِ القَتْلِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾؛ أيْ: لا تَصْطادُوا ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنَ الوَحْشِ؛ وأمّا غَيْرُ المَأْكُولِ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّفْسِ في قَتْلِهِ إلّا الإراحَةُ مِن أذاهُ المُرادِ بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «”خَمْسٌ في الدَّوابِّ فَواسِقُ؛ لا جُناحَ عَلى مَن قَتَلَها في حِلٍّ ولا حَرَمٍ“؛ وذَكَرَ مِنهُنَّ السَّبُعَ العادِيَ؛» فَدَلَّ الحُكْمُ بِرَفْعِ الجُناحِ عَقِبَ الوَصْفِ بِالفِسْقِ (p-٣٠١)عَلى أنَّهُ عِلَّةُ الإباحَةِ؛ ولا مَعْنى لِفِسْقِها إلّا أذاها؛ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مَحْرُومُونَ؛ أوْ في الحَرَمِ. ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوافِقَ مُوافِقٌ؛ تَبَعًا لِأمْرِهِ؛ ويُخالِفَ مُخالِفٌ؛ مُوافَقَةً لِمُرادِهِ؛ شَرَعَ لِمَن خالَفَ كَفارَّةً؛ تَخْفِيفًا مِنهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ ورَفْعًا لِما كانَ عَلى مَن كانَ مِن قَبْلِها مِنَ الآصارِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَنِ انْتَهى فَلَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أجْرٌ عَظِيمٌ -: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: قاصِدًا لِلصَّيْدِ؛ ذاكِرًا لِلْإحْرامِ؛ إنْ كانَ مُحْرِمًا؛ والحَرَمِ؛ إنْ كانَ فِيهِ؛ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ العَمْدُ مُوجِبًا لِلْإثْمِ؛ والجَزاءِ؛ ومَتى اخْتَلَّ وصْفٌ مِنهُ كانَ خَطَأً مُوجِبًا لِلْجَزاءِ فَقَطْ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ عَفا عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - العَمْدَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ كَما في آخِرِها؛ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَجَزاءُ﴾؛ أيْ: فَمُكافَأةُ؛ ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ﴾؛ أيْ: أقْرَبُ الأشْياءِ بِهِ شَبَهًا في الصُّورَةِ؛ لا النَّوْعِ؛ ووَصَفَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ لِما قَتَلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: عَلَيْهِ أنْ يُكافِئَ ما قَتَلَهُ بِمِثْلِهِ؛ وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِإضافَةِ“جَزاءُ”؛ إلى“مِثْلِ”؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِتَنْوِينِ“جَزاءٌ”؛ ورَفْعِ“مِثْلُ”؛ فالأمْرُ واضِحٌ. (p-٣٠٢)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ تُعْرَفُ المُماثَلَةُ؟ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالجَزاءِ؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ؛ وبَيْنَ النَّعَمِ كَثِيرَةٌ؛ احْتاجَ ذَلِكَ إلى زِيادَةِ التَّأمُّلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ضَرْبانِ: ما حَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ؛ وما لَمْ تَحْكم فِيهِ؛ فَما حَكَمَتْ فِيهِ لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ عَدْلانِ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ؛ وهم أوْلى مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ؛ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ؛ وما لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ؛ فَيُنْظَرُ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ؛ فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ؛ فَإنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ أحَدَ الحُكْمَيْنِ؛ وإنْ كانَ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ. ولَمّا كانَ هَذا المِثْلُ يُساقُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ عَلى وجْهٍ الإكْرامِ والنُّسُكِ؛ رِفْقًا بِمَساكِينِها؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِحالِهِ مِنَ الضَّمِيرِ في“بِهِ”-: ﴿هَدْيًا﴾؛ ولَمّا كانَ الهَدْيُ هو ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾؛ أيْ: الحَرَمِ المَنسُوبِ إلَيْها؛ وإنَّما صَرَّحَ بِها زِيادَةً في التَّعْظِيمِ؛ وإعْلامًا بِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ بِالزِّيارَةِ؛ والعِمارَةِ؛ لِقِيامِ ما يَأْتِي ذِكْرُهُ؛ تُذْبَحُ الهَدْيُ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ ويُتَصَدَّقُ بِهِ عَلى مَساكِينِ الحَرَمِ؛ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٠٣)بِشِبْهِ“يَبْلُغُ”؛ فَلِذا وُصِفَ بِها النَّكِرَةُ. ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - رَحِيمًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ خَيَّرَها بَيْنَ ذَلِكَ؛ وبَيْنَ ما بَعْدُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ﴾؛ عَلَيْهِ؛ ﴿كَفّارَةٌ﴾؛ هِيَ؛ ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾؛ في الحَرَمِ؛ بِمِقْدارِ قِيمَةِ الهَدْيِ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: قِيمَةُ المِثْلِ؛ ﴿صِيامًا﴾؛ في أيِّ مَوْضِعٍ تَيَسَّرَ لَهُ؛ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمٌ؛ فَـ“أوْ”لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ فِيها؛ والقَوْلُ بِأنَّها لِلتَّرْتِيبِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. ولَمّا كانَ الأمْرُ مَفْرُوضًا في المُتَعَمَّدِ؛ قالَ - مُعَلِّقًا بِالجَزاءِ؛ أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يُجازِيَ بِما يُنْقِصُ المالَ؛ أوْ يُؤْلِمُ الجِسْمَ -: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ﴾؛ أيْ: ثِقْلَ؛ ﴿أمْرِهِ﴾؛ وسُوءَ عاقِبَتِهِ؛ لِيَحْتَرِزَ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ مَحْكُومًا بِهِ في دارِ العَمَلِ؛ الَّتِي لا يُطْلَعُ أهْلُها - بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ فِيها - عَلى غَيْبٍ؛ ولا يَعْرِفُونَ عاقِبَةَ أمْرٍ إلّا تَخَرُّصًا؛ طَرَدَ الحُكْمَ في غَيْرِ المُتَعَمَّدِ؛ لِئَلّا يَدَّعِيَ المُتَعَمِّدُ أنَّهُ مُخْطِئٌ؛ كُلُّ ذَلِكَ حِمًى لِحُرْمَةِ الدِّينِ؛ وصَوْنًا لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ؛ وحِفْظًا لِجانِبِهِ؛ ورِعايَةً لِشَأْنِهِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ مَضى مِنهم قَبْلَ نُزُولِها مِن هَذا النَّوْعِ أشْياءُ؛ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِما أسْلَفْنا؟ قالَ – جَوابًا -: ﴿عَمّا سَلَفَ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدُهُ؛ أيْ: لَكم مِن ذَلِكَ؛ فَمَن (p-٣٠٤)حَفِظَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذا فازَ؛ ﴿ومَن عادَ﴾؛ إلى تَعَمُّدِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولَوْ قَلَّ؛ ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ؛ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ إعْلامًا بِالسَّبَبِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَوْدِهِ؛ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الِانْتِقامِ. ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الإحْرامِ؛ والحَرَمِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ:“فاللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ"؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضاهُ المَقامُ مِنَ الإتْيانِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ووَصْفِ العِزَّةِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا تُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةٌ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ لا يُغْلَبُ؛ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾؛ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب