الباحث القرآني

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] (p-٢٣٠)الجارُ: القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: جاوَرْتُ، ويُجْمَعُ عَلى جِيرانٍ وجِيرَةٍ. والجُنُبُ: البَعِيدُ. والجَنابَةُ البُعْدُ، قالَ: ؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ وهُوَ مِنَ الِاجْتِنابِ، وهو أنْ يُتْرَكَ الرَّجُلُ جانِبًا. وقالَ تَعالى: (واجْنُبْنِي) أيْ بَعِّدْنِي، وهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ كَناقَةٍ سَرَحٍ. المُخْتالُ: المُتَكَبِّرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اخْتالَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ؛ لِقَوْلِهِمُ: الخُيَلاءُ والمَخِيلَةُ. ويُقالُ: خالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلًا إذا تَكَبَّرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ مادَّةً أُخْرى، لِأنَّ تِلْكَ مُرَكَّبَةٌ مِن خَيَلَ (خ ي ل)، وهَذِهِ مادَّةٌ مِن (خ و ل) . الفَخُورُ: فَعُولٌ مِن فَخَرَ، والفَخْرُ عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ الشُّغُوفِ والتَّطاوُلِ. القَرِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، مِن قارَنَهُ إذا لازَمَهُ وخالَطَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ قَرِينَةً. ومِنهُ قِيلَ لَمّا يَلْزَمْنَ الإبِلَ والبَقَرَ: قَرِينانِ، ولِلْحَبَلِ الَّذِي يَشُدّانِ بِهِ قَرْنٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ وقالَ: ؎كَمُدْخِلٍ رَأْسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أحَدٌ ∗∗∗ مِنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لَزَّهُ القَرَنُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا﴾ [البقرة: ١٨٨] ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِالنِّكاحِ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى النِّكاحِ، وإلى مِلْكِ اليَمِينِ، وأنَّ المُهُورَ والأثْمانَ المَبْذُولَةَ في ذَلِكَ لا تَكُونُ مِمّا مُلِكَتْ بِالباطِلِ، والباطِلُ هو كُلُّ طَرِيقٍ لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: السَّرِقَةُ، والخِيانَةُ، والغَصْبُ، والقِمارُ، وعُقُودُ الرِّبا، وأثْمانُ البَياعاتِ الفاسِدَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ العُرْبانِ، وهو أنْ يَأْخُذَ مِنكَ السِّلْعَةَ ويَكْرِيَ الدّابَّةَ ويُعْطِيَ دِرْهَمًا مَثَلًا عُرْبانًا، فَإنِ اشْتَرى، أوْ رَكِبَ، فالدِّرْهَمُ مِن ثَمَنِ السِّلْعَةِ أوِ الكِراءِ، وإلّا فَهو لِلْبائِعِ. فَهَذا لا يَصِحُّ ولا يَجُوزُ عِنْدَ جَماهِيرِ الفُقَهاءِ، لِأنَّهُ مِن بابِ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ. وأجازَ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، ونافِعُ بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَيْعَ العُرْبانِ عَلى ما وصَفْناهُ، والحُجَجُ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: بِالباطِلِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو أنْ يَأْكُلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ، إذْ يَجُوزُ أكْلُ المالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إذا كانَ هِبَةً أوْ صَدَقَةً أوْ تَمْلِيكًا أوْ وارِثًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا أباحَتِ الشَّرِيعَةُ أخْذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو أنْ يَأْكُلَ بِالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحِ اللَّهُ (p-٢٣١)تَعالى أكْلَ المالِ بِهِ. وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَحْكَمَةً وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والجُمْهُورِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الآيَةُ مُجْمَلَةٌ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: بِالباطِلِ، بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. ولَمّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الطَّرِيقُ المَشْرُوعَةُ مَذْكُورَةً هُنا عَلى التَّفْصِيلِ، صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً. وإضافَةُ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ مَعْناهُ: أمْوالُ بَعْضِكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وقِيلَ: يَشْمَلُ قَوْلُهُ (أمْوالُكم) مالَ الغَيْرِ ومالَ نَفْسِهِ. فَنَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ غَيْرِهِ إلّا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، ونَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، وهو: إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. وعَبَّرَ هُنا عَنْ أخْذِ المالِ بِالأكْلِ، لِأنَّ الأكْلَ مِن أغْلَبِ مَقاصِدِهِ وألْزَمِها. * * * ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التِّجارَةَ لَمْ تَنْدَرِجْ في الأمْوالِ المَأْكُولَةِ بِالباطِلِ فَتُسْتَثْنى مِنها، سَواءٌ أفَسَّرْتَ قَوْلَهُ بِالباطِلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ كَما قالَهُ غَيْرُهُ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما وقَعَ عَلى الكَوْنِ، والكَوْنُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لَيْسَ مالًا مِنَ الأمْوالِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ فَغَيْرُ مُصِيبٍ لِما ذَكَرْناهُ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُ المالِ إلّا بِالتِّجارَةِ فَقَطْ، بَلْ ذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ مِن أكْلِ المالِ بِهِ، وهو التِّجارَةُ، إذْ أسْبابُ الرِّزْقِ أكْثَرُها مُتَعَلِّقٌ بِها. وفِي قَوْلِهِ: عَنْ تَراضٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التِّجارَةِ فَشَرْطُهُ التَّراضِي، وهو مِنِ اثْنَيْنِ: الباذِلِ لِلثَّمَنِ، والبائِعِ لِلْعَيْنِ. ولَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ غَيْرُ التَّراضِي، فَعَلى هَذا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ باعَ ما يُساوِي مِائَةً بِدِرْهَمٍ جازَ إذا تَراضَيا عَلى ذَلِكَ، وسَواءٌ أعَلِمَ مِقْدارَ ما يُساوِي أمْ لَمْ يَعْلَمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إذا لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ الغَبْنِ وتَجاوَزَ الثُّلُثَ، رُدَّ البَيْعُ. وظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا تَعاقَدَ بِالكَلامِ أنَّهُ تَراضٍ مِنهُما ولا خِيارَ لَهُما، وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ. وقالَ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ، والشّافِعِيُّ: إذا عَقَدا فَهُما عَلى الخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، واسْتَثْنَوْا صُوَرًا لا يُشْتَرَطُ فِيها التَّفَرُّقُ، واخْتَلَفُوا في التَّفَرُّقِ. فَقِيلَ: بِأنْ يَتَوارى كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ. وقالَ اللَّيْثُ: بِقِيامِ كُلٍّ مِنهُما مِنَ المَجْلِسِ. وكُلُّ مَن أوْجَبَ الخِيارَ يَقُولُ إذا خَيَّرَهُ في المَجْلِسِ فاخْتارَ، فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ. ورُوِيَ خِيارُ المَجْلِسِ عَنْ عُمَرَ أيْضًا. وأطالَ المُفَسِّرُونَ بِذِكْرِ الِاحْتِجاجِ لِكُلٍّ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ، ومَوْضُوعُ ذَلِكَ كُتُبِ الفِقْهِ. والتِّجارَةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى عُقُودِ المُعاوَضاتِ، المَقْصُودُ مِنها طَلَبُ الأرْباحِ. وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: لَكِنَّ كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: تِجارَةً بِالنَّصْبِ، عَلى أنْ تَكُونَ ناقِصَةً عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ فِيها يَعُودُ عَلى الأمْوالِ، أوْ يُفَسِّرُهُ التِّجارَةُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم. كَما قالَ: إذا كانَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ أشْنَعا. أيْ إذا كانَ هَوايَ اليَوْمَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ. واخْتارَ قِراءَةَ الكُوفِيِّينَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ قَوْلَهم إلّا أنْ تَكُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ فِيها عَلى مَعْنى يَحْدُثُ أوْ يَقَعُ، وهَذا مُخالِفٌ لِاخْتِيارِ أبِي عُبَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَمامُ (كانَ) يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّها صِلَةٌ، فَهي مَحْطُوطَةٌ عَنْ دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ. انْتَهى ما ذَكَرَهُ. ويَحْتاجُ هَذا الكَلامُ إلى فِكْرٍ، ولَعَلَّهُ نَقَصَ مِنَ النُّسْخَةِ شَيْءٌ يَتَّضِحُ بِهِ هَذا المَعْنى الَّذِي أرادَهُ. و﴿عَنْ تَراضٍ﴾ صِفَةٌ لِلتِّجارَةِ، أيْ: تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ. * * * ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ بِقَصْدٍ مِنهُ، أوْ بِحَمْلِها عَلى غَرَرٍ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ، كَما يَصْنَعُ بَعْضُ الفُتّاكِ بِالمُلُوكِ، فَإنَّهم يَقْتُلُونَ المَلِكَ ويُقْتَلُونَ بِلا شَكٍّ. وقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ البارِدِ، وأقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٣٢)احْتِجاجَهُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ مِنَ القَتْلِ والرِّدَّةِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعُ المُتَأوِّلُونَ أنَّ القَصْدَ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُ النّاسِ بَعْضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ: إنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا إخْوانَكُمُ انْتَهى. وعَلى هَذا المَعْنى أضافَ القَتْلَ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، أوْ مِن جَوْهَرٍ واحِدٍ. ولِأنَّهُ إذا قَتَلَ قَتَلَ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وكَأنَّهُ هو الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إجْماعِ المُتَأوِّلِينَ ذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِ الخِلافَ. قالَ ما مُلَخَّصُهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ حَقِيقَةُ القَتْلِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ أحَدٌ نَفْسَهُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، أوْ ظُلْمٍ أصابَهُ، أوْ جُرْحٍ أخْرَجَهُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَجازُ القَتْلِ أيْ: يَأْكُلُ المالَ بِالباطِلِ، أوْ بِطَلَبِ المالِ والِانْهِماكِ فِيهِ، أوْ يَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلى الغَرَرِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ، أوْ بِفِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي والِاسْتِمْرارِ عَلَيْها. فَيَكُونُ القَتْلُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الهَلاكِ مَجازًا كَما جاءَ: شاهِدٌ قَتَلَ ثَلاثًا: نَفْسَهُ، والمَشْهُودَ لَهُ، والمَشْهُودَ عَلَيْهِ، أيْ: أهْلَكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ: (ولا تَقْتُلُوا) بِالتَّشْدِيدِ. * * * ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ نَهاكم عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، وعَنْ أكْلِ الحَرامِ، وبَيَّنَ لَكم جِهَةَ الحِلِّ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قِوامَ الأنْفُسِ وحَياتَها بِما يُكْتَسَبُ مِنها، لِأنَّ طِيبَ الكَسْبِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ صَلاحُ العِباداتِ وقَبُولُها. ألا تَرى إلى ما ورَدَ: مَن حَجَّ بِمالٍ حَرامٍ أنَّهُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ. وألا تَرى إلى الدّاعِي رَبَّهُ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، كَيْفَ جاءَ: أنّى يُسْتَجابُ لَهُ ؟ وكانَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ مُتَقَدِّمًا عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ أكْثَرُ وُقُوعًا، وأفْشى في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، لا سِيَّما إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ الآيَةِ مِن أنَّهُ نَهى أنْ يَقْتُلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ نادِرَةٌ. وقِيلَ: رَحِيمًا حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم قَتْلَ أنْفُسِكم حِينَ التَّوْبَةِ كَما كَلَّفَ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَهم أنْفُسَهم، وجَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًا لِخَطاياهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب