الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: كَأنَّهُ قالَ: وعَفا عَنْكم إذْ تُصْعِدُونَ؛ لِأنَّ عَفْوَهُ عَنْهم لا بُدَّ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِأمْرٍ اقْتَرَفُوهُ، وذَلِكَ الأمْرُ هو ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ ما صَدَرَ عَنْهم مِن مُفارَقَةِ ذَلِكَ المَكانِ والأخْذِ في الوادِي كالمُنْهَزِمِينَ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ. وثانِيها: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم إذْ تُصْعِدُونَ. وثالِثُها: التَّقْدِيرُ: لِيَبْتَلِيَكم إذْ تُصْعِدُونَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تُصْعِدُونَ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ (إذْ تُصْعِدُونَ في الجَبَلِ)، وقَرَأ أُبَيٌّ (إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي) وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (إذْ تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ، مِن ”تَصَعَّدَ“ في السُّلَّمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ والإبْعادُ فِيهِ، يُقالُ صَعِدَ في الجَبَلِ، وأصْعَدَ في الأرْضِ، ويُقالُ أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أسْفَلُ وأعْلى مِثْلَ الوادِي والنَّهَرِ والأزِقَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: صَعَّدَ فُلانٌ يُصَعِّدُ في الوادِي إذا أخَذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ، وأمّا ما ارْتَفَعَ كالسُّلَّمِ فَإنَّهُ يُقالُ صَعِدْتُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ: أيْ لا تَلْتَفِتُونَ إلى أحَدٍ مِن شَدَّةِ الهَرَبِ، وأصْلُهُ أنَّ المُعَرِّجَ عَلى الشَّيْءِ يَلْوِي إلَيْهِ عُنُقَهُ أوْ عِنانَ دابَّتِهِ، فَإذا مَضى ولَمْ يُعَرِّجْ قِيلَ لَمْ يَلْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اللَّيُّ في تَرْكِ التَّعْرِيجِ عَلى الشَّيْءِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: فُلانٌ لا يَلْوِي عَلى شَيْءٍ، أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِ ولا يُبالِي بِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كانَ يَقُولُ: ”«إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن كَرَّ فَلَهُ الجَنَّةُ» “ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى نَفْسِهِ حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهُ، ولا يَتَفَرَّقُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ يَدْعُوهم إلى المُحارَبَةِ مَعَ العَدُوِّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ أيْ آخِرِكم، يُقالُ: جِئْتُ في آخِرِ النّاسِ وأُخْراهم، كَما يُقالُ: في أوَّلِهِمْ وأُولاهم، ويُقالُ: جاءَ فُلانٌ في أُخْرَياتِ النّاسِ، أيْ آخِرِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ (p-٣٤)يَدْعُوهم وهو واقِفٌ في آخِرِهِمْ؛ لِأنَّ القَوْمَ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ قَدْ تَقَدَّمُوهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ الثَّوابِ لا يُسْتَعْمَلُ في الأغْلَبِ إلّا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أيْضًا اسْتِعْمالُهُ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ، أيْ رَجَعَ إلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] والمَرْأةُ تُسَمّى ثَيِّبًا لِأنَّ الواطِئَ عائِدٌ إلَيْها، وأصْلُ الثَّوابِ كُلُّ ما يَعُودُ إلى الفاعِلِ مِن جَزاءِ فِعْلِهِ سَواءٌ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إلّا أنَّهُ بِحَسْبِ العُرْفِ اخْتُصَّ لَفْظُ الثَّوابِ بِالخَيْرِ، فَإنْ حَمَلْنا لَفْظَ الثَّوابِ هاهُنا عَلى أصْلِ اللُّغَةِ اسْتَقامَ الكَلامُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى مُقْتَضى العُرْفِ كانَ ذَلِكَ وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما يُقالُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، وعِتابُكَ السَّيْفُ، أيْ جَعَلَ الغَمَّ مَكانَ ما يَرْجُونَ مِنَ الثَّوابِ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المُعاوَضَةِ، كَما يُقالُ: هَذا بِهَذا أيْ هَذا عِوَضٌ عَنْ ذاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“ والتَّقْدِيرُ: أثابَهم غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّكم لَمّا أذَقْتُمُ الرَّسُولَ غَمًّا بِسَبَبِ أنْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ، فاللَّهُ تَعالى أذاقَكم هَذا الغَمَّ، وهو الغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَهم بِسَبَبِ الِانْهِزامِ وقَتْلِ الأحْبابِ، والمَعْنى جازاكم مِن ذَلِكَ الغَمِّ بِهَذا الغَمِّ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ غَمَّ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِكُمُ التِفاتٌ إلى الدُّنْيا، فَلا تَفْرَحُوا بِإقْبالِها ولا تَحْزَنُوا بِإدْبارِها، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٣] في واقِعَةِ أُحُدٍ ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٣] في واقِعَةِ بَدْرٍ، طَعَنَ القاضِي في هَذا الوَجْهِ وقالَ: إنَّ غَمَّهم يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما كانَ مِن جِهَةِ اسْتِيلاءِ الكُفّارِ، وذَلِكَ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يُضِيفُهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ ؟ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في تَسْلِيطِ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ نَوْعَ مَصْلَحَةٍ، وهو أنْ لا يَفْرَحُوا بِإقْبالِ الدُّنْيا ولا يَحْزَنُوا بِإدْبارِها، فَلا يَبْقى في قُلُوبِهِمِ اشْتِغالٌ بِغَيْرِ اللَّهِ. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَأثابَكم) يَعُودُ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا رَأوْا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، اغْتَمُّوا لِأجْلِهِ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهم عَصَوْا رَبَّهم لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ ثُمَّ بَقُوا مَحْرُومِينَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وقُتِلَ أقارِبُهُمُ اغْتَمَّ لِأجْلِهِمْ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ هو هَذا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ تَكُونَ الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) بِمَعْنى ”مَعَ“ أيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أوْ غَمًّا عَلى غَمٍّ، فَهَذا جائِزٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ بَعْضٍ، تَقُولُ: ما زِلْتُ بِهِ حَتّى فَعَلَ، وما زِلْتُ مَعَهُ حَتّى فَعَلَ، وتَقُولُ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلانٍ، وعَلى بَنِي فُلانٍ. واعْلَمْ أنَّ الغُمُومَ هُناكَ كانَتْ كَثِيرَةً: أحَدُها: غَمُّهم بِما نالَهم مِنَ العَدُوِّ في الأنْفُسِ والأمْوالِ. وثانِيها: غَمُّهم بِما لَحِقَ سائِرَ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ. وثالِثُها: غَمُّهم بِما وصَلَ إلى الرَّسُولِ مِنَ الشَّجَّةِ وكَسْرِ الرَّباعِيَةِ. ورابِعُها: ما أُرْجِفَ بِهِ مِن قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ . وخامِسُها: بِما وقَعَ مِنهم مَنِ المَعْصِيَةِ وما يَخافُونَ مِن عِقابِها. وسادِسُها: غَمُّهم بِسَبَبِ التَّوْبَةِ الَّتِي صارَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَمْ تَتِمَّ تَوْبَتُهم إلّا بِتَرْكِ الهَزِيمَةِ والعَوْدِ إلى المُحارَبَةِ بَعْدَ الِانْهِزامِ، وذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُنْهَزِمًا يَصِيرُ ضَعِيفَ القَلْبِ جَبانًا، فَإذا أُمِرَ بِالمُعاوَدَةِ، فَإنْ فَعَلَ خافَ القَتْلَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ خافَ (p-٣٥)الكُفْرَ أوْ عِقابَ الآخِرَةِ، وهَذا الغَمُّ لا شَكَّ أنَّهُ أعْظَمُ الغُمُومِ والأحْزانِ، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ ونَحْنُ نَعُدُّها: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما أصابَهم عِنْدَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ فَوْتِ الغَنائِمِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا سُفْيانَ وخالِدَ بْنَ الوَلِيدِ اطَّلَعا عَلى المُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما كانَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أبِي سُفْيانَ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ، والغَمَّ الثّانِي هو أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَجَعُوا خافَ الباقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أنَّهم لَوْ رَجَعُوا لَقَتَلُوا الكُلَّ فَصارَ هَذا الغَمُّ بِحَيْثُ أذْهَلَهم عَنِ الغَمِّ الأوَّلِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما وصَلَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، والغَمَّ الثّانِي ما وصَلَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ اخْتارَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرادَ بِقَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) اثْنَيْنِ، وإنَّما أرادَ مُواصَلَةَ الغُمُومِ وطُولَها، أيْ أنَّ اللَّهَ عاقَبَكم بِغُمُومٍ كَثِيرَةٍ، مِثْلَ قَتْلِ إخْوانِكم وأقارِبِكم، ونُزُولِ المُشْرِكِينَ مِن فَوْقِ الجَبَلِ عَلَيْكم بِحَيْثُ لَمْ تَأْمَنُوا أنْ يَهْلَكَ أكْثَرُكم، ومِثْلَ إقْدامِكم عَلى المَعْصِيَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أثابَكم هَذِهِ الغُمُومَ المُتَعاقِبَةَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَكم عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ والِاشْتِغالِ بِما يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى أنَّ اللَّهَ أثابَهم غَمًّا بِغَمٍّ: أنَّهُ خَلَقَ الغَمَّ فِيهِمْ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهَذا لا يَلِيقُ بِأُصُولِهِمْ، فَذَكَرُوا في عِلَّةِ هَذِهِ الإضافَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا أرَجَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قُتِلَ ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى كَذِبَ ذَلِكَ القائِلِ، صارَ كَأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ الغَمَّ، وهَذا كالرَّجُلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ الخَبَرُ الَّذِي يَغُمُّهُ ويَكُونُ مَعَهُ مَن يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ كَذِبٌ، فَإذا لَمْ يَكْشِفْهُ لَهُ سَرِيعًا وتَرَكَهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ ثُمَّ أعْلَمُهُ فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لَقَدْ غَمَّمْتَنِي وأطَلْتَ حُزْنِي وهو لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، بَلْ سَكَتَ وكَفَّ عَنْ إعْلامِهِ، فَكَذا هاهُنا. الثّانِي: أنَّ الغَمَّ وإنْ كانَ مِن فِعْلِ العَبْدِ فَسَبَبُهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ طَبَعَ العِبادَ طَبْعًا يَغْتَمُّونَ بِالمَصائِبِ الَّتِي تَنالُهم وهم لا يُحْمَدُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يُذَمُّونَ. الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الغَمَّ في قَلْبِ بَعْضِ المُكَلَّفِينَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ عَفا عَنْكم لِكَيْلا تَحْزَنُوا؛ لِأنَّ في عَفْوِهِ تَعالى ما يُزِيلُ كُلَّ غَمٍّ وحُزْنٍ. والثّانِي: أنَّ اللّامَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: (فَأثابَكم) ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أثابَكم غَمَّ الهَزِيمَةِ مِن غَمِّكُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِ، لِيَكُونَ غَمُّكم بِأنْ خالَفْتُمُوهُ فَقَطْ، لا بِأنْ فاتَتْكُمُ الغَنِيمَةُ وأصابَتْكُمُ الهَزِيمَةُ، وذَلِكَ لَأنَّ الغَمَّ الحاصِلَ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ يُنْسِي الغَمَّ الحاصِلَ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: جَعَلَكم مَغْمُومِينَ يَوْمَ أُحُدٍ في مُقابَلَةِ ما جَعَلْتُمُوهم مَغْمُومِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأجْلِ أنْ يَسْهُلَ أمْرُ الدُّنْيا في أعْيُنِكم فَلا تَحْزَنُوا بِفَواتِها ولا تَفْرَحُوا بِإقْبالِها، وهَذانَ الوَجْهانِ مُفَرَّعانِ عَلى قَوْلِنا: الباءُ في قَوْلِهِ: (غَمًّا بِغَمٍّ) لِلْمُجازاةِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها بِمَعْنى ”مَعَ“ فالمَعْنى أنَّكم قُلْتُمْ لَوْ بَقِينا في هَذا المَكانِ وامْتَثَلْنا أمْرَ (p-٣٦)الرَّسُولِ لَوَقَعْنا في غَمِّ فَواتِ الغَنِيمَةِ، فاعْلَمُوا أنَّكم لَمّا خالَفْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ وطَلَبْتُمُ الغَنِيمَةَ وقَعْتُمْ في هَذِهِ الغُمُومِ العَظِيمَةِ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الغَمِّ أضْعافًا مُضاعَفَةً، والعاقِلُ إذا تَعارَضَ عِنْدَهُ الضَّرَرانِ، وجَبَ أنْ يَخُصَّ أعْظَمَهُما بِالدَّفْعِ، فَصارَتْ إثابَةُ الغَمِّ عَلى الغَمِّ مانِعًا لَكم مِن أنْ تَحْزَنُوا بِسَبَبِ فَواتِ الغَنِيمَةِ، وزاجِرًا لَكم عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَما زَجَرَهم عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ بِهَذا الزَّجْرِ الحاصِلِ في الدُّنْيا، زَجَرَهم عَنْها بِسَبَبِ الزَّواجِرِ المَوْجُودَةِ في الغَنِيمَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِكم وقُصُودِكم ودَواعِيكم، قادِرٌ عَلى مُجازاتِها، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الزَّواجِرِ لِلْعَبْدِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْصِيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب