الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 154، وانظر: الثعلبي 7/ 118 ب، والبغوي 4/ 287، و"زاد المسير" 4/ 297.]]: يريد إخوة يوسف وهم الأسباط، "عبرة" قال [[الطبري 16/ 312، وابن أبي حاتم 7/ 2213، وأبو الشيخ عن ابن عباس: معرفه، كما في "الدر" 4/ 87.]]: يريد فكرة، قال ابن الأنباري: معنى الاعتبار عند أهل اللغة: الاستعلام للشيء بالدلائل والشواهد من خواطر العقول وغيرها، يقول الرجل لغيره: اذهب فاعتبر وزن هذا الدرهم، يريد: استعمله وابحث عن خبره، وهذا يرجع إلى الفكر الذي فسره ابن عباس. وقال غيره [[انظر "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 3305 - 3306، و"اللسان" (عبر) 5/ 2783.]]: معنى الاعتبار التدبر والنظر في الأمر كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [[الحشر: 2، وفي جميع النسخ: يا أولي الألباب، وهو خطأ.]] أي: تدبروا وانظروا فيما نزل بقريظة والنضير، فقايسوا أفعالهم واتعظوا بالعذاب الذي نزل بهم. وقال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2305.]]: العابر الذي ينظر في الكتاب فيعبره، أي: يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وهذا كله راجع إلى معنى الفكرة، والتدبر أخذ من العبرة وهو الجانب، كأن المعبر باستدلاله وتفكره يعبر عن جانبه الذي هو فيه إلى جانب البصيرة والعلم، فمعنى العبرة: الدلالة التي بها يعبر إلى العلم والبصيرة من الجهل والحيرة، والعبارة دلالة يعبر المعني من نفس القائل إلى نفس السامع، وقد ذكرنا نحو هذا عند قوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43]. قال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 297.]]: ووجه الاعتبار بقصصهم هو أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلها في حكم العبد، وجمع بينه وبين والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة - لقادرٌ على أن يعز محمدًا، ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه. وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إن قيل: إن قوم محمد -ﷺ- كانوا ذوي عقول وأحلام وفيهم من لم يعتبر بهذه القصص فلم عم الله تعالى أهل الألباب بالعبرة؟ قال أبو بكر بن الأنباري [[الرازي 18/ 228.]]: إن جميعهم عُرِّضوا للاعتبار بما سمعوه، فمنهم من اعتبر، ومنهم من أبى ذلك، إيثارًا لهواه وعنادًا، فلم يخرج عن أن يكون له عبرة لو اعتبر. وقال غيره [[انظر: الطبري 13/ 90، و"البحر المحيط" 5/ 356.]]: أراد بأولي الألباب هاهنا: من اعتبر وتفكر وعلم الحق، وذلك أن من لم يعتبر بمثل هذا لا يكون له عقل سليم، فلا يكون من جملة العقلاء الذين يوصفون بالاعتبار. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان قصصهم حديثًا يتقوله بشر، على هذا دل كلام ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 155.]]: ويجوز أن يكون المعنى: ما كان القرآن حديثًا يفترى، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: من الكتب، أي: يصدق ما قبله من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، قاله ابن عباس [[انظر: "زاد المسير" 4/ 297، البغوي 4/ 287، ابن كثير 2/ 546.]] والحسن [[الطبري 13/ 90، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 78 عن قتادة، وابن أبي حاتم 7/ 2213 عن قتادة.]] وقتادة. ونصب (تصديق) على تقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40]: قاله الفراء [["معاني القرآن" 2/ 56.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 133.]]، قالا: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه من أمور الدين من الحلال والحرام والحجاج والاعتبار، هذا إذا قلنا: ما كان القرآن، وإن قلنا: ما كان القصص، فالمعنى: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته. وهكذا فسر ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 298، و"البحر المحيط" 5/ 356.]] فقال في رواية عطاء والضحاك: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خبر يوسف وإخوته وأمورهم. وعلى التفسيرين جميعًا: قوله ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156] يريد كل شيء يجوز أن يدخل فيها. وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] أي: من كل شيء يجوز أن يؤتى مثلها. وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 298، و"تنوير المقباس" ص 155]]: يريد بيانًا ورحمةً لقوم يؤمنون: أي يصدقون بما جاء به محمد -ﷺ-.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب