الباحث القرآني

فَسَمّى وحْيَهُ وأمْرَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ. وَسَمّاهُ نُورًا؛ لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الهُدى واسْتِنارَةِ القُلُوبِ والفُرْقانِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء وتشرق به. * وقال في (مدارج السالكين) وجَعَلَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ. وَنُورًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الهُدى والرَّشادِ. * وقال في (إغاثة اللهفان) والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما. * (فصل) وَقَدِ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ فَقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ. وَقِيلَ: عَلى الإيمانِ. والصَّحِيحُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الرُّوحِ، في قَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ أمَرَهُ رُوحًا ونُورًا وهُدًى، ولِهَذا تَرى صاحِبَ اتِّباعِ الأمْرِ والسُّنَّةِ قَدْ كُسِيَ مِنَ الرُّوحِ والنُّورِ وما يَتْبَعُهُما مِنَ الحَلاوَةِ والمَهابَةِ والجَلالَةِ والقَبُولِ ما قَدْ حُرِمَهُ غَيْرُهُ، كَما قالَ الحَسَنُ: (إنَّ المُؤْمِنَ مَن رُزِقَ حَلاوَةً ومَهابَةً) * وقال في (الوابل الصيب) والصواب: أنه عائد إلى «الروح» أي جعلنا الذي أوحيناه إليك نورا، فسماه روحا لما يحصل به من الحياة الطيبة، والعلم والقوة. وجعله نورا لما يحصل به من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان. فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة. فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميت مظلم، كما أن من فارق بدنه روح الحياة فهو هالك مضمحل. فلهذا يضرب سبحانه وتعالى المثلين المائي والناري لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة. * وقال في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وَقَدِ اخْتُلِفَ في مُفَسَّرِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ فَقِيلَ: هو الإيمانُ " لِكَوْنِهِ أقْرَبَ المَذْكُورِينَ. وَقِيلَ: هو الكِتابُ " فَإنَّهُ النُّورُ الَّذِي هَدى بِهِ عِبادَهُ. قالَ شَيْخُنا: والصَّوابُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرُّوحِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢] الآيَةَ، أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الرُّوحَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا، فَسَمّى وحْيَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ الَّتِي هي الحَياةُ في الحَقِيقَةِ ومَن عَدِمَها فَهو مَيْتٌ لا حَيٌّ والحَياةُ الأبَدِيَّةُ السَّرْمَدِيَّةُ في دارِ النَّعِيمِ هي ثَمَرَةُ حَياةِ القَلْبِ بِهَذا الرُّوحِ الَّذِي أوْحى إلى رَسُولِهِ ﷺ فَمَن لَمْ يَحْيا بِهِ في الدُّنْيا فَهو مِمَّنْ لَهُ جَهَنَّمُ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا وأعْظَمُ النّاسِ حَياةً في الدُّورِ الثَّلاثِ، دارِ الدُّنْيا، ودارِ البَرْزَخِ، ودارِ الجَزاءِ، أعْظَمُهم نَصِيبًا مِن هَذِهِ الحَياةِ بِهَذِهِ الرُّوحِ. وَسَمّاهُ رُوحًا في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] وَقالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وَسَمّاهُ نُورًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ اسْتِنارَةِ القُلُوبِ وإضاءَتِها وكَمالِ الرُّوحِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: بِالحَياةِ والنُّورِ. ولا سَبِيلَ إلَيْهِما إلّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ والِاهْتِداءِ بِما بُعِثُوا بِهِ وتَلَقِّي العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِن مِشْكاتِهِمْ وإلّا فالرُّوحُ مَيْتَةٌ مُظْلِمَةٌ، فَإنْ كانَ العَبْدُ مُشارًا إلَيْهِ بِالزُّهْدِ والفِقْهِ والفَضِيلَةِ والكَلامِ والبُحُوثِ فَإنَّ الحَياةَ والِاسْتِنارَةَ بِالرُّوحِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ وجَعَلَهُ نُورًا يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَيْسَ العِلْمُ كَثْرَةَ النَّقْلِ والبَحْثِ والكَلامِ، ولَكِنْ نُورٌ يَمِيزُ بِهِ صَحِيحَ الأقْوالِ مِن سَقِيمِها، وحَقِّها مِن باطِلِها، وما هو مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ مِمّا هو مِن آراءِ الرِّجالِ ويَمِيزُ النَّقْدَ الَّذِي عَلَيْهِ سِكَّةُ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَمَنًا لِجَنَّتِهِ سِواهُ مِنَ النَّقْدِ الَّذِي عَلَيْهِ " سِكَّةُ " جَنْكِيزْخانْ ونُوّابِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ والجَهْمِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ وكُلِّ مَنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سِكَّةً وضَرْبًا ونَقْدًا يُرَوِّجُهُ بَيْنَ العالَمِ فَهَذِهِ الأثْمانُ كُلُّها زُيُوفٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ثَمَنِ جَنَّتِهِ شَيْئًا مِنها بَلْ تُرَدُّ عَلى عامِلِها أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْها وتَكُونُ مِنَ الأعْمالُ الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها فَجَعَلَها هَباءً مَنثُورًا ولِصاحِبِها نَصِيبٌ وافِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣] وَهَذا حالُ أرْبابِ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عَلى غَيْرِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحالُ أرْبابِ العُلُومِ والأنْظارِ الَّتِي لَمْ يَتَلَقَّوْها عَنْ مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنْ تَلَقَّوْها عَنْ زُبالَةِ أذْهانِ الرِّجالِ وكُناسَةِ أفْكارِهِمْ فَأتْبَعُوا قُواهم وأفْكارَهم وأذْهانَهم في تَقْرِيرِ آراءِ الرِّجالِ أوِ الِانْتِصارِ لَهُمْ، وفَهْمِ ما قالُوهُ وبَثِّهِ في المَجالِسِ والمَحاضِرِ، وأعْرَضُوا عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَفْحًا، ومَن بِهِ رَمَقٌ مِنهم يُعِيرُهُ أدْنى التِفاتٍ طَلَبًا لِلْفَضِيلَةِ. * (فصل) وَكَمَّلَ اللَّهُ لَهُ ﷺ مِن مَراتِبَ الوَحْيِ مَراتِبَ عَدِيدَةً: إحْداها: الرُّؤْيا الصّادِقَةُ، وكانَتْ مَبْدَأ وحْيِهِ ﷺ، وكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. الثّانِيَةُ: ما كانَ يُلْقِيهِ المَلَكُ في رَوْعِهِ وقَلْبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رَوْعِي أنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ عَلى أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يُنالُ إلّا بِطاعَتِهِ». الثّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلًا فَيُخاطِبَهُ حَتّى يَعِيَ عَنْهُ ما يَقُولُ لَهُ، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ كانَ يَراهُ الصَّحابَةُ أحْيانًا. الرّابِعَةُ: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وكانَ أشَدَّهُ عَلَيْهِ، فَيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حَتّى إنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحَتّى إنَّ راحِلَتَهُ لِتَبْرُكُ بِهِ إلى الأرْضِ إذا كانَ راكِبَها. ولَقَدْ جاءَ الوَحْيُ مَرَّةً كَذَلِكَ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتّى كادَتْ تَرُضُّها. الخامِسَةُ: أنَّهُ يَرى المَلَكَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، فَيُوحِي إلَيْهِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُوحِيَهُ، وهَذا وقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ كَما ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ في [النجم: ٧،: ١٣]. السّادِسَةُ: ما أوْحاهُ اللَّهُ وهو فَوْقَ السَّماواتِ لَيْلَةَ المِعْراجِ مِن فَرْضِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. السّابِعَةُ: كَلامُ اللَّهِ لَهُ مِنهُ إلَيْهِ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي ثابِتَةٌ لِمُوسى قَطْعًا بِنَصِّ القُرْآنِ، وثُبُوتُها لِنَبِيِّنا ﷺ هو في حَدِيثِ الإسْراءِ. وَقَدْ زادَ بَعْضُهم مَرْتَبَةً ثامِنَةً، وهي تَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ كِفاحًا مِن غَيْرِ حِجابٍ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ ﷺ رَأى رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وإنْ كانَ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ بَلْ كُلُّهم مَعَ عائشة كَما حَكاهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ إجْماعًا لِلصَّحابَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب