الباحث القرآني

فَأقْسَمَ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وحَتّى يَرْتَفِعَ الحَرَجُ مِن نُفُوسِهِمْ مِن حُكْمِهِ، وحَتّى يُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ تَسْلِيمًا. وهَذا حَقِيقَةُ الرِّضا بِحُكْمِهِ. فالتَّحْكِيمُ: في مَقامِ الإسْلامِ. وانْتِفاءُ الحَرَجِ: في مَقامِ الإيمانِ. والتَّسْلِيمُ: في مَقامِ الإحْسانِ. وَمَتّى خالَطَ القَلْبَ بَشاشَةُ الإيمانِ، واكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ اليَقِينِ، وحَيّى بِرُوحِ الوَحْيِ، وتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ، وانْقَلَبَتِ النَّفْسُ الأمّارَةُ مُطَمَئِنَّةً راضِيَةً وادِعَةً، وتَلَقّى أحْكامَ الرَّبِّ تَعالى بِصَدْرٍ واسِعٍ مُنْشَرِحٍ مُسْلِمٍ: فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضا بِهَذا القَضاءِ الدِّينِيِّ المَحْبُوبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. * (فائدة) أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان. بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله. وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (فوائد أخرى) وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأكد ذلك بضروب من التأكيد أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن. الثاني: القسم بنفسه سبحانه. الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك. الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها. الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة. السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة. الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه. التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له. العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا. * (فصل) وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (مَنزِلَةُ التَّسْلِيمِ) وَهِيَ نَوْعانِ: تَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وتَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. فَأمّا الأوَّلُ: فَهو تَسْلِيمُ المُؤْمِنِينَ العارِفِينَ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ: التَّحْكِيمُ، وسِعَةُ الصَّدْرِ بِانْتِفاءِ الحَرَجِ، والتَّسْلِيمُ. وَأمّا التَّسْلِيمُ لِلْحُكْمِ الكَوْنِيِّ: فَمَزَلَّةُ أقْدامٍ، ومَضَلَّةُ أفْهامٍ. حَيَّرَ الأنامَ، وأوْقَعَ الخِصامَ. وهي مَسْألَةُ الرِّضا بِالقَضاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وبَيَّنّا أنَّ التَّسْلِيمَ لِلْقَضاءِ يُحْمَدُ إذا لَمْ يُؤْمَرِ العَبْدُ بِمُنازَعَتِهِ ودَفْعِهِ. ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، كالمَصائِبِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِها. وَأمّا الأحْكامُ الَّتِي أُمِرَ بِدَفْعِها: فَلا يَجُوزُ لَهُ التَّسْلِيمُ إلَيْها، بَلِ العُبُودِيَّةُ: مُدافَعَتُها بِأحْكامٍ أُخَرَ أحَبِّ إلى اللَّهِ مِنها. * [فَصْلٌ: التَّسْلِيمُ الصّادِرُ عَنِ الرِّضا والِاخْتِيارِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": وَفِي التَّسْلِيمِ والثِّقَةِ والتَّفْوِيضِ: ما في التَّوَكُّلِ مِنَ العِلَلِ. وهو مِن أعْلى دَرَجاتِ سُبُلِ العامَّةِ. يَعْنِي أنَّ العِلَلَ الَّتِي في التَّوَكُّلِ مِن مَعانِي الدَّعْوى، ونِسْبَتِهِ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ أوَّلًا، حَيْثُ زَعَمَ أنَّهُ وكَّلَ رَبَّهِ فِيهِ، وتُوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ. وجَعَلَهُ وكِيلَهُ، القائِمَ عَنْهُ بِمَصالِحِهِ الَّتِي كانَ يُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ بِالأسْبابِ والتَّصَرُّفاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَدْ عَرَفْتَ ما في ذَلِكَ. وَلَيْسَ في التَّسْلِيمِ إلّا عِلَّةٌ واحِدَةٌ: وهي أنْ لا يَكُونَ تَسْلِيمُهُ صادِرًا عَنْ مَحْضِ الرِّضا والِاخْتِيارِ، بَلْ يَشُوبُهُ كُرْهٌ وانْقِباضٌ، فَيُسَلِّمُ عَلى نَوْعِ إغْماضٍ. فَهَذِهِ عِلَّةُ التَّسْلِيمِ المُؤَثِّرَةِ. فاجْتَهِدْ في الخَلاصِ مِنها. وَإنَّما كانَ لِلْعامَّةِ عِنْدَهُ، لِأنَّ الخاصَّةَ في شُغْلٍ عَنْهُ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِالفَناءِ في عَيْنِ الجَمْعِ. وجَعْلُ الفَناءِ غايَةَ الِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ الجَمْعِ: هو الَّذِي أوْجَبَ ما أوْجَبَ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب