الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ الآية، قال ابن عباس [[ذكر نحوه بدون نسبة البغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.]] والمفسرون [[انظر: الطبري 7/ 231، والماوردي 2/ 129.]]: (يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها). وقال الفراء: (يقال: ليس من قوم إلا ولهم عيد فهم [[في (ش): (عيد فلهم)، وهو تحريف.]] يلهون في أعيادهم إلا أمة محمد، فإن أعيادهم برّ وصلاة وتكبير وخير) [["معاني الفراء" 1/ 339.]]، وهذا قول الكلبي [[ذكره السمرقندي 1/ 493، والقرطبي 7/ 16، وذكره الرازي 13/ 27 عن ابن عباس.]]، فعلى القول الأول معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾: الذي شرع لهم، وعلى قول الفراء المراد بالدين: العيد؛ لأنه مما يتدين [[في (ش): (مما تدين به).]] به فصار داخلًا في جملة الدين. وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: وَعِظْ بالقرآن [["تنوير المقباس" 2/ 30، وهو بلا نسبة في "الوسيط" 1/ 62، والبغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.]] ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قال: يريد ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا) [[ذكره الرازي 13/ 28، وهو قول مقاتل 1/ 568، والأخفش كما ذكره السمرقندي 1/ 493.]]، وهو قول [["معاني الفراء" 1/ 339.]] الفراء قال: (﴿تُبْسَلَ﴾: ترتهن). وقال الحسن [[أخرجه الطبري 7/ 231، من عدة طرق جيدة عن الحسن ومجاهد وعكرمة، وأخرجه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 336 بسند جيد عن الحسن.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 217 - 218.]] وعكرمة [[ذكره الثعلبي 179 أ، والماوردي 2/ 130، عن الحسن وعكرمة والسدي وغيرهم، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318، بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال بعده: (وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والسدي مثل ذلك) ا. هـ. وهو اختيار ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 164.]] والسدي: (تُسلم للهلكة)، قال الليث [["تهذيب اللغة" 1/ 336، وانظر: "العين" 7/ 263 (بسل).]]: (الإبسال: أن يُبسل الرجل فيخذل، واستبسل الرجل للموت: إذا وطن نفسه عليه، من هذا). وقال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" 1/ 336، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وراد: (ويقال: جزيته بها).]]: (يقال: أبسلته بجريرته، أي: أسلمته بها) وينشد على هذا قول الشَّنْفَرَى: سَجِيسَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالجَرَائِرِ [["ديوانه" ص 48، "مجاز القرآن" 1/ 195، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 188، و"إصلاح المنطق" ص 394، و"الشعر والشعراء" ص 31، و"الزاهر" 2/ 213، == والطبري 7/ 223، و"تهذيب اللغة" 1/ 336، والثعلبي 179 أ، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وصدره: هُنَالِكَ لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي وسجيس: أي أبد الليالي وطولها، ومبسلا أي: مسلما ومرتهنا، أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، والجرائر: الجرائم والذنوب.]] وقال آخر [[الشاهد لعوف بن الأحوص الكلابي، شاعر جاهلي، في المراجع السابقة سوى الحماسة والشعر، وإصلاح المنطق، وهو في "النوادر" لأبي زيد ص 151، و"المعاني الكبير" 2/ 1114، و"الصحاح" 4/ 1634، و"المجمل" 1/ 125، و"مقاييس اللغة" 1/ 248، والماوردي 2/ 131، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص 1/ 165، و"معاني الزجاج" 2/ 261، و"الجمهرة" 1/ 339، و"معاني النحاس" 2/ 444، و"المخصص" 13/ 79، وبعوناه: أي جنيناه، والبعو: الجرم والجناية. يقول: رهنت بني في العرب وأسلمتهم من غير جرم.]]: وإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدمٍ مُرَاقِ أي: إسلامي وتركي إياهم، وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال: (معنى ﴿تُبْسَلَ﴾: تسلم بعملها غير قادرة على التخلص، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص) [["معاني الزجاج" 2/ 261، وفيه أيضًا: أي: تسلم، وقيل: ترتهن، والمعنى واحد. اهـ.]]. وقال قتادة: (أن تحبس) [[أخرجه الطبري 7/ 232، وابن أبي حاتم 4/ 1318 من طرق جيدة بلفظ: (تؤخذ فتحبس).]] وهو قول ابن الأعرابي، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [[لفظ: (أن) ساقط من (ش).]] (أي: تحبس في جهنم) [["تهذيب اللغة" 12/ 439، و"اللسان" 12/ 54 (بسل).]]. وروى عن ابن عباس: (﴿تُبْسَلَ﴾: (تُفضح (وأُبسلو): أُفضحوا) [[ذكره البخاري في "صحيحه" 8/ 286، كتاب: التفسير، تفسير سورة الأنعام، وأخرجه الطبري 7/ 332، وابن أبي حاتم 3/ 81 ب و82 أبسند جيد بلفظ: (تفضح - وفضحوا). وقال ابن حجر في "الفتح" 8/ 287: (أفضحوا من الرباعي، وهي لغة، يقال: فضح وأفضح، وروى عنه: فضحوا) ا. هـ. ملخصًا. وفي "مسائل نافع بن الأزرق" ص 114، قال: (تبسل تحبس) ا. هـ وهذه الأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى: تسلم وترتهن، ولعل تفسيره بتفضح تفسير باللازم؛ لأن من لازم أخذهم بالعذاب بما كسبوا أن يفضحوا. وقال النحاس في "معانيه" 2/ 443: (تُسلم حسن، أي: تسلم بعملها لا تقدر على التخلص؛ لأنه يقال: استبسل فلان للموت، أي: رأى ما لا يقدر على دفعه) ا. هـ. ملخصًا. وقال ابن كثير 2/ 162: (الأقوال متقاربة في المعنى، وحاصلها الإِسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب) اهـ. وانظر: المراجع المذكورة في الحواشي، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"الوسيط" 1/ 62، و"الكشاف" 2/ 27، والبغوي 3/ 156، وابن عطية 5/ 238، وابن الجوزي 3/ 65، والقرطبي 7/ 16، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المنثور" 3/ 39، وفيها ذكر عامة الأقوال، وانظر: "الفتاوى" 13/ 343.]]. ومعنى الآية: وذكرهم [[لفظ: (الواو): ساقط من (ش).]] بالقرآن إسلام الجانيين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون، وليس قول من قال: معناه: وذكرهم كيلا ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ بشيء البتة [[لم أقف على هذا القول بنصه. وفي الطبري 7/ 233، قال: (ذكرهم كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: الرازي 13/ 28، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المصون" 4/ 679.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس [[أخرج الطبري 1/ 268 بسند جيد عنه قال: (العدل: البدل، والبدل: الفدية)، وانظر: ابن كثير 2/ 162، و"الدر المنثور" 1/ 166.]] وقتادة [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 455، والماوردي 2/ 131، وابن كثير 2/ 162، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1319، و"تحقيق الغماري" بسند جيد عن أبي العالية، قال: (العدل: الفداء). قال ابن أبي حاتم: (وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع نحوه) اهـ.]] والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 233 بسند جيد عن السدي وابن زيد.]] وابن زيد [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318 بسند جيد، وذكره الماوردي 2/ 131، عن السدي وابن زيد.]]: (وإن تفد كل فداء)، وذكرنا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [[لفظ: (الواو): ساقط من النسخ.]] [البقرة: 123]، وهؤلاء قالوا: (إن تفد كل فداء من جهة المال) قال ابن عباس [[في (أ): (قال ابن عباس: قال): وهو تحريف.]]: (إن تفتد بالدنيا وما فيها لا يؤخذ منها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 62، وفي "تنوير المقباس" 2/ 30 نحوه.]]. وقال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق في التفسير 1/ 2/ 212، والطبري 7/ 233، 2/ 34، وابن أبي حاتم 4/ 1319، من عدة طرق جيدة.]]: (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها). [و] [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]] روي عن الحسن أنه قال: (هذا الفداء من جهة الإسلام والتوبة ولا ينفعهم ذلك في الآخرة) [[ذكره الماوردي 2/ 131.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يقول: أسلموا للهلاك. وقال العوفي: (أسلموا إلى خزنة جهنم) [[ذكره الثعلبي 179 أ.]]. وقال ابن عباس [[سبق تخريجه.]]: (ارتهنوا بما كسبوا)، ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء [[انظر: الطبري 7/ 234، والسمرقندي 1/ 493، وابن الجوزي 3/ 66.]] الحار. قال المفسرون [[هذا قول قتادة في "ناسخه" ص 42. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير، والطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317، والنحاس في "ناسخه" 2/ 321، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326 عنه من طرق جيدة، وذكره ابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، عن السدي، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 68، وأبي منصور البغدادي ص 102، وابن العربي 2/ 212.]]: قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [[في النسخ: (اقتلوا)، وهو تحريف.]] [التوبة: 5]، وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 218، وأخرجه الطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317 من طرق جيدة، وهذا هو الظاهر، وإن كان النسخ جائزًا، لكن أكثرهم على أنه غير منسوخ؛ لأنه تهديد ووعيد للكفار، وليس هو بمعنى الإلزام، والمعنى: ذرهم فإن الله معاقبهم، وهو اختيار النحاس في "ناسخه" 2/ 321، ومكي في "الإيضاح" ص 244، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، ومصطفى زيد في "النسخ" 1/ 480، وانظر: الطبري 7/ 231، وابن عطية 5/ 227، والقرطبي 7/ 17، وانظر: مفهوم النسخ عند السلف ص 267.]]: (ليست بمنسوخة؛ لأن قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ معناه: التهديد، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب