الباحث القرآني

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: على كل فعال، وبكل لسان، وعلى نعم الإسلام، وعلى صحة الأبدان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 5، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1258 بسند ضعيف عنه قال: (الحمد: هو الشكر والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك) ا. هـ.]]. قال أهل المعاني: (هذا في لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: احمدوا الله، وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر؛ لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله، لم يجمع الأمرين) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 143، و"تفسير الماوردي" 2/ 91، و"تفسير القرطبي" 6/ 584، وذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 117، عن أهل المعاني.]]. وقد ذكرنا في [[لفظ (في): ساقط من (ش).]] معنى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في الفاتحة ما فيه مقنع. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال الزجاج [[الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري البغدادي، إمام أكثر الواحدي من الناقل عنه، وقد تقدمت ترجمته.]]: (ذكر أعظم الأشياء المخلوقة؛ لأن السماء [["معاني الزجاج" 2/ 227.]] بغير عمد ترونها، والأرض غير مائدة بنا) [[في (أ): (مائدة بناها)، وعند الزجاج: (مائدة بنا).]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، قد ذكرنا معاني جعل [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية جامعة الإِمام 3/ 79 أ.]] في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103]، و ﴿جَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى خلق، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: ظلمة الشرك، وظلمة النفاق، وظلمة الكفر، وظلمة العصيان، ﴿وَالنُّورَ﴾ يريد: نور الإِسلام، ونور الإيمان، ونور النبوة، ونور اليقين) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وأبو حيان في "البحر" 4/ 68، وفي "الدر" للسيوطي 3/ 6. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: (الكفر والإيمان).]]. وقال الحسن: (يعني الكفر والإيمان) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 5 - 6، والبغوي في "تفسيره" 3/ 126، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 2، والرازي في "تفسيره" 12/ 151، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 386، والخازن في "تفسيره" 2/ 117.]]. وقال السدي: (يعني الليل والنهار) [[أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1260، بسند جيد.]] وهو اختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 227.]]، والأولى أن يكون هذا عامًّا في كل ظلمة ونور؛ لأن جميع ذلك مخلوق لله تعالى [[ذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وقال: (هذا مشكل؛ لأنه حمل للفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معًا) ا. هـ. والظاهر حمل الآية على ظاهرها، والمراد أنار النهار وأظلم الليل، وهو اختيار الجمهور، قال الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" ص 107؛ (يعني خلق الظلمات والنور)، وقال ابن عطية 5/ 121: (قالت فرقة: الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، وهذا غير جيد؛ لأنه أخرج لفظٌ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه، والنور أيضًا هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه) ا. هـ. وانظر "تفسير الطبري" 7/ 143، والسمرقندي 1/ 473، والماوردي 2/ 92 ، و"البحر" 4/ 68.]]. قال المفسرون: (الظلمة أقدم من النور، وهي مخلوقة قبل، فلذلك قدمت في الذكر، وكذلك السموات خلقت قبل الأرض) [[هذا قول قتادة أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم 4/ 1259، بسند جيد، وقال السمين في "الدر" 4/ 524: (قدمت الظلمات لأنه موافق في الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور) ا. هـ. والراجح عند الجمهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء. قال ابن كثير في تفسيره 1/ 73: (هذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله الطبري عن قتادة وتوقف في ذلك القرطبي) ا. هـ ملخصًا. وانظر "تاريخ الطبري" 1/ 32 - 36، وتفسيره 1/ 192 - 194، و"الكشاف" 1/ 271، و"زاد المسير" 1/ 57، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" للشنقيطي ص 14 - 16.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: عبدة الأوثان في قول عامة المفسرين [[انظر الطبري في "تفسيره" 7/ 144، والسمرقندي 1/ 473، وابن كثير 2/ 139، والظاهر أنها عامة في سائر أصناف الكفار، وهو اختيار الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 122.]]. قال ابن عباس: (يريد: عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقروا بربوبيتي وبنعمتي) [[في تنوير المقباس 2/ 3، قال: (يعدلون به الأصنام).]]، وقال الزجاج: (أعلم الله تعالى أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلاً، فيعبدون الحجارة [الموات [[لفظ: (الموت) ساقط من (أ)، وفي (ش): (والموات).]]]، وهم مقرون بأن الله خالق ما وصف [[معاني الزجاج 2/ 227.]]، وقوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، العدل: التسوية؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه [[انظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 663، و"الصحاح" 5/ 1761، و"المجمل" 3/ 651، و"مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2840 (عدل).]]. ومعنى ﴿يَعْدِلُونَ﴾: يشركون به غيره، قاله [["تفسير مجاهد" ص 211، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 144، وابن أبي حاتم 4/ 1260 من طرق جيدة.]] مجاهد. وقال الأحمر [[تقدمت ترجمته.]]: (عدل الكافر بربه عدلاً وعدولًا إذا سوى به غيره فعبده) [["تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).]]. وقال الكسائي [[الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، تقدمت ترجمته.]]: (عدلت الشيء أعدله عدولًا إذا ساويته [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ش).]]، وعدل الحاكم في الحكم عدلاً) [["معاني النحاس" 2/ 398، و"تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).]]. والآية توجب أنه لا تجوز العبادة إلا لمن له القدرة على خلق السموات والأرض، وهو الله وحده لا شريك له [[قال الشنقيطي في "تفسيره" 2/ 180: (في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وجهان للعلماء، أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ ... والثاني: أن الباء متعلقة بـ"يعدلون" والمعنى يجعلون له نظيرًا في العبادة، وهذا الوجه هو الذي يدل عليه القرآن). وهذا اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 139.]]. وقال صاحب النظم [[صاحب النظم هو: الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، له كتاب "نظم القرآن" مفقود.]]: (دخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دليل على معنى لطيف، وهو أنه عز وجل دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجب المؤمنين من ذلك، مثال [[في (ش): (مثل).]] أن تقول: أكرمتك وأحسنت إليك ثم تشكوني وتشتمني، منكرًا لذلك عليه ومتعجبا منه [[أفاد الجمهور أن (ثم) تفيد الإنكار والتوبيخ والاستبعاد والتراخي بين الرتبتين، فهي تفيد الإنكار والتوبيخ على قبح الكفر واستبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الأدلة اختيار الباطل، ولو كان العطف بالواو لم يلزم ذلك كلزومه بثم. انظر: "تفسير البغوي" 3/ 126، وابن عطية 5/ 122، والرازي 11/ 151، والقرطبى في "تفسيره" 6/ 387، و"البحر" 4/ 68، و"الدر المصون" 4/ 524.]]، ومثل هذا في المعنى قوله فيما بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) [[لم أقف عليه. وقال الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 351: (ثم) تتضمن الإنكار على الكفار والتعجب للمؤمنين، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) ا. هـ. وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 4: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ استبعاد؛ لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم) ا. هـ.]] [الأنعام: 2].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب