الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في اليهود [[ممن قال بذلك: عكرمة كما سيأتي، ومقاتل، والكلبي، والحسن. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "النكت والعيون" 1/ 404. ولم أقف على غيرهم قال بهذا القول. وفي الآية روايات أخرى صحيحة، تخالف هذا القول ذكرها المفسرون، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 686، "ابن كثير" 1/ 401، "الدر المنثور" 2/ 77.]]. قال عكرمة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 321، 6/ 528، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 411.]]: إن جماعة من علمائهم [[هم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحُقَيق، وكعب بن الأشرف، وحُيي بن أخطب. كما في المراجع السابقة.]] كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد ﷺ، وبدَّلُوه، وكتبوا غيره بأيديهم من عندهم، فيما ادَّعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا تفوتهم الرِّشَى [[الرِّشى بكسر الراء، وبضمها: جمع رَشْوة بفتح الراء وبضمها وبكسرها: وهي الجُعْل الذي يُتوصل به إلى الحاجة، وأصلها من الرِّشاء، وهو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والمصدر: الرَّشْوُ. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 2/ 226، "اللسان" 3/ 1648 (رشا).]] والمآكل. ودليل هذا: قوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [[سورة البقرة: 174. وهذه الآية نزلت في اليهود. انظر: "تفسير الطبري" 2/ 89.]] الآية. وقال ابن عباس في رواية باذان [[في (ب): بانوان. ولم أقف على مصدر هذه الرواية. وباذان، هو: أبو صالح، مولى أم هانئ، يقال: باذان، وباذام. وقد سبق، ورواية باذان عن ابن عباس وردت في "تفسير الثعلبي" من طرق كلها عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.]]: نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فَنَكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين، وأقر للمدَّعِي بحقه، ودفعه إليه [[ورد عن ابن جربج أثر قريب من هذا القول أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 322: (قال [يعني أن جريج]: قال آخرون ..) ثم ذكره. وملخصه: أن الأشعث بن قيس اختصم مع رجل في أرض، فطلب الرسول ﷺ من الرجل البيِّنة، فقال: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث، قال: فلك يمينه فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعثُ، وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق. فردَّ إليه أرضه، وزاده من نفسه زيادة كثيرة .. قال الشيخ أحمد شاكر: (هذا حديث مرسل، لم يذكر ابن جريج من حدَّثه به، فهو ضعيف الإسناد). المرجع السابق. وورد في نزول هذه الآية أسباب أخرى، أصح من هذا الأثر، فقد ورد أنها نزلت في السبب التالي: (قال رسول الله ﷺ: "من حلف يمين صبر؛ ليقتطع بها مال امريء مسلم، لقيَ الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية. قال فدخل الأشعث بن قيس، وقال: فيَّ أنزِلَت، كانت لي بئر في أرض ابن عمِّ لي، قال النبي ﷺ: "بيِّنَتك أو يمينه". فقلت إذًا يحلفُ يا رسول الله! فقال النبي ﷺ من حلف على يمين صبر ..). إلى آخره. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾، واللفظ له، انظر: "فتح الباري" 8/ 212. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (138) كتاب الإيمان، باب: (وعيد من اقتطع حق مسلم). وأبو داود في "السنن" (3243) كتاب الأيمان والنذور، باب: (فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا). والترمذي في "السنن" (2669) كتاب التفسير، باب: (ومن سورة آل عمران). وابن ماجه في "السنن" (2322) كتاب الأحكام، باب: (البيِّنة على المدعي). وأحمد في "المسند" 5/ 211، 212 وانظر: "المسند" شرح شاكر ==5/ 210 رقم (3597)، 6/ 58 رقم (4049). والبيهقي في "السنن" 10/ 178، وأبو داود الطيالسي في مسنده: 35 رقم (262)، 141 رقم (1050، 1051)، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 234، والحميدي في مسنده: 1/ 53 رقم (95)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 299، والطبري في "تفسيره" 3/ 220 وفيه أن الخصومة كانت بين الأشعث وبين رجل من اليهود، وأخرجه ابن أبي حاتم في 2/ 686. وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾ سببًا آخر عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: (أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يُعطَه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلين. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾). انظر: "فتح الباري" 8/ 213، وأخرجه كذلك الطبري 6/ 533، وابن أبي حاتم 2/ 686. وقد وردت روايات أخرى، ولكنْ هاتان الروايتان أصح ما ورد، وعليهما الاعتماد، وهما نصَّان في السببيَّة، ولا يمتنع أن يتعدد السبب والنازل واحد. وقال الكرماني: (لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامته السلعة، فظنَّ أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتين وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية). "فتح الباري" 11/ 560. ولكن هذا لا يمنع أن يدخل اليهود فيها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف. وانظر بقية الروايات في "تفسير الطبري" 6/ 530 - 534.]]. ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون [[في (ب): يسترون: يستدلون.]]. وذكرنا هذا في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [[في (ج): (واشتروا). سورة البقرة: 16.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. جاز [[في (ب): (فإما).]] أن يكون [[من قوله: (أن يكون) إلى (لم ينقض ذلك) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 434 نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعض عباراته بالزيادة والاختصار.]] إسماع الله جلَّ وعز أولياءَهُ كلامَهُ بغير سفير، خصوصيةً يَخُصُّ بها أولياءَه، فهو لا [يكلم هؤلاء أصلا. ويكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة. وجائز أن يكون معنى] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لا يكلمهم بكلامٍ يَسُرُّهم. ونفى الكلامَ أصلًا لأنه يتضمن [[في (ج): (يضمن).]] معنى الغضب؛ كما يقال: (فلان لا يكلم فلانًا)، تأويله: أنه غضبان عليه، وإنْ كلمه بكلام سوء، لم ينقض ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾. أراد: نظر الرحمة؛ كما يقال: (نظر فلان لفلان)، و (نظر الأمير لرعيته): إذا رحمهم، وبهذا فسره ابن عباس، فقال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: لا [[في (ب): (ولا).]] يرحمهم. وروى جعفر بن سليمان الضُّبَعِي [[هو: أبو سليمان الحرشي البصري. قال عنه ابن حجر: (صدوق زاهد، لكنه كان يَتَشيَّع)، وعَدَّه من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، توفي سنة (178 هـ). انظر الجرح والتعديل: 2/ 481، "ميزان الاعتدال" 1/ 408، "تقريب التهذيب" (942).]] عن أبي عِمْران [[في (ج): (أبي عمر).]] الجَوْني [[في (ب): الجرني. وهو: أبو عمران، عبد الملك بن حبيب، البصري، الأزدي، الجَوْني. ثقةٌ، من التابعين، توفي سنة (128هـ) وقيل: بعدها. انظر: "الأنساب" 2/ 125، "تقريب التهذيب" (4172).]]، أنه قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 63 أ، وقد أورده بسنده عنه.]]: ما نظر الله عز وجل إلى شيء إلاَّ رَحِمَه، ولو قضى أن ينظر إلى أهل النار لرحِمَهُم؛ ولكن قضى أن لا ينظرَ إليهم. ومضى الكلام في معنى تزكية الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب