الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية. قال المفسِّرُون: إنَّ أبا سفيان يوم أحد، حين أراد أن ينصرف، قال: يا محمد! موعِدُ ما بيننا وبينك موسمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى [[وتسمى هذه الغزوة -كذلك- بغزوة بدر الثانية، والآخرة، والموعد. و (بدر) هو نفسه المكان الذي وقعت فيه معركة بدر الكبرى، أو الأولى. وقد حدد المشركون هذا المكان للقاء رسول الله ﷺ؛ انتقامًا لقتلاهم الذين قتلهم المسلمون في هذا الموضع في معركة بدر الأولى. انظر أخبار هذه الغزوة في: "سيرة ابن هشام" 3/ 221 - 222، و"المغازي" 1/ 384.]]، لِقابِل، إنْ شِئْتَ. فقال [[في (ج): (وقال).]] رسول الله ﷺ [[(رسول الله ﷺ): ليس في: (ج).]]، (ذلك بيننا [وبينك] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، إن شاءَ الله). فَلَمَّا كان العام المقبل، خرج أبو سُفيان في أهل مَكَّةَ، حتى نزل [مَجَنَّة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (جنة). والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر. ومَجَنَّة: موضعٌ، كان سوقًا للجاهلية، يقع بناحية مرِّ الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، على بعد مسافة من مكة. وقيل في تحديد موقع مجنة غير ذلك. انظر: "معجم ما استعجم" 4/ 1187، و"معحم البلدان" 5/ 58.]]، ثم ألقى اللهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ. فَبَدَا له الرجوع، فلقي نُعَيْمَ بنَ مَسْعُود الأشجَعِي [[تقدمت ترجمته.]]، فبعثه أبو سفيان، وقال: ثَبِّطْ [[في (ج): (نسط).]] عنّا مُحَمَدًا، وخَوِّفْهُ حتى لا [[(لا): ساقطة من (ج).]] يلقانا ببدر الصغرى. ولأن يكونَ الخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِم، أحبّ إليّ مِنْ أنْ يكون مِنْ قِبَلي. فأتاهم نعَيْم [وخَوَّفَهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، فوجدهم يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: قد أَتَوْكُم في بلدكم، وصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا وَرَدْتُم عليهم في بَلْدَتِهِم، وهم أكثر، وأنتم أقل؟ وهذا قول: مجاهد [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 315.]]، وعكرمة [[قوله في: "تفسير سفيان بن عيينة" 230، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 140، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 327 رقم (2914)، و"تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 816، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، والواقدي [[قوله في "المغازي" 1/ 327.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 4/ 279.]]. فـ ﴿النَّاسُ﴾ على قول هؤلاء، في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾: هو نُعَيم ابن مسعود. وهو من العَامِّ الذي أريد به الخاصُّ. وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. وجاز ذلك): ساقط من (ب).]] اختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 247.]] والزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 489. وبه قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 282.]] أن ﴿النَّاسُ﴾ -في هذا الموضع [[في (ج): (القول).]] -: واحدٌ. وجاز ذلك؛ لأن هذا القول [[(واحد وجاز ذلك لأن هذا القول): ساقط من (ج).]] جاء من قِبَل الناس، فوُضِعَ كلامٌ موْضِعَ كلامٍ؛ للإيجاز [[في (أ)، (ب)، (ج): الإيجاز. والمثبت هو ما استصوبته.]]؛ وذلك أن نُعَيْمًا [[في (ب): (فيهما).]] ابتدأ بقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، ثم انتشر هذا القولُ؛ وخاضَ فيه الناسُ، وتكلم به كلُّ [[كل: ساقطة من (ج).]] أَحَدٍ، و-أيضًا- فقد يُطْلَقُ لفظُ (الناس) على الواحد، كما تقول -إذا انتظرت قومًا، فجاء واحدٌ منهم-: (قد جاءَ الناسُ)؛ إمَّا لتفخيمِ الشَأْنِ، وإمَّا لابتداء الإتيان. وقال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 180.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 180، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 818.]] -في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ﴾ -: هم [[هم: ساقطة من (ج).]] رَكْبٌ مِنْ عَبْد القيس، مَرُّوا بِأبِي سفيان، فَدَسَّهم [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وقد تكون (فندبهم)، وهي أولى وأنسب للمعنى.]] على المسلمين لِيُجَبِّنُوهم [[في (ب): (ليجيبوهم).]] عنه، وَضَمن على ذلك لهم جُعْلًا [[الجُعْل، والجِعال، والجُعالة، والجَعالة، والجعيلة: هو ما جُعل من عطاءٍ على عملٍ، وهو أعم من الأجرة والثواب والجمع: جُعُل، وجعائل. انظر: (جعل) في: "اللسان" 2/ 637، و"التاج" 14/ 109. وما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -هنا- يعنيان به ما حدث عند خروج النبي ﷺ وأصحابه في طلب أبي سفيان والمشركين، بعد انصرافهم من أحد إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد عزموا على الكَرَّة على المسلمين لاستئصالهم، فلما أن علموا بخروج رسول الله ﷺ، في إثرهم، فَتَّ ذلك في عَضُدِهم، وحينها == طلبوا من الركب من (عبد القيس) الذين مروا بهم مبتغين المدينة للمِيرَة أن يهوِّلوا من أمر جيش المشركين، ويثَبِّطوا المسلمين عن لقائهم. وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 182، وقال ابن عطية: (وهذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد)، واستصوبه "المحرر الوجيز" 3/ 426. ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 463. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي 134 - 135.]]. وقال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 154 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 279، و"زاد المسير" 1/ 505.]]: ﴿النَّاسُ﴾ ههنا هم: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر، لميعاد أبي سفيان: قد أتوكم في دياركم، فقاتلوكم [[(فقاتلواكم): ساقطة من (ج).]] وظَفَرِوا [[في (ج): (فطفروا).]] فإنْ أتيتموهم في ديارهم لا يَرْجِعُ منكم أَحَدٌ. ومحل ﴿الَّذِينَ﴾: رَفْعٌ أو خفْضٌ، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: 172] لأن هذا بدل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابَه. وقوله [[(أ)، (ب): (وقولهم)، والمثبت من (ج).]]: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: زادهم قولُ الناس لهم إيمانًا. أضمر المصدر، وأسند الفعل إليه. ومثله: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]؛ أي: ما زادهم [[في (ج). (ما جاهم).]] مجيءُ النذيرِ. ومثله: قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: 22]؛ أي: ما زادهم رؤيتُهم لهم. ومثله مِنْ إضمار المصدر لِدِلالَةِ الفعلِ عليه كثيرٌ. ومعنى قوله: ﴿إِيمَانًا﴾: قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: أي: تصديقًا ويقينًا. وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 490، نقله عنه بنصِّه.]]: أي: فزادهم ذلك التخويف ثبوتًا في دينهم، وإقامة على نُصْرة نبيهم. ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [أي: الذي [[(الذي): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): الذي. والمثبت هو ما استصوبته.]] يكفينا أمرَهم: اللهُ. قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 96. نقله عنه باختصار.]]: معنى قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]: كافينا الله، وأنشد: إذا كانت الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ [[البيت، نُسِب لجرير في "ذيل الأمالي" 140. ولم أقف عليه في ديوانه. ونُسِب لِلَبِيد في: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 3/ 870، ولم أقف عليه في ديوانه. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417، و"الأصول في النحو" 2/ 37 و"جمهرة اللغة" 2/ 1047، و"الزاهر" 1/ 96، و"التهذيب" 1/ 810، و"التكملة" للفارسي 324، و"الصحاح" 6/ 2429 (عصا)، و"المخصص" 16/ 14، و"سمط الآلىء" 899، و"شرح المفصل" 2/ 51، و"اللسان" 2/ 865 (حسب)، 8/ 4732 (هيج)، 5/ 2981 (عصا)، و"مغني اللبيب" 731، و"المقاصد النحوية" 3/ 84، 2/ 136. الهَيْجاء، والهَيْجا، والهَيْج، والهِياج: الحرب. انظر: "اللسان" 8/ 4732 (هيج). (انشقت العصا): أي: وقع الخلاف. انظر: "الصحاح" 6/ 2428 (عصا).]] قال: معناه: يكفيك ويكفي الضحاكَ [[ناقل في "لسان العرب" عن ابن بَرْي معنًى آخر، فقال: (الواو في قوله: == (والضحاك) بمعنى الباءَ، وإن كانت معطوفة على المفعول، كما تقول: (بعت الشاءَ شاةً ودرهمًا)؛ لأن المعنى: أن الضحاك نفسه هو السيف المُهنَّد، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيفٌ مهنَّدٌ كما ذكر). "اللسان" 5/ 2981 (عصا). ولكن المعنى الأوَّل الذي ذكره المؤلفُ هو الأوضح والأشهر.]]. ومثله [[في (ج): ومنه. وفي "الزاهر": (ومن ذلك).]] قول امرىء القَيْسِ: وحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ [[عجز بيت، وصدره: فَتُوسِعُ أهلَها أقِطًا وَسَمْنًا وهو في "ديوانه" ص 171. وقد نسب له -كذلك- في: "الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262، و"اللسان" 8/ 4835 (وسع)، 4/ 2104 (سمن). وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 157أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 282. وقد ورد في بعض المصادر: (فتملأ بيتنا أقطًا ..). والأقِط: شيء يصنع من اللبَن المخيض، على هيئة الجبن. والشاعر -هنا- يتحدث عن (مِعْزى)، تَدُرُّ الحليب، وتوسع أهلها بالأقط، والسَّمِن.]] أي: يكفيك الشِبَعُ والرِيُّ. ويقال: (أَحْسَبَني الشيءُ، إحْسابًا): إذا كفاني [[يقال: (أحسبني الشيءُ إحسابًا)، وهو (مُحسِبٌ): إذا كفاني. انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 49، و"الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417.]]. فـ (حَسْبُ) مأخوذٌ من (الإحْساب)، وهو: الكِفَايَة. وهو اسمٌ فيه معنى الفعل؛ ألا ترى أنه يُعْطَفُ على المَكْني المتصل به بالنصب، كقوله: (فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ)، على معنى: يكفيك. ومثله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: 33]. وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكول إليه الأمور. (فَعِيل) بمعنى: (مَفْعُول) [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 54.]]. قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 100، نقله عنه بتصرف.]]: والعرب تتكلم بالوكيل، بمعنى: الكَفِيل. فتقول: (هو وكيلٌ بكذا وكذا)؛ يريدون: كفالته به. قال الشاعر: ذَكَرْتُ أبا أرْوَى فَبِتُّ كَأنَنِي ... بِرَدِّ [[في (أ)، (ب): (بود). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] الأُمورِ الماضيات وَكِيلُ [[البيت، ورد منسوبًا لشقران السلامي، في "بهجة المجالس" 3/ 112. وورد غير منسوب في: "البيان والتبيين" 3/ 164، و"الزاهر" 1/ 100. وقد ورد في المصادر السابقة: (.. برد أمورِ الماضيات).]] أراد: كأنني برد الأمور كفيلُ. وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 2/ 116. وقول الفراء -هنا-، هو من تتمة نقل المؤلف عن "الزاهر" 1/ 99 - 100.]]: الوكيل: الكافي. قال الله -عز وجل-: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2]، أي: كافيا. قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 100. نقله عنه بالمعنى.]]: والذي أختاره: مذهب الفرّاء؛ لأن (نِعْمَ) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقًا للذي قبلها؛ كما تقول: (رازقُنا اللهُ، ونِعْمَ الرّازق). و (خالقُنا الله؛ ونعم الخالق). فيكون أحسنَ مِنْ قولك: (رازقنا الله؛ ونعْمَ الخالق)، وكذلك الآية: يكفينا [[في (ج): (ويكفينا).]] الله، ونِعْمَ الكافي. وأصلُه في اللغة: ما ذكرنا؛ أنه الموكول إليه، ثم الكافي [[أنكر الزجاج أن يكون (الوكيل) بمعنى (الكافي)؛ فقال -بعد أن ذكر رأي == الفراء-: (ونحن لا نعرف في الكلام: (وَكَلْتُ) ولا (وكَلْتُ إليه): إذا كَفَيْت. فلا ندري من أين له هذا القول). "تفسير أسماء الله الحسنى" 54.]]. والكفيل؛ يجوز أنْ يُسَمَّى: وكَيلاً؛ لأن الوكيل يكفي الأمور والكفيلُ -أيضًا- موكولٌ إليها الأمر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب