الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآية، قال أهل اللغة، الفراء وغيره: النعيق: دعاء الراعي الشاة، يقال: انعَقْ بضَأنِك، أي: ادعُها، وقد نَعَقَ يَنْعِقُ نعيقًا ونَعْقًا ونَعْقانًا ونُعاقًا، إذا صاح بالغنم زجرًا، قال الأخطل: فانعِقْ بِضَأْنِك يا جريرُ فإنما ... مَنَّتْكَ نَفْسُك في الخَلَاء ضَلالا [[البيت في "ديوان الأخطل" ص 392، "تفسير الطبري" 2/ 83، والثعلبي 1/ 1336، "خزانة الأدب" 11/ 133، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 497، "مجاز القرآن" 1/ 64، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 183.]] [[ينظر في معنى نعق: "تفسير الطبري" 2/ 83، "تهذيب اللغة" 4/ 3613، "تفسير الثعلبي" 1/ 1335، "المفردات" 501، "اللسان" 7/ 4476.]] وللعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان: أحدهما: تصحيح المعنى بإضمار في الآية. والثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار [[ينظر في معنى الآية: "تفسير الطبري" 2/ 79، "المحرر الوجيز" 1/ 63 - 65، "تفسير القرطبي" 2/ 197 - 198، "البحر المحيط" 1/ 481.]]. فأما الذين أضمروا فقد اختلفوا، فقال الأخفش [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1334، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 242.]] وابن قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" ص 199، "تفسير غريب القرآن" ص 65.]]: تقدير الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل؛ فَحَذَف أحدَ المثلين اكتفاءً بالثاني، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81]، وعلى هذا التقدير: شبه الكفار بالبهائم، وشبه داعيهم بالذي يصيح بها، وهي لا تعقل شيئًا. وقال الفراء [[ينظر: "معاني القرآن" للفراء بمعناه، وقال بعد ذكر القولين: وكلٌّ صواب.]] في هذه الآية قولين: أحدهما: أن تقدير الآية: ومثل واعظ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، فحذف كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، أي: أهلها [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، "البحر المحيط" 1/ 482، وهذا اختيار الطبري.]]. والقول الثاني: أن معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسولهِ كمثل المنعوقِ به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهى غير الصوت، فيكون المعنى للمنعوق به [[ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 63، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1246، "البحر المحيط" 1/ 482.]]، والكلام خارج على الناعق، وهو جائز عند العرب، يقلبون الكلام لاتضاح المعنى عندهم، فيقولون: اعرض الحوض على الناقة، وإنما هو: اعرض الناقة على الحوض، وأنشد: كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناءُ فريضةَ الرجم [[البيت للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 35، "لسان العرب " 3/ 1875 (زني)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء، "مجاز القرآن" 1/ 378، "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 1337.]] أراد: كما كان الرجمُ فريضةَ الزنا. وعلى هذا حُمِل قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: 76]، المعنى: أن العُصْبَةَ تنوء بالمفاتح [["معاني القرآن" للفراء 1/ 99 - 100، "تفسير الثعلبي" 1/ 1336 - 1337.]]. واعترض ابن قتيبة على هذا القول بأن قال: لا يجوز لأحد أن يحكم بهذا على كتاب الله، لأن الشاعر يقلب اللفظ ويزيل الكلام عن الغلط، على [[في (أ)، (م): (على الغلط وعلى طريق).]] طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة الوزن، والله تعالى لا يغلط ولا يُضطر. هذا كلامه [["تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 200، "البحر المحيط" 1/ 482 وقال: وينبغي أن ينزه القرآن عنه؛ لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر، أو إن جاء في الكلام فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه.]]. وقول الفراء صحيح وإن أنكره ابن قتيبة، موافق لمذاهب العرب في فنون مخاطباتها، فإنهم يفعلون الشيء للضرورة، ثم يصير وجهًا ومذهبًا لهم في الكلام، حتى يجيزوه وإن لم تدع إليه ضرورة. وعلى هذا الطريق أراد: بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً: البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الراعي، إنما تسمع صوتًا ولا تدري ما تحته، لو قال لها: كلي واشربي لم تقف على معنى قوله، فالذين كفروا يسمعون كلام النبي ﷺ وهم كالغنم، إذ كانوا لا يستعملون ما يأمرهم به، ولا ينتهون عما نهاهم عنه. وهذا قول ابن عباس [[رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282.]] وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع [[رواه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع: "الطبري" 2/ 79، وذكره "الثعلبي" 1/ 1334.]] والسدي [[رواه عنه الطبري 2/ 80، وابن أبي حاتم 1/ 282.]]. والطريق الثاني في الآية: هو أن معناها: ومثل الكفار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرعاةِ يكلمون البَهم والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى إضمار [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1338، "الوسيط" للواحدي 1/ 255، والرازي 5/ 8، والقرطبي 2/ 197 - 198.]]. وقال عبد الرحمنُ بن زيد: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه منها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه [[رواه عنه الطبري 2/ 82.]]، وتقدير الآية على هذا القول: ومثلهم في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بشيء لا يسمع منه الناعقُ إلا دعاءه ونداءه؛ لأن الصدى هو صوته عاد إليه، وذلك أنه إذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، وليس وراء القول شيء، إلا أنَّ يخيل إليه أن مجيبًا يجيبه، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة. فكذلك يخيل إلى هؤلاء المشركين أن دعاءهم للأصنام يستجاب، وليس لذلك [[في (م): (مستجاب وليس كذلك).]] حقيقة ولا فيه فائدة، والسمع على هذا في قوله: (لا يسمع) منفي عن الناعق لا عن المنعوق به [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81، والثعلبي 1/ 339، والسمعاني 2/ 128، والبغوي 1/ 181، والرازي 5/ 9.]]. قال ابن الأنباري: ويجوز على هذا القول أيضًا: أن يكون السمع منفيًا عن المنعوق به، فيكون المعنى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ألبتة [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 81]]. والدعاءُ والنداءُ ينتصبان بـ (ينعق)، و (إلا) توكيد هاهنا، معناها السقوط، كقول الفرزدق: هم القوم إلا حيث سلّوا سيوفهم ... وضَحَّوا بلحم من مُحِلٍّ ومُحرِمِ [[البيت للفرزدق في "ديوانه" ص 200.]] معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم [[من قوله: (معناه هم). ساقطة من (ش).]]. انتهى كلامه. والتقدير الأول في هذا المعنى أولى مما ذكره أبو بكر؛ لأن السمع إذا كان منفيًّا عن المنعوق به لم يكن للجبل اختصاص بالنعيق به؛ لأن غير الجبل من القفار والرمال والأشجار لا يسمع ألبتة أيضًا، وفي نفي السمع عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه [[ينظر: "التبيان" للعكبري ص 109.]]. وجمهور أهل التأويل على ما ذكرنا أولًا؛ لأن المشهور في كلام العرب أن النعيقَ صوتُ الراعي بالغنم، فإن حمل على غيره من الأصوات لم يكن حقيقة فيه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب