الباحث القرآني

سُورَةُ يُونُسَ مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ (p-١٢٠)﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣] ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] . القَدَمُ: قالَ اللَّيْثَ وأبُو الهَيْثَمِ: القَدَمُ السّابِقَةُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ ومَفاخِرُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ: كُلُّ سابِقٍ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو قَدَمٌ. وقالَ الأخْفَشُ: سابِقَةُ إخْلاصٍ؛ كَما في قَوْلِ حَسّانَ: ؎لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى: كُلُّ ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَمَلُ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ولا إبْطاءٌ. المُرُورُ: مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ والعُبُورُ عَلَيْهِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ جاوَزْتُهُ. والمِرَّةُ: القُوَّةُ، ومِنهُ ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] . ومَرَرَ الحَبْلَ قَوّاهُ، ومِنهُ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . العاصِفُ الشَّدِيدُ، يُقالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا عَصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ∗∗∗ فِيها قِطارٌ ورَعْدٌ صَوْتُهُ زَجَلُ وأعْصَفَ الرِّيحُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَهَتْ عَلَيْهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍ ∗∗∗ هَوْجاءَ لَيْسَ لِلُبِّها زَبْرُ وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولَمْ يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ المَوْجُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ هُبُوبِ الهَواءِ، سُمِّيَ مَوْجًا لِاضْطِرابِهِ. * * * ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (p-١٢١)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى آخِرِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَإنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ، ونَزَلَ باقِيها بِالمَدِينَةِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ وجابِرٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وسَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: لَمْ يَجِدِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَجِبَتْ قُرَيْشٌ أنْ يُبْعَثَ رَجُلٌ مِنهم، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: لَمّا حَدَّثَهم عَنِ البَعْثِ والمَعادِ والنُّشُورِ تَعَجَّبُوا. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وذَكَرَ تَكْذِيبَ المُنافِقِينَ ثُمَّ قالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ - أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ، والنَّبِيِّ الَّذِي أرْسَلَ، وأنَّ دَيْدَنَ الضّالِّينَ ومُتابِعِيهِمْ ومُشْرِكِيهِمْ واحِدٌ في التَّكْذِيبِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وبِمَن جاءَ بِها، ولَمّا كانَ ذِكْرُ القُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ جاءَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكِتابِ عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ، وتَقَدَّمَ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ المُعْجَمِ، وذَكَرُوا هُنا أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ مِنها: أنا اللَّهُ أرى، ومِنها: أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ، ومِنها: أنَّهُ يَتَرَكَّبُ مِنها ومِن ”حم“ ومِن نُونِ الرَّحْمَنِ. فالرّاءُ بَعْضُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ مُفَرَّقَةً، ومِنها: أنا الرَّبُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ تِلْكَ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها مِنِ اسْتِعْمالِها لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ. فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أشارَ بِـ ”تِلْكَ“ إلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَيَكُونُ الآياتُ القَصَصَ الَّتِي وُصِفَتْ في تِلْكَ الكُتُبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إشارَةٌ إلى آياتِ القُرْآنِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الكِتابِ المُحْكَمِ الَّذِي هو مَخْزُونٌ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومِنهُ نُسِخَ كُلُّ كِتابٍ كَما قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١] وقالَ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ [الزخرف: ٤] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الرّاءِ وأخَواتِها مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، أيْ: تِلْكَ الحُرُوفُ المُفْتَتَحُ بِها السُّوَرُ وإنْ قَرُبَتْ (p-١٢٢)ألْفاظُها فَمَعانِيها بَعِيدَةُ المَنالِ. وهي آياتُ الكِتابِ، أيْ: الكِتابُ بِها يُتْلى، وألْفاظُهُ إلَيْها تَرْجِعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ ”تِلْكَ“ بِمَعْنى ”هَذِهِ“، والمُشارُ إلَيْهِ حاضِرٌ قَرِيبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. فَقِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: آياتُ السُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ هو الرّاءُ، فَإنَّها كُنُوزُ القُرْآنِ، وبِها العُلُومُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِها. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ. والكِتابُ السُّورَةُ. والحَكِيمُ: الحاكِمُ، أوْ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها. وتَعَلُّقِهِ بِها، أوِ المُحْكَمُ، أوِ المَحْكُومُ بِهِ، أوِ المُحَكَّمُ، أقْوالٌ. والهَمْزَةُ في (أكانَ) لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِوُقُوعِ العَجَبِ مِنَ الإيحاءِ إلى بَشَرٍ مِنهم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، أيْ: لا عَجَبَ في ذَلِكَ، فَهي عادَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ، أوْحى إلى رُسُلِهِمُ الكُتُبَ بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَلى أيْدِي مَنِ اصْطَفاهُ مِنهم. واسْمُ (كانَ) ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾، و(عَجَبًا) الخَبَرُ، و(لِلنّاسِ) فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن (عَجَبًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ كانَ حالًا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ (عَجَبًا)، ولَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هو بِمَعْنى مُعْجِبٍ، والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى المَفْعُولِ جازَ تَقَدُّمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ كاسْمِ المَفْعُولِ. وقِيلَ: هو تَبْيِينٌ، أيْ: أعْنِي لِلنّاسِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ (كانَ) وإنْ كانَتْ ناقِصَةً، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُدِّرَتْ دالَّةً عَلى الحَدَثِ فَإنَّها إنْ تَمَحَّضَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ لَمْ يَصِحُّ تَعَلُّقٌ بِها. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (عَجَبٌ)، فَقِيلَ: (عَجَبٌ) اسْمُ كانَ، و﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ هو الخَبَرُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ: ؎يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءٌ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ، وهَذا تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: (كانَ) تامَّةٌ، و(عَجَبٌ) فاعِلٌ بِها، والمَعْنى: أحَدَثَ لِلنّاسِ عَجَبٌ لِأنْ أوْحَيْنا، وهَذا التَّوْجِيهُ حَسَنٌ. ومَعْنى ﴿لِلنّاسِ عَجَبًا﴾: أنَّهم جَعَلُوهُ لَهم أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنها، ونَصَبُوهُ عَلَمًا لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ اسْتِهْزاءَهم وإنْكارَهم. وقَرَأ رُؤْبَةُ: ﴿إلى رَجُلٍ﴾ بِسُكُونِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ يُسَكِّنُونَ فَعْلًا، نَحْوُ: سَبْعٌ وعَضْدٌ في سَبُعٍ وعَضُدٍ. ولَمّا كانَ الإنْذارُ عامًّا كانَ مُتَعَلَّقُهُ وهو (النّاسُ) عامًّا. والبِشارَةُ خاصَّةً، فَكانَ مُتَعَلَّقُها خاصًّا وهو (الَّذِينَ آمَنُوا) . و(أنْ أنْذِرِ) ”أنْ“ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأصْلُهُ أنَّهُ أنْذَرَ النّاسَ عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنِ“ المَصْدَرِيَّةَ الثُّنائِيَّةَ الوَضْعِ، لا المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها تُوصَلُ بِالماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، فَوُصِلَتْ هُنا بِالأمْرِ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَعَهُ مَصْدَرٌ، تَقْدِيرُهُ: بِإنْذارِ النّاسِ. وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِنَ التَّفْسِيرِيَّةِ؛ لِأنَّ الكُوفِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ لِـ ”أنْ“ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، ومِنَ المَصْدَرِيَّةِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِتَقْدِيرِ حَذْفِ اسْمِها وإضْمارِ خَبَرِها، وهو القَوْلُ، فَيَجْتَمِعُ فِيها حَذْفُ الِاسْمِ والخَبَرِ؛ ولِأنَّ التَّأْصِيلَ خَيْرٌ مِن دَعْوى الحَذْفِ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ﴾، أيْ: بِأنَّ لَهم، وحُذِفَتِ الباءُ. و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصّالِحَةُ مِنَ العِباداتِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هي السَّعادَةُ السّابِقَةُ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقالَ مُقاتِلٌ: سابِقَةُ خَيْرٍ عِنْدَ اللَّهِ قَدَّمُوها. وإلى هَذا المَعْنى أشارَ وضّاحُ اليَمَنِ في قَوْلِهِ: ؎ما لَكَ وضّاحُ دائِمَ الغَزَلْ ∗∗∗ ألَسْتَ تَخْشى تَقارُبَ الأجَلْ ؎صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَما ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلْ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: سَلَفُ صِدْقٍ. وقالَ عَطاءٌ: مَقامُ صِدْقٍ. وقالَ يَمانٌ: إيمانُ صِدْقٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ولَدٌ صالِحٌ قَدَّمُوهُ. وقِيلَ: تَقْدِيمُ اللَّهِ في البَعْثِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وفي إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، كَما قالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقِيلَ: تَقَدُّمُ شَرَفٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ذَلَّ بَنِي العَوّامِ مِن آلِ الحَكَمْ ∗∗∗ وتَرَكُوا المُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ وقالَ الزَّجّاجُ: دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، وعَنْهُ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-١٢٣) ؎لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ سابِقَةً وفَضْلًا ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، ولَمّا كانَ السَّعْيُ والسَّبْقُ بِالقَدَمِ سُمِّيَتِ المَسْعاةُ الجَمِيلَةُ والسّابِقَةُ قَدَمًا، كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا، لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ وباعًا؛ لِأنَّ صاحِبَها يَبُوعُ بِها، فَقِيلَ لِفُلانٍ قَدَمٌ في الخَيْرِ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ دَلالَةٌ عَلى زِيادَةِ فَضْلٍ وأنَّهُ مِنَ السَّوابِقِ العَظِيمَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصِّدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وعَنِ الأوْزاعِيِّ: (قِدَمَ) بِكَسْرِ القافِ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظّاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ، أكانَ لِلنّاسِ في وحْيِنا إلى بَشَرٍ عَجَبٌ قالَ الكافِرُونَ عَنْهُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ والعَرَبِيّانِ ونافِعٌ: ”لَسِحْرٌ“ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ. وباقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومَسْرُوقٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، بِخِلافٍ عَنْهُما: (لَساحِرٌ) إشارَةٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ﴾ [القصص: ٣٦] . وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: (ما هَذا إلّا ساحِرٌ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو بِسَبَبِ أنَّهُ فَرَّقَ كَلِمَتَهم، وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ، فَأشْبَهَ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ السّاحِرُ، وظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِهِ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا. ولَمّا كانَ قَوْلُهم فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سِحْرًا ظاهِرَ الفَسادِ، لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهم إلى جَوابٍ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ نَشْأتَهُ مَعَهم بِمَكَّةَ، وخِلْطَتَهم لَهُ، وما كانَتْ قِلَّةَ عِلْمٍ، ثُمَّ ما أتى بِهِ مِنَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتابٌ إلَهِيٌّ مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والِاشْتِمالِ عَلى مَصالِحَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَعَ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ الَّتِي أعْجَزَتْهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَضَمَّنَها يَقْضِي بِفَسادِ مَقالَتِهِمْ، وقَوْلُهم ذَلِكَ هو دَيْدَنُ الكَفَرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ إذْ أتَوْهم بِالمُعْجِزاتِ كَما قالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ودَعْوى السِّحْرِ إنَّما هي عَلى سَبِيلِ العِنادِ والجَحْدِ. ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجاءَتا عَقِبَ ذِكْرِ القُرْآنِ والتَّنْبِيهِ عَلى المَعادِ. فَفي الأعْرافِ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وهُنا: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾، وذِكْرُ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، وثَمَرَتِهُما لا تَظْهَرُ إلّا في المَعادِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى إيجادِ هَذا الخَلْقِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ العَظِيمَيْنِ وهو رَبُّكُمُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، فَلا يُتَعَجَّبُ أنْ يَبْعَثَ إلى خَلْقِهِ مَن يُحَذِّرُ مِن مُخالَفَتِهِ ويُبَشِّرُ عَلى طاعَتِهِ، إذْ لَيْسَ خَلْقُهم عَبَثًا، بَلْ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حَكَمَتُهُ وسَبَقَتْ بِهِ إرادَتُهُ، إذِ القادِرُ العَظِيمُ قادِرٌ عَلى ما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب