الباحث القرآني

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الإعراب في قوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ هو أن (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(رب) بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة نعتًا، ولكنه صار منصوبا؛ لأنه مضاف، وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ الجملة صفة لـ ﴿مَائِدَةً﴾ و﴿عِيدًا﴾ خبر ﴿تَكُونُ﴾ واسمها مستتر، وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من قوله (لنا)، لكنه بإعادة حرف الجر، بدل لكنه بإعادة العامل؛ لأن قوله: (لنا) يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ معطوفة على ﴿عِيدًا﴾، وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجملة تدل على أن الله تبارك وتعالى موصوف بهذا الوصف. ﴿ارْزُقْنَا﴾ فعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله: إنه فعل أمر؟ لا يقال تأدبًا مع الله، ولكنه يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني قال عيسى بن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله عز وجل أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء يحتمل أن تكون العلو أو تكون من السماء ذاتها، وهي السقف المحفوظ، كما سبق. ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع. وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أولهم الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم الذين كانوا من بعده. ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم. ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم منه. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله عز وجل. * في هذه الآية فوائد، منها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه. * ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله عز وجل وربوبيته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله عز وجل، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله تبارك وتعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب