الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية، قال أصحاب المعاني: إنما جاز الشرط في خبر الله تعالى مع علمه أنهم يتقون أو لا يتقون لأنه يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل [[لم أجده عند أهل المعاني، وقد ذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 15/ 153، وقال القرطبي رحمه الله: كان الله عالمًا بأنهم يتقون أم لا يتقون، فذكر بلفظ الشرط؛ لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضًا. "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 396. ولا يخفى أن استعمال الشرط يفيد عظيم فائدة التقوى في الحصول على الفرقان، وتكفير السيئات، وغفران الذنوب، فيسعى المؤمن لتحقيق كمالها، ويحذر من التفريط فيها.]]، وعلى هذا المعنى أيضًا يتوجه ابتلاء الله العباد للبيان [[هكذا، والمعنى: مستقيم.]] أن الجزاء على ما يظهر من الفعل دون ما في المعلوم مما لم يقع بعد. واتقاء الله عز وجل: الامتناع عن معاصيه بأداء فرائضه [[هكذا، ومعلوم أن أداء الفرائض بعض التقوى، ولو قال المؤلف رحمه الله تقوى الله: الامتناع عن معاصيه وأداء أوامره، لكان أشمل، قال الإمام البغوي 3/ 348: إن تتقوا الله: بطاعته وترك معصيته. وقال الإِمام ابن كثير 2/ 314: من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، وقال القرطبي 7/ 396: فإذا اتقى العبد ربه، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال .. إلخ. والمقصود أن تقوى الله أعم من أداء الفرائض.]]، واختلفوا في هذه الآية فمنهم من قال: إنها ابتداء خطاب من الله تعالى للمؤمنين، وليست تتصل بما قبلها [[انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 14، وإليه ذهب ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 9/ 325.]]. ومنهم من قال: إنها متصلة بقصة الخيانة، يقول: إن تتقوا الله باجتناب خيانته، وخيانة رسوله، وخيانة أمانته يجعل لكم فرقانًا [[إلى هذا القول يميل ابن جرير 9/ 224، والثعلبي 6/ 54 ب، وابن الجوزي 3/ 346.]]، وقد ذكرنا معنى الفرقان في اللغة وأنه مصدر لـ (فرق) نحو [[في (ح): (بعض)، وهو خطأ.]] الرجحان والنقصان [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 53.]]. واختلفت عبارات المفسرين في تفسير الفرقان هاهنا وكلها راجع إلى معناه في اللغة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: مخرجًا من الشبهات مثل قوله في البقرة: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [[البقرة: 185، وقد روى قول ابن عباس من رواية ابن أبي طلحة مختصرًا ابن جرير 1/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1686، ولفظها: الفرقان: المخرج.]]، يريد المخرج من الشبهات، وأراد هاهنا بالمخرج: أن الله تعالى يجعل لكم فرقانًا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم بنصره إياكم عليه، وهذا قول مقاتل [[هذا قول مقاتل بن حيان كما في: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1686، والثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349، وهو أيضًا قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 12 أ.]]. وقال عكرمة [[رواه ابن جرير 9/ 225، والثعلبي 6/ 54 ب.]] والسدي [[رواه ابن جرير 9/ 225.]] وعبد الكريم الجزري [[هو: عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد التابعي الإمام الحافظ عالم الجزيرة، كان ثقة ثبتاً كثير الحديث، توفي سنة 127 هـ.= انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 2/ 88، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 80، و"تهذيب التهذيب" 2/ 602.]]: (فرقانًا: نجاة) [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 258، عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد، ولم أجد من ذكره عنه.]]، يريدون أن الله تعالى يفرق بينكم وبين ما تخافون فتنجون، وقد جمع مجاهد بين معنى القولين [[في (س): (المعنيين).]] فقال: مخرجًا في الدنيا والآخرة [[رواه ابن جرير 9/ 225، وابن أبي حاتم 5/ 1686، والثعلبي 6/ 54 ب، وعزاه السيوطي في "الدر" 3/ 324، إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. وانظر: "تفسير مجاهد" ص 354.]]، يعنى: مخرجًا في الدنيا من الشبهات، ونجاة في الآخرة. [وقال الضحاك: (بيانًا) [[رواه الثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349.]]، وهو معنى قول من قال: مخرجًا من الشبهات] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]]. وقال ابن زيد وابن إسحاق: هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل [[رواه عن ابن زيد بمعناه الثعلبي 6/ 54 ب، وابن جرير 9/ 226 فيما يظهر بالمقارنة بينه وبين تفسير الثعلبي، إذ أن اسم القائل وسنده ساقط من المخطوطة والمطبوعة كما ذكر المحقق، وبقي القول بنصه كما في "تفسير الثعلبي"، وقد ذكره أيضًا الماوردي 2/ 311، وابن الجوزي 3/ 346، وزادا نسبته إلى ابن إسحاق كالواحدي. والواقع أن بين قولي ابن زيد وابن إسحاق اختلافًا بيِّنًا في المعنى، وإن اشتركا في بعض الألفاظ، فقد جاء قول ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 315، و"تفسير ابن جرير" 9/ 226، والثعلبي 6/ 54 ب، والبغوي 3/ 349 بلفظ: أي: فصلاً بين الحق والباطل؛ ليظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل من خالفكم.]]. وقال الكلبي: (نصرًا) [[رواه الثعلبي 6/ 54 ب.]] وهو اختيار الفراء، قال: يقول: فتحًا ونصرًا كقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41]، يعني يوم الفتح والنصر [["معاني القرآن" 1/ 408.]]، يريد أن يعز المؤمنين وينصرهم ويدل من خالفهم ويخذلهم فرقًا بينهم وبينهم. وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، قال عطاء: يريد تفضل على أوليائه بالعصمة بعد ما كفّر سيئاتهم [[لم أجد من ذكره، وفي متنه نظر إذ ليس كل ولي معصومًا، بل العصمة مقصورة على الأنبياء، وقد خاطب الله تعالى أصحاب النبي -وهم من خير أولياء الله- بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، وأخبر عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] ووصف عباده المتقين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135]. ثم إن في متن الأثر تناقض وذلك أن ظاهره يدل على أن الأولياء معصومون في وقت دون وقت أو في حال دون حال؛ حيث أثبت لهم سيئات، وهذا يناقض العصمة.]]، وقال أهل المعاني: أي أنه ابتدأكم بالفضل العظيم فلا يمنعكم ما وعدكم على طاعاتكم [[لم أجده.]]. وقيل: إنه الذي يملك الفضل العظيم فاكتفوا بالطلب من عنده دون غيره [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 454 دون نسبة.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب