الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الآية، هذه الآية متصلة بالأولى على قول الحسن وقتادة والزجاج؛ لأنه في ذكر النبيين الذين تقدم ذكرهم إذ هم الموكلون بآيات الله، وعلى قول الباقين رجع إلى ذكر النبيين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 266.]]، وفي قوله ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى؛ لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فائدة وتخصيص [[ذكره الرازي 13/ 70 عن الواحدي.]]. وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، قال الكلبي: (فبشرائعهم وبسنتهم اعمل) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 78، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 81.]]، وذكرنا قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 270.]] في هذا، ومعنى الاقتداء في [[انظر: "الجمهرة" 2/ 677، و"الصحاح" 6/ 2459، و"مجمل اللغة" 3/ 746 ، و"مقاييس اللغة" 5/ 66، و"اللسان" 6/ 3556 (قدا).]] اللغة: طلب موافقة الثاني للأول في فعله. قال الليث: (القدو [[القدو: بفح القاف، وسكون الدال وبعدها واو.]] أصل البناء الذي [ينشعب] [[في (ش): (يتشعب).]] منه تصريف الاقتداء ويقال: قِدوة [[قدوة: بكسر القاف وضمها، وسكون الدال.]] وقُدوة لما يُقتدى [[في (ش): (ولما يقتدى به)، وهو تحريف.]] به) [["تهذيب اللغة" 3/ 2893 (قدا).]]، اللحياني عن الكسائي [["تهذيب اللغة" 3/ 2893.]]: (يقال: لي بك قُدْوة وقِدْوة وقِدَة) [[جاء في (ش): (يقال: لي بك قدوة وقدوة وقدوة)، وهو تحريف والصواب: قدوة، بكسر القاف وضمها، وقدة: بكسر القاف وفتح الدال بعدها هاء، كما ورد في المراجع السابقة.]]. واختلف القراء [[قرأ حمزة والكسائي: (اقتد قل) بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن عامر: (اقتده قل) بكسر الدال ويشم الهاء الكسر في الوصل من غير بلوغ ياء، وروي عنه: (اقتدهي قل) بياء بعد الهاء في الوصل. وقرأ الباقون: (اقتده) بهاء ساكنة في الوصل والوقف. ولا خلاف بينهم أنه بهاء ساكنة في الوقف. انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 171، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105.]] في الهاء من قوله: (اقتده)، فالأكثرون أثبتوها في الوصل والوقف ساكنة، والوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل؛ لأن هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت [[في (ش): (لا يثبت)، بالياء.]] الهمزة في الصلة فكذلك ينبغي أن لا تثبت [[في (ش): (لا يثبت)، بالياء.]] الهاء، إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا [[نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 71، وهذا القول فيه نظر؛ لأن القراءة سبعية مأخوذة بالرواية، وقد ذكر هذا القول عن الواحدي القاسمي في "تفسيره" 6/ 619، وذكر عن الخفاجي أنه قال: (إن هذا مما لا ينبغي ذكره؛ لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليد للخط، فمن قاله فقد وهم) اهـ.]] موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا. والاختيار عند النحويين [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 270، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 564.]] الوقف على قوله (اقتده) لتمام الكلام هاهنا ولكون [[في (أ)، (ش): (وليكون) والصواب: ولكون.]] الهاء ثابتة للاستراحة؛ لأنك إن أدرجت بالهاء [[في (ش): (أدرجت، الهاء).]] خالفت القياس المستمر في حذف حرف الاستراحة، وإن أسقطت الهاء في الإدراج خالفت خط المصحف، وأما حمزة والكسائي فإنهما يقفان بالهاء ويصلان بغير هاء. قال أبو علي: (وقول حمزة والكسائي القياس، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش وإن كان الصواب والقياس ما قرأ) [["الحجة" لأبي علي 3/ 352.]]. وقرأ ابن عامر (اقتدِه) بكسر الدال وبشمِّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء، قال أبو بكر بن مجاهد [[أبو بكر بن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، تقدمت ترجمته.]]: (وهذا غلط لأن هذه الهاء هاء وقفٍ لا تعرب في حال من الأحوال وإنما تدخل لتتبين [[في (ش): (يدخل لتبيين). وانظر: "البغداديات" ص 152.]] بها حركة ما قبلها) [["السبعة" ص 262، ونحوه قال النحاس في "إعرابه" 1/ 564، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 164، وفي "الحجة" لابن خالويه ص 145 قال: (وهذا قول ضعيف مردود؛ لأنها قراءة سبعية)، قال أبو حيان في "البحر" 4/ 176: (تغليط ابن مجاهد غلط) اهـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 32.]]. قال أبو علي: (ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق [[في (ش): (يلحق)، وانظر: "كتاب الشعر" 2/ 501.]] للوقف، وحَسُن إضمار المصدر لذكر الفعل الدال عليه كما أضمر في قوله تعالى: (﴿ولا تحسبن [[قراءة المصحف بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بالتاء. انظر: "السبعة" ص 219، و"الحجة" لأبي علي 3/ 100.]] الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم﴾ [آل عمران: 180] وعلى هذا قول الشاعر [[لم أقف على قائله، وهو في "الكتاب" 3/ 67، و"الأصول" 2/ 193، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 91، و"المقرب" 1/ 115، و"رصف المباني" ص 320، 382، و"اللسان" 4/ 1999 (سرق)، و"الدر المصون" 5/ 32، والرشا بضم الراء وكسرها جمع رشوة، وهو يصف مقرئًا بقبول الرشوة والحرص عليها كحرص الذئب على فريسته. والشاهد: يدرسه: حيث جاءت الهاء مفعولًا مطلقًا ترجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وهو مضمون الدرس، أي: يدرس الدرس. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 587.]]: هذا سُرَاقَةُ لِلقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ... والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَها ذِئبُ فالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته، لم تنصب [[في (ش): (ينصب).]] زيدًا بضربت لتعديه إلى الضمير، فإذا لم يجز ذلك علمت أنه للمصدر، فكذلك قراءة ابن عامر: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يكون اقتد الاقتداء، فتضمر [[في (ش): (فيضمر).]] الاقتداء لدلالة الفعل عليه، وقياسه إذا وقف أن يُسكن الهاء؛ لأن هاء الضمير تسكن في الوقف كما تقول: اشتره) [["الحجة" 2/ 375، 3/ 352 - 353، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 260،== و"الكشف" 1/ 438، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 370، في توجيه قراءة ابن عامر: (جعلها اسمًا ولم يجعلها هاء السكت؛ لأنها لو كانت عنده هاء السكت ما جرها، والمعنى: فبهداهم اقتد اقتداء، وهو مذهب حسن في اللغة) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مالاً تعطونيه) [[لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1340 بسند ضعيف عنه قال: (يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عرض الدنيا) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 53.]]، وقال [الكلبي] [[لفظ: (الكلبي) ساقط من (أ).]]: (جعلًا على القرآن ولا رزقًا) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 40.]]، ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: موعظة للخلق أجمعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وفي "تنوير المقباس" 2/ 40 نحوه.]] فالقرآن هو المذكر بكل ما يحتاج إليه العباد في دينهم من حجة بيّنة وموعظة بليغة [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 72، والخازن 2/ 157، والقاسمي 6/ 619.]]. قال أهل المعاني: (قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله عز وجل وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد و ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [[جاء في (ش): تكرار قوله (اقتد وقيل لا أسألكم عليه أجرًا).]]. كما قالوا) [[انظر: الرازي 13/ 72، والخازن 2/ 157.]]. وقال أهل العلم: (وهذه الآية تدل على أن شريعة محمد ﷺ وشريعة الأنبياء الماضين [[أي في التوحيد، أما أعمال الشرائع فمختلفة، انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 276، والرازي 13/ 71 - 72، والقرطبي 7/ 35 - 36، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 19/ 7: (وشرع من قبلنا إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم دون ما رووه لنا) اهـ.]] واحد [[الأولى: واحدة لأنها خبر عن الشريعة فتوافقها في التأنيث.]] حيث أمر بالاقتداء بهم، وكل شيء ثبت عن نبي من الأنبياء ما لم ينسخ فعلينا الأخذ به).
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب