الباحث القرآني
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ المُوَكَّلِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ولا يَخْفى ما فِيهِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ هَدَيْناهم إلى الحَقِّ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ وحِفْظِ المَهْدِيِّ إلَيْهِ اعْتِمادًا عَلى غايَةِ ظُهُورِهِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أيِ اجْعَلْ هُداهم مُنْفَرِدًا بِالِاقْتِداءِ واجْعَلِ الِاقْتِداءَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، والمُرادُ (بِهُداهُمْ) عِنْدَ جَمْعِ طَرِيقِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى وهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِيها فَلا يُمْكِنُ التَّأسِّي بِهِمْ جَمِيعًا، ومَعْنى أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ الأخْذُ بِهِ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ أُولَئِكَ الفِخامِ بَلْ مِن حَيْثُ أنَّهُ طَرِيقُ العَقْلِ والشَّرْعِ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم عَلى أنَّ طَرِيقَهم هو الحَقُّ المُوافِقُ (p-217)لِدَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ. وبِهَذا أجابَ العَلّامَةُ الثّانِي عَمّا أوْرَدَهُ سُؤالًا مِن أنَّ الواجِبَ في الِاعْتِقاداتِ وأُصُولِ الدِّينِ هو اتِّباعُ الدَّلِيلِ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعُ فَلا يَجُوزُ سِيَّما لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، فَما مَعْنى أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ؟ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اعْتِقادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ بَلْ لِأجْلِ الدَّلِيلِ فَلا مَعْنى لِأمْرِهِ بِالِاقْتِداءِ بِذَلِكَ. واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الأخْذَ بِأُصُولِ الدِّينِ حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلا مَعْنى لِلْأمْرِ بِأخْذِ ما قَدْ أُخِذَ قَبْلُ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ. وحَقَّقَ القُطْبُ الرّازِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنَّ الِاقْتِداءَ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ إلّا في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ كالحِلْمِ والصَّبْرِ والزُّهْدِ وكَثْرَةِ الشُّكْرِ والتَّضَرُّعِ ونَحْوِها ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلُ مِنهم قَطْعًا لِتَضَمُّنِها أنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى فَضائِلِ الأخْلاقِ وصِفاتِ الكَمالِ؛ وحَيْثُ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم جَمِيعًا امْتَنَعَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ امْتَثَلَ وأتى بِجَمِيعِ ذَلِكَ وحَصَّلَ تِلْكَ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ الَّتِي في جَمِيعِهِمْ فاجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الكَمالِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَكُونُ أفْضَلَ مِن جَمِيعِهِمْ قَطْعًا كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهو اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ ﷺ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ دُونَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ مَقامِهِ ﷺ عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ. والهاءُ في (اقْتَدِهْ) هاءُ السَّكْتِ الَّتِي تُزادُ في الوَقْفِ ساكِنَةً أيْضًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ. ويَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ خاصَّةً حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (اقْتَدِهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ؛ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ القُرّاءُ اخْتِلاسًا، وهي رِوايَةُ هِشامٍ عَنْهُ. ورَوى غَيْرُهُ إشْباعَها وهو كَسْرُها ووَصْلُها بِياءٍ. وزَعَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ الهاءَ هاءُ الوَقْفِ فَلا تَحَرُّكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. وإنَّما تُذْكَرُ لِيَظْهَرَ بِها حَرَكَةُ ما قَبْلَها. وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الهاءَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ولَيْسَتْ هاءُ السَّكْتِ أيِ اقْتَدِ الِاقْتِداءَ، ومَثَلُهُ -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- قَوْلُهُ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الوَشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ فَإنَّ الهاءَ فِيهِ ضَمِيرُ الدَّرْسِ لا مَفْعُولٌ لِأنَّ ”يَدْرُسُ“ قَدْ تَعَدّى إلى القُرْآنِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هاءَ السَّكْتِ قَدْ تُحَرَّكُ تَشْبِيهًا لَها بِهاءِ الضَّمِيرِ والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُعْطِي الشَّيْءَ حُكْمَ ما يُشْبِهُهُ وتَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ أبِي الطِّيبِ:
؎واحَرَّ قَلْباهُ مِمّا قَلْبُهُ شَبِمُ
بِضَمِّ الهاءِ وكَسْرِها عَلى أنَّها هاءُ السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بِهاءِ الضَّمِيرِ فَحُرِّكَتْ. واسْتَحْسَنَ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونَ جَعْلَ الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِشَبَهِ الضَّمِيرِ لِأنَّ هاءَهُ لا تُكْسَرُ بَعْدَ الألْفِ فَكَيْفَ ما يُشْبِهُها. وزَعَمَ الإمامُ أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لِلِاقْتِداءِ بِالإمامِ ولا يُقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ بِغَيْرِ نَقْلٍ تَقْلِيدًا لِلْخَطِّ وهو وهْمٌ ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ أوْ عَلى التَّبْلِيغِ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُما ﴿أجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا قَلَّ أوْ كَثُرَ كَما لَمْ يَسْألْهُ مِن قَبْلِي مِنَ (p-218)الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُمَمَهُمْ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرْنا بِالِاقْتِداءِ بِهِ مِن هُداهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ لِأنَّ الكَفَّ عَنْ أخْذِ أجْرٍ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مِن خَصَّ الهُدى السّابِقَ بِالأُصُولِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَيْنَ القَوْلِ بِهِ والقَوْلِ بِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ تَنافِيًا. وأُجِيبَ بِأنَّ اسْتِفادَةَ الِاقْتِداءِ بِالأُصُولِ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لا يُنافِي أنْ يُؤَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاقْتِداءِ بِأمْرٍ آخَرَ كالتَّبْلِيغِ. وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ هُناكَ إنَّما هو لِنَفْيِ اتِّباعِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ في شَيْءٍ آخَرَ
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ لِلتَّعْلِيمِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ؛ وفِيهِ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ عَلى طُولِهِ مَشْهُورٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿إلا ذِكْرى﴾ أيْ تَذْكِيرٌ فَهو مَصْدَرٌ، وحِمْلُهُ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ لِلْمُبالَغَةِ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾
90
- كافَّةً فَلا يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ دُونَ ءاخَرِينَ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى عُمُومِ بَعْثَتِهِ ﷺ .
{"ayah":"أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











