الباحث القرآني

وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 49.]]. وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أمرهم بالإحسان [["معاني القرآن" 1/ 266، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين. وفي "زاد المسير" 2/ 79: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.]]. قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، القربى مصدر كالقرابة [[انظر: الطبري 5/ 77.]]، ومثله البُشرى والرُّجعى. قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84]]. وقال الزجاج: أمر الله: عز وجل بالإحسان إلى ذوي القرابة بعد الوالدين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.]]. ﴿وَالْيَتَامَى﴾، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام [[انظر: الطبري 5/ 78، "بحر العلوم" 1/ 353، "الكشف والبيان" 4/ 52/ أ، "النكت والعيون" 1/ 485.]]. ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 50.]]. ويُقوي هذا أنه قابله بالجار الغريب في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك [[عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 50: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ والجار القريب المتباعد. واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو: فلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة ... فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ وسيأتي.]]. والذي عليه المفسرون هو الأول. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق [[في (أ): (علق) بالعين المهملة.]]، وقارورةٌ فُتُح. وأصله من الجنابة ضدّ القرابة، وهو البُعد [[انظر: "الطبري" 5/ 80، "الحجة" 3/ 158.]]. قال علقمة بن عبدة [[هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس. توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 125، "طبقات الشعراء" 58، "الأعلام" 4/ 247.]]: فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ [["ديوانه" ص 31، "الكامل" 3/ 16، والاختيارين للأخفش الأصغر ص 656، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" 1/ 430. والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.]] وقال الأعشى [[هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.]]: أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا [["ديوانه" 43، "الكامل" 3/ 15، "الطبري" 5/ 80، "معاني الزجاج" 2/ 50، الثعلبي 4/ 25 ب. وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر "الكامل" 2/ 902، 903.]] وقال آخر: كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ... أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور [[البيت للراعي النميري في "ديوانه" ص 108، و"تاريخ دمشق" 38/ 190.]] ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 663، "اللسان" 2/ 692 (جنب).]]. وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة [[في (أ): (واحد) بالتذكير.]] عن الأخرى [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 446، "الحجة" 3/ 158.]]. وروى المفضَّل عن عَاصم [[هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ. انظر: "السبعة" ص 69، "مشاهير علماء الأمصار" ص 165، "التقريب" ص 285 رقم (3054).]]: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ بفتح الجيم وسكون النون [["السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 157. وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 307.]]، وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب [[في "الحجة" 3/ 158: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.]]. والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل [[هكذا بالفاء عند أبي علي في "الحجة"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).]]، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك [[انتهى من "الحجة" 3/ 158.]]. قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة [["تفسير ابن عباس" ص 148. وأخرجه الطبري 5/ 79 - 80 عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 52 ب، "زاد المسير" 2/ 79.]]. وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان [[انظر: "الطبري" 5/ 79، "بحر العلوم" 1/ 353.]]. ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين [[أخرجه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري 5/ 79.]]. ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده. وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب [[في (د): (القريب)، وكذا في "معاني الزجاج"، ولعل ما أثبته هو الأولى.]] المتباعد [["معاني الزجاج" 2/ 50.]]. وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي [[هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -رحمه الله - بعد سنة 90 هـ. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 121.]] أنه ذهب إلى أن المراد بهذا البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر [[أخرجه الطبري 5/ 80 بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: "زاد المسير" 2/ 79، و"ابن كثير" 1/ 540.]]. وقد قال النبي ﷺ في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" [[جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في "كشف الأستار" 2/ 380. وانظر: ابن كثير 1/ 541، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 53 أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 164 بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر [[قول ابن عباس في "تفسيره" ص 148 بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري 5/ 80 - 81، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير 1/ 840.]]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة [[الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص 148، وأخرجه الطبري 5/ 80.]]. وهذا اختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 267.]] والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.]] وابن قتيبة [[في "غريب القرآن" ص 119.]]. وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى [[هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.]] وإبراهيم: هو زوجتك تكون معك إلى جنبك [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 81 - 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 80.]]. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك [[ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري 5/ 82، وانظر "زاد المسير" 2/ 80.]]. وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾. هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد. قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك [[أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، وذلك عنه وعن الربيع، "الطبري" 5/ 83.]]. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المماليك. قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه [[لم أقف عليه.]]. وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36] المختال: ذو الخيلاء والكبر [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، وانظر الطبري 5/ 84، "بحر العلوم" 1/ 354.]]. قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله [[لم أقف عليه]]. قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51، وانظر: "زاد المسير" 2/ 81.]]. وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14]. ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2750، "أساس البلاغة" 2/ 189، "اللسان" 6/ 3361 (فخر).]]. قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته [[لم أقف عليه، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 489.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب