الباحث القرآني

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] . الغُرابُ: طائِرٌ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أغْرِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى غِرْبانٍ. وغُرابٌ اسْمُ جِنْسٍ، وأسْماءُ الأجْناسِ إذا وقَعَتْ عَلى مُسَمَّياتِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن شَيْءٍ، فَإنْ وُجِدَ فِيها ما يُمْكِنُ اشْتِقاقُهُ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا، بَلِ الأكْثَرُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَقَّةٍ؛ نَحْوَ: تُرابٌ، وحَجَرٌ، وماءٌ. ويُمْكِنُ غُرابٌ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الِاغْتِرابِ، فَإنَّ العَرَبَ تَتَشاءَمُ بِهِ وتَزْعُمُ أنَّهُ دالٌّ عَلى الفِراقِ. وقالَ حَرّانُ العُودِ: وأمّا الغُرابُ فالغَرِيبُ المُطَوَّحُ وقالَ الشَّنْفَرى: ؎غُرابٌ لِاغْتِرابٍ مِنَ النَّوى وبِالباذِ بَيْنٌ مِن حَبِيبٍ تُعاشِرُهُ البَحْثُ في الأرْضِ نَبْشُ التُّرابِ وإثارَتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ”بَراءَةُ“ بَحُوثٌ. وفي المَثَلِ: لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ (p-٤٦٠)الشَّفْرَةِ. السَّوْأةُ: العَوْرَةُ. العَجْزُ: عَدَمُ الإطاقَةِ، وماضِيهِ عَلى فَعَلَ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ. وحَكى الكِسائِيُّ فِيهِ: فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ. النَّدَمُ: التَّحَسُّرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدِمَ يَنْدَمُ. الصَّلْبُ مَعْرُوفٌ وهو إصابَةُ صُلْبِهِ بِجِذْعٍ، أوْ حائِطٍ، كَما تَقُولُ: عانَهُ؛ أيْ: أصابَ عَيْنَهُ، وكَبَدَهُ: أصابَ كَبِدَهُ. الخِلافُ: المُخالَفَةُ، ويُقالُ: فَرَسٌ بِهِ شِكالٌ مِن خِلافٍ إذا كانَ في يَدِهِ. نَفاهُ: طَرَدَهُ فانْتَفى، وقَدْ لا يَتَعَدّى نَفى. قالَ القَطامِيُّ: ؎فَأصْبَحَ جارُكم قَتِيلًا ونافِيًا ؛ أيْ: مَنفِيًّا. الوَسِيلَةُ الواسِلَةُ: ما يُتَقَرَّبُ مِنهُ. يُقالُ: وسَلَهُ وتَوَسَّلَ إلَيْهِ، واسْتُعِيرَتِ الوَسِيلَةُ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطّاعاتِ. وقالَ لَبِيدٌ: أرى النّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ ألا كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى اللَّهِ واسِلُ وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ: إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا وعادَ التَّصابِي بَيْنَنا والوَسائِلُ السّارِقُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا، والسَّرَقُ والسَّرِقَةُ الِاسْمُ؛ كَذا قالَ بَعْضُهم ورُبَّما قالُوا سَرِقَةَ مالًا. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السّارِقُ عِنْدَ العَرَبِ مَن جاءَ مُسْتَتِرًا إلى حِرْزٍ فَأخَذَ مِنهُ ما لَيْسَ لَهُ. * * * ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَمَرُّدَ بَنِي إسْرائِيلَ وعِصْيانَهم أمْرَ اللَّهِ تَعالى في النُّهُوضِ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، ذَكَرَ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ وعِصْيانَ قابِيلَ أمْرَ اللَّهِ، وأنَّهُمُ اقْتَفَوْا في العِصْيانِ أوَّلَ عاصٍ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّهُمُ انْتَهَوْا في خَوَرِ الطَّبِيعَةِ وهَلَعِ النُّفُوسِ والجُبْنِ والفَزَعِ إلى غايَةٍ بِحَيْثُ قالُوا لِنَبِيِّهِمُ الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ خَوارِقُ عَظِيمَةٌ، وقَدْ أخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وانْتَهى قابِيلُ إلى طَرَفِ نَقِيضٍ مِنهم مَنِ الجَسارَةِ والعُتُوِّ وقُوَّةِ النَّفْسِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِأنْ أقْدَمَ عَلى أعْظَمِ الأُمُورِ وأكْبَرِ المَعاصِي بَعْدَ الشِّرْكِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَها، بِحَيْثُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ، وكانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فاشْتَبَهَتِ القِصَّتانِ مِن حَيْثُ الجُبْنُ عَنِ القَتْلِ والإقْدامُ عَلَيْهِ، ومِن حَيْثُ المَعْصِيَةُ بِهِما. وأيْضًا فَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ أوائِلَ الآياتِ ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] وبَعْدَهُ ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ثُمَّ قِصَّةُ مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ، وتَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ بَنِي إسْرائِيلَ مُحَمَّدًا، ﷺ، إنَّما سَبَبُهُ الحَسَدُ هَذا مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ. وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ انْطَوَتْ عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ مِن بَسْطِ اليَدِ، ومِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ، ومِن عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْبِ ودَعَواهُ مَعَ المَعْصِيَةِ، ومِنَ القَتْلِ، ومِنَ الحَسَدِ. ومَعْنى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أيِ اقْرَأْ واسْرُدْ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) ظاهِرُهُ أنَّهُ يُعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم أوَّلًا، والمُقامُ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ أيْدِيهِمْ إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ فَأُعْلِمُوا بِما هو في غامِضِ كُتُبِهِمُ الأُوَّلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِها إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ، لِتَقُومَ الحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، إذْ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. والنَّبَأُ: هو الخَبَرُ. وابْنا آدَمَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ - عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ: هُما قابِيلُ وهابِيلُ، وهُما ابْناهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُونا ولَدَيْهِ لِصُلْبِهِ، وإنَّما هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: لِأنَّ القُرْبانَ إنَّما كانَ مَشْرُوعًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ، ووَهِمَ الحَسَنُ في ذَلِكَ. وقِيلَ عَلَيْهِ كَيْفَ يُجْهَلُ الدَّفْنُ في بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يُقْتَدى فِيهِ بِالغُرابِ ؟ وأيْضًا فَقَدْ قالَ الرَّسُولُ عَنْهُ: ”إنَّهُ أوَّلُ (p-٤٦١)مَن سَنَّ القَتْلَ“ وقَدْ كانَ القَتْلُ قَبْلُ في بَنِي إسْرائِيلَ. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾، أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في: ﴿واتْلُ﴾؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، والعامِلُ في ”إذْ“ ”نَبَأ“؛ أيْ: حَدِيثَهُما وقِصَّتَهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّبَأِ؛ أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمُ النَّبَأ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ ما ذُكِرَ، لِأنَّ (إذْ) لا يُضافُ إلَيْها إلّا الزَّمانُ، و(نَبَأ) لَيْسَ بِزَمانٍ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ تَقْرِيبِ هَذا القُرْبانِ ومُلَخَّصُهُ: أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى، وكانَ آدَمُ يُزَوِّجُ ذَكَرَ هَذا البَطْنِ أُنْثى ذَلِكَ البَطْنِ، وأُنْثى هَذا ذَكَرَ ذَلِكَ، ولا يَحِلُّ لِلذَّكَرِ نِكاحُ تَوْأمَتِهِ، فَوُلِدَ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ اسْمُها إقْلِيمِيا، ووُلِدَ مَعَ هابِيلَ أُخْتٌ دُونَ تِلْكَ اسْمُها لِبُوذا، فَأبى قابِيلُ إلّا أنْ يَتَزَوَّجَ تَوْأمَتَهُ لا تَوْأمَةَ هابِيلَ وأنْ يُخالِفَ سُنَّةَ النِّكاحِ إيثارًا لِجَمالِها، ونازَعَ قابِيلُ هابِيلَ في ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَهُما آدَمُ بِتَقْرِيبِ القُرْبانِ. وقِيلَ: تَقَرَّبا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِما، إذْ كانَ آدَمُ غائِبًا تَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ لِزِيارَةِ البَيْتِ بِإذْنِ رَبِّهِ. والقُرْبانُ الَّذِي قَرَّباهُ: هو زَرْعٌ لِقابِيلَ، وكانَ صاحِبَ زَرْعٍ، وكَبْشُ هابِيلَ وكانَ صاحِبَ غَنَمٍ، فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما وهو هابِيلُ، ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ وهو قابِيلُ؛ أيْ: فَتُقُبِّلَ القُرْبانُ، وكانَتْ عَلامَةُ التَّقَبُّلِ أكْلَ النّارِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ القُرْبانَ المُتَقَبَّلَ، وتَرْكَ غَيْرِ المُتَقَبَّلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتِ النّارُ تَأْكُلُ المَرْدُودَ، وتَرْفَعُ المَقْبُولَ إلى السَّماءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: قَرَّبَ صَدَقَةً وتَقَرَّبَ بِها، لِأنَّ تَقَرَّبَ مُطاوِعُ قَرَّبَ. انْتَهى. ولَيْسَ تَقَرَّبَ بِصَدَقَةٍ مُطاوِعُ قَرَّبَ صَدَقَةً، لِاتِّحادِ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، والمُطاوَعَةُ يَخْتَلِفُ فِيها الفاعِلُ، فَيَكُونُ مِن أحَدِهِما فِعْلٌ، ومِنَ الآخَرِ انْفِعالٌ نَحْوَ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، وفَلَقْتُهُ فانْفَلَقَ، ولَيْسَ قَرَّبْتُ صَدَقَةً وتَقَرَّبْتُ بِها مِن هَذا البابِ فَهو غَلَطٌ فاحِشٌ. ﴿قالَ لَأقْتُلَنَّكَ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ أُبْرِزَ هَذا الخَبَرُ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: لَأقْتُلَنَّكَ حَسَدًا عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِكَ، وعَلى فَوْزِكَ بِاسْتِحْقاقِ الجَمِيلَةِ أُخْتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَأقْتُلَنْكَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ. ﴿قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللَّهِ قُرْبانِي ؟ أما إنِّي أتَّقِيهِ، وكُنْتُ عَلى لاحِبِ الحَقِّ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ، وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ ؟ (قُلْتُ): لَمّا كانَ الحَسَدُ لِأخِيهِ عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِهِ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تَوَعُّدِهِ بِالقَتْلِ، قالَ لَهُ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها مِن لِباسِ التَّقْوى، لا مِن قِبَلِي، فَلِمَ تَقْتُلُنِي ؟ وما لَكَ لا تُعاقِبُ نَفْسَكَ ولا تَحْمِلُها عَلى تَقْوى اللَّهِ الَّتِي هي السَّبَبُ في القَبُولِ ؟ فَأجابَهُ بِكَلامٍ حَكِيمٍ مُخْتَصَرٍ جامِعٍ لِمَعانٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ طاعَةً إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ، فَما أنْعاهُ عَلى أكْثَرِ العامِلِينَ أعْمالَهم. وعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ فَقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ، قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ انْتَهى كَلامُهُ. ولَمْ يَخْلُ مِن دَسِيسَةِ الِاعْتِزالِ عَلى عادَتِهِ، يَحْتاجُ الكَلامُ في فَهْمِهِ إلى هَذِهِ التَّقْدِيراتِ، والَّذِي قَدَّرْناهُ أوَّلًا كافٍ وهو: أنَّ المَعْنى لَأقْتُلَنَّكَ حَسَدًا عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِكَ، فَعَرَّضَ لَهُ بِأنَّ سَبَبَ قَبُولِ القُرْبانِ هو التَّقْوى ولَيْسَ مُتَّقِيًا، وإنَّما عَرَّضَ لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِسُنَّةِ النِّكاحِ الَّتِي قَرَّرَها اللَّهُ تَعالى، وقَصَدَ خِلافَها ونازَعَ، ثُمَّ كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ أنْ بَرَزَتْ في أكْبَرِ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِّرْكِ، فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ (p-٤٦٢)وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصَّلاةُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾؛ لَيْسَ مِن كَلامِ المَقْتُولِ، بَلْ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِلرَّسُولِ اعْتِراضًا بَيْنَ كَلامِ القاتِلِ والمَقْتُولِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ في (قالَ) عَلى اللَّهِ - لَيْسَ بِظاهِرٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب