الباحث القرآني

قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 217، لكنه قال: ثم نسختها هذه الآية: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾. وذكره البغوي 1/ 194، وروى عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 89 عن سفيان الثوري نحوه.]] أي: خشي، وقيل: علم. والخوف [[في (ش): (فالحوف).]] والخشية يستعملان بمعنى العلم؛ لأن في الخشية والمخافة طرفًا من العلم؛ لأن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول [[في (م): (قال).]]: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم، قال الله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: 80] أي: علمنا، ومنه ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 51] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾ [البقرة: 229] [[ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 67، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 301، "الثعلبي" 2/ 208، "المحرر الوجيز" 2/ 98، "البغوي" 1/ 194، "التفسير الكبير" 5/ 66.]]. وقوله: ﴿جَنَفًا﴾ أي: ميلًا، يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا: إذا مال، وكذلك تجانف، ومنه قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3]، [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، "المفردات" ص108، "التفسير الكبير" 5/ 65.]]. قال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمدٍ [[رواه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 302، وقال: وروي عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.]]. قال عطاء: هو أن يُعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض [[رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 301.]]. وقال طاوس: جنفُه: توليجه، وهو أن يوصي لولد ولده، يريدُ ولدَه [[رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 125، وابن أبي حاتم 1/ 301.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أي: قصدًا للميل، قال السُدّي [[رواه عنه الطبري 2/ 125.]] والربيع [[رواه عنه الطبري2/ 127.]] وعطية [[رواه عنه الطبري 2/ 127.]]: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد. فمن قال: (خاف) معناه: خشي قال: تأويل الآية: من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 96، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، وعزاه في "الدر" 1/ 320 إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري.]]. ومن قال خاف: معناه علم، قال: الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل. وهذا معنى قول ابن عباس [[رواه عنه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 303، وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل نحو ذلك.]] وقتادة [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 69، والطبري 2/ 124، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 171.]] والربيع [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 124، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 303.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم. وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 2/ 216، "التفسير الكبير" 5/ 67، "البحر المحيط" 1/ 24.]]. وقال الكسائي والفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 111.]]: قوله: (أصلح) يدل على أن الصلح يكون بين الورثة والمُوصَى لهم، قال الكسائي: لأنّ أصلح لا يكون على واحد، لا تقول: أصلحت بينَه، ولكن بينهما، أو بينهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل [["التفسير الكبير" 5/ 67، وذكر أربعة أوجه.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب