الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس [[انظر: القرطبي 9/ 73.]] في رواية الكلبي: لما قفلت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، توضأ إبراهيم وقام يصلي، وكان بين قريته وقرية لوط أربعة فراسخ، فانتهوا إلى قرية لوط، فبصرت ابنتا لوط -وهما يستقيان- بالملائكة فرأتا هيئة حسنة، قالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قالوا: من موضع كذا، نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها يفعلون كذا وكذا. فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما جاؤوه ورأى هيئتهم خاف قومه عليهم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا يوم عصيب، ومعنى سِيء بهم ساءه مجيؤهم، وساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فشغل، وسررته فسر. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]]: أصله سُوِءَ بهم إلا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين، قال عامة أهل التأويل [[الطبري 12/ 81، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 357، "زاد المسير" 4/ 135.]]: إنما سيء بهم لوط؛ لأنه لما نظر من حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بما يقصدون به غيرهم من المطالبة بالفعل الخبيث، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن [[في (ب): (علي).]] أضيافه. وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1278.]]: الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيرة ذرعًا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق ذَرْعُهُ عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارةً عن ضيق الوسع والطاقة،، فيقال: ما لي به ذرع ولا ذراع، أي: ما لي به طاقة، الدليل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعًا، قال القطامي [["ديوانه" ص 44، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 256، و"اللسان" (ت ى ز).]]: إذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ... إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]] يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره [[القرطبي 9/ 74، الثعلبي 7/ 50 ب.]] يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف أصله، وذكر ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 136. وذكر قولًا ثالثًا عنه هو أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه.]] قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني [[ساقط من (ب).]]: أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه. وقال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 79، "زاد المسير" 4/ 136.]]: الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم)، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط [[في (ي): (لفظ).]]، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون وجميع أهل المعاني [[الطبري 12/ 82، البغوي 4/ 190، الرازي 18/ 31، "البحر المحيط" 5/ 246، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67.]]: يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2454.]]: العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة. وقال الفراء [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2453.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 293.]]: العصيب الشديد، وأنشد أبو عبيدة قول هانئ العنبري [[بيتان من الرجز وقد نسبهما الواحدي هنا إلى هانئ العنبري، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 82، القرطبي 9/ 74، "زاد المسير" 4/ 107، "مجمع البيان" 5/ 277.]]: يوم عصيب يعصب الأبطالا عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد [[هذا البيت من قصيدة قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، و (لزاز الخصم) الشديد المعاند ذو البأس في الملمات، و (عرد عن خصمه) أحجم ونكص، انظر: "ديوانه" ص 39، "مجاز القرآن" 1/ 294، "الأغاني" 2/ 111، الطبري 12/ 82، "اللسان" (سلك) 4/ 2073، "كتاب الجيم" 3/ 208.]]: وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب