الباحث القرآني
ثم قال الله تعالى: (﴿وَقَالَ﴾ بواو وبدونها) قراءتان سبعيتان، يعني أنه يجوز أن تقول: ﴿قَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ [القصص: ٣٧]، ويجوز أن تقول: ﴿وَقَالَ﴾، وهذه من القراءات النادرة جدًّا؛ لأنَّ المعروف أن القراءات المتواترة ما يكون فيها تغيير كلمة بزيادة أو نقص، وأظن أنَّا أرشدناكم من قبل ببيتين في القراءات:
* طالب: (...).
* الشيخ:
؎وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ
الآن (وكان للرسم احتمالًا يحوي) هل يحوي الاحتمال هنا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن فيه زيادة (...) الآن في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] ففيها قراءتان: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وكذلك حرف ثالث في سورة المائدة (...) بالواو وبعدمه، لكن يعتبر هذا من الأشياء النادرة في القراءات.
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ:
؎وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، معناها أنها سبعية، إي.
قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾، ﴿أَعْلَمُ﴾ هذا اسم تفضيل، واسم التفضيل يدل على (...)، فإذا قيل: "فلان أفضل من فلان" فقد اشترك الرجلان في الفضل، وزاد المُفضَّل على المُفضَّل عليه فيه.
هنا يقول: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، قال المؤلف: (أي: عالم)، فحوَّل اسم التفضيل إلى اسم فاعل، وهذه جناية، جناية عظيمة؛ لأن (عالم) أدنى بكثير من ﴿أَعْلَمُ﴾ ولَّا لا؟ كذا؟ إذا قلت مثلًا: "غانمٌ عالم"، وقلت: "غانمٌ أعلم مِن وليد"، (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، هنا: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ﴾، و﴿رَبِّي﴾ عالم ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾ أيُّهما أبين؟
﴿أَعْلَمُ﴾ (...) فالصواب أنَّ (أعلم) على ما عليه، أنها اسم تفضيل، وأن مَن علم (...) بالله فالله أعلم منه، والمؤلف رحمه الله ومن حذا حذوه أو سبقه على ذلك إنما فرُّوا من أن يكون الإنسان مشتركًا مع الله في العلم، (...) (أعلم) صار مشاركًا للإنسان في العلم، لكن الله أعلم، نعم، ولكن (عالم) ما فيه دليل على أنه أعلم (...) لأنكم إذا قلتم: (أعلم) الآن نفيت المشاركة، كذا؟ لأن الأعلم في درجة لا يصل إليها (...) عليه، فنفيتم المشاركة. لكن إذا قلتم: (عالم) هذا هو الذي فيه المشاركة؛ لأن الله عالِم والإنسان عالِم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨]، يعني فعلموا، واضح؟ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤]. الشاهد أن كلمة (عالم) هي التي تقتضي المشاركة، بخلاف (أعلم).
ثم إنَّ فيها دليلًا واضحًا على أنَّ كلَّ صفة كمال فالله تعالى له منها أعلاها، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، فكل صفة كمال مطلق فلله تعالى منها أكملُها، خذوا بالكم، واضح المعنى؟
إذن (أعلم) خليها على ما هي عليه، على ما في القراءة: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، حتى مَن علِم مَن جاء بالهدى مِن عند الله من المؤمنين الذين أُرسِل إليهم فعلموا ذلك، فالله تعالى أعلم منهم.
* طالب: (...).
قال: (﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضمير) يعود (للرب)، وين الضمير؟
* طالب: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾.
* الشيخ: إي ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي مِن عند الله، وإنما أشار المؤلف إلى هذا لئلا يُظَن أنه عائد إلى (مَن) في قوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولا يمكن أن يعود إلى (مَن)؛ لأنه يختلف المعنى.
وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولم يقل: أعلم أني قد جئتُ بالهدى من عنده، بل قال: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾؛ لئلا يكون مُدَّعيًا، فليبقَ الأمر موكولًا بالحكم عليه من جهة العقل.
قال: (﴿وَمَنْ﴾ عطف على مَن) (...).
(عطف على من) وين (مَن)؟ بمَن جاء ومَن يعني وبمَن تكون له عاقبة الدار، فهو أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، وهذا سبب لحكم العاقبة، وأعلم كذلك بمن تكون له عاقبة الدار، فهو يعلم سبحانه وتعالى المبتدأ والمنتهى.
وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال: ﴿جَاءَ بِالْهُدَى﴾، سَمَّى الكتاب أو سَمَّى الوحيَ هدًى؛ لأنه وحيٌ، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم؛ لأنه هو السبيل (...).
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أضافه إلى الله؛ لأن الوحي من الله سبحانه وتعالى وليس من غيره، ولا أحدَ يأخذُ هدًى إلا مِن عندِ الله.
﴿مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ﴾ [القصص ٣٧] (بالفوقانية والتحتانية)، بالفوقانية ﴿تَكُونُ﴾، والتحتانية ﴿يَكُونُ﴾ ، فهما قراءتان.
أما قراءة الفوقانية: ﴿تَكُونُ﴾ فالأمر فيها ظاهر؛ لأن عاقبة الدار مؤنثة، والفاعل إذا كان مؤنثًا يؤنَّث له الفعل، وأما التحتانية: ﴿وَمَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ فإنما جاز التذكير مع تأنيث الفاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن التأنيث مجازي، فقل (...)، فالتأنيث مجازي لأن العاقبة تأنيثها مجازي؛ لأن التأنيث إذا لم يكن للمؤنث فَرْجٌ فهو تأنيث مجازي.
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، هذه ﴿تَكُونُ﴾ ناقصة ولَّا تامة؟
نقول: هي ناقصة، وخبرها مقدم وهو قوله: ﴿لَهُ﴾، واسمها مؤخر وهو ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.
قال المؤلف: (أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة)، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي مَن يعقُبُ غيرَه في الدار، والمؤلف حملها على أن المراد بالدار هنا الدارُ الآخرة، ولكن ينبغي أن نقول: إنها عامة في الدارِ الآخرة والدارِ الدنيا؛ فإن عباد الله الصالحين هم الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد كانت العاقبة لموسى وقومِه حتى في الدار الدنيا بالنسبة لفرعون، ولَّا لا؟ قال الله عز وجل: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وفي سورة الشعراء: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]. فالأولَى إذن أن نجعل الدار هنا عامةً في دار الدنيا ودار الآخرة.
طيب، ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، أي: العقبى فيها بأن يعقُب غيره. طيب، العقبى في الدنيا واضحة، إذا فتح المسلمون البلاد صاروا هم الذين ورثوها، لكن في الآخرة كيف يكون ذلك؟
* طالب: في الجنة.
* الشيخ: في الجنة؛ لأنه يكون المؤمن في الجنة وارثًا لمكان الكافر منها، فإن الكافر يرى مقعده في الجنة في قبرِه لو آمن، ولكنه يدخله المؤمنون، فإن المؤمنين يرثون مقاعد الكافرين في الجنة، فتكون العقبى لهم أيضًا في الدار الآخرة.
قال المؤلف: (أي: هو أنا في الشقين). ما هما الشِّقان؟
﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ هذا شق، والشق الثاني: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.
وقول المؤلف: (أي: هو أنا) هذا (...) هذا هو الحق أن الذي جاء بالهدى من عند الله موسى، وأنه ستكون له العاقبة، عاقبة الدار، ولكنَّ موسى خاطب فرعون بهذا الخطاب المُتردد بين كون الهدى عندَه أو عند فرعون والعاقبة له دون فرعون على سبيل أيش؟ على سبيل التنزُّل (...)، كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، وكما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. فالآن يقول: (أي: هو أنا) لكنه ما صرح به بأن قال: أنا قد جئت بالهدى (...)؛ لأن هذه هي الدعوة التي جاء بها وأقامها على فرعون، لكنه ساق الكلام مَساق الأمر المتردد بينه وبين فرعون من باب التنزُّل معه.
قال: (فأنا مُحِق فيما جِئتُ به).
نعم، هذا مُفرَّع على قوله: (هو أنا).
(﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧] الكافرون).
﴿إِنَّهُ﴾: الضمير هنا ضمير الشأن؛ لأنه لم يسبق له مرجِع، ولم يلحقه ما يصلح أن يكون مرجعًا له. وعلى هذا فيكون ضميرَ الشأن، أي: إنَّ الشأن والحال أنَّه لا يفلح الظالمون.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، هل هو يشير إلى فرعون وأنه ظالم ولم يفلح، أو هو أمر عام، يعني إن كنتُ أنا ظالمًا بدعوى الرسالة، فأنا لا أُفلح، وإن كنتَ ظالمًا بردِّك الحق فأنت لا تفلح؟
نقول: هو هذا؛ لأنه مُفرَّع على ما قبله ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وعاقبة الدار ستكون لِمن؟ للظالم ولَّا لغير الظالم؟ لغير الظالم؛ لأن الظالم لا يُفلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الظالم في هذه الحال مَن؟ فرعون؛ لأنه ردَّ الحق.
وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ الفلاح: هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، وسُمِّي فلاحًا لأنه بقاء، وأصله في اللغة البقاء، كما قال الشاعر:
؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ وَالصُّبْحُ وَالمُسْيُ لا فَلَاحَ مَعَهْ
يعني: لا بقاء، ولذا يتعدى الأمر إلى أن يقولوا: إن الفلاح هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب.
وقول المؤلف: (الكافرون)، مع أن الله يقول: ﴿الظَّالِمُونَ﴾، هل (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، وعدمُ فلاحِ الظالمين بحسَب ظلمهم؛ إن كان ظلمًا أكبر فهم لا يفلحون أبدًا، وهم الكافرون، وإن كان ظلمًا دون ذلك نقص من الفلاح بحسب ما نقص من العدل. فالضابط في هذا أيضًا إبقاءُ الآية على ظاهرها، وأن الظالم لا يُفلِح، لكن انتفاء الفلاح عنه بحسَب وجود الظلم فيه، فالظلم الأكبر يفوت به الفلاح كله، وما دون ذلك يفوت فيه من الفلاح بحسب ما حصل من الظلم.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يخاطِب قومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص ٣٨] (...).
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ﴾، يا أيها الناس (...) بالنداء تعظيمًا للأمر وتهويلًا له.
ثم قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولم يقل: ما وجدتُ لكم؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ لكم كذّبوه؛ إذ إنهم يقولون: أنت لم تذهب (...) ما فارقتنا (...) فطلبت الله فلم تجده. بل نفى أن يكون عالمًا بذلك: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾؛ لأجل أن يُفَرِّعَ عليه: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، فتتم له اللعبة.
يقول: أنا والله ما أدري لكم من إله غيري، لكن نبغي نبحث، أوقد لي يا هامان على الطين واجعل لي صرحًا طويلًا رفيعًا لأجل أشوف وأنظر هل في السماء إله لموسى أو لا، وهذا أبلغ في التكذيب؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ ما حصل التمييز لِقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، ولَّا لا؟ ليش؟ لأنه إذا قلنا: وجد، ما حاجة إلى التمييز (...)؛ إذ لا ينفي للوجود إلا بعد الطلب.
ثانيًا: لو قال: ما وجدتُ، لقالوا: كيف ما وجدت وأنت معنا؟ فعبَّر بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ﴾؛ لأجل أن يتم لُعبته.
وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، المراد: من رب غيري؛ لأنَّه قال في سورة النازعات: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٣، ٢٤]، أو يجوز أن المراد بالإله ظاهرُها، فيكون ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: من معبود، ولا يُعبَد إلا الرب.
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، الفاء للسببية، وهي عاطفة (...).
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾، هامان من هو؟ وزيرُه. طيب، الوزارة في هذا الوقت ما تتعين، نقول: وزير المعارف، أو وزير (...)؟ وزيرٌ مطلق، إن كان عنده مهام متعددة فهو وزير الأشخاص.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا؛ لأنه (...). على كل حال اللي يظهر أنه وزير مطلق (...).
(﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ)، الطين هو التراب المبلول بالماء، فإذا أُوقِد عليه انعقد وتحَجَّر وصار آجُرًّا، وإنما اختار ذلك لأن الآجُرَّ أقوى من غيرِه، ولَّا لا؟ (...)، ولأنه إذا أوقد عليه (...) ويكون له شهرة بينهم، فإذا مرَّ الناس وقالوا: ما هذا؟ قالوا: هذا الصرح الذي (...)، فيشتهر أكثر وتكون أيضًا لعبة أكثر للعقول.
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، يقول المؤلف: (قَصْرًا عَالِيًا)، يعني ما (...) يبني له مثل المنارة، لكن بناءً عاليًا، لو قال المؤلف: بناءً عاليًا، لكان أولَى.
﴿صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص ٣٨].
﴿لَعَلِّي﴾ هذه للتعليل، يعني: اجعله لي لِأطلع إلى إله موسى أنظر إليه وأقف عليه.
وقوله: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ والعياذ بالله! جاء بها على سبيل التحقير؛ لأن موسى عنده عظيم ولَّا لا؟
* طالب: عظيم.
* الشيخ: عظيم!
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، حقير، فإلهه يكون مثلَه، إله موسى؛ لأنه يكون حقيرًا لحقارة عابدِه.
﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨] (لادعائه إلهًا آخَر وأنه رسوله).
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أكدَّها بـ(إنَّ) واللام، ثم قال: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ليفتح الباب (...)؛ لأنَّه ليس هذا أول من كذب، فليس بغريب أن يكذب؛ لأنه قد سبقه مَن سبقه، فيكون هذا أشد قبولًا لقوله عندهم، وليذكرهم بأن موسى مثل غيره من الكاذبين، فليس أول من كذب.
نقول الآن: هل قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، هل هو صادق في ذلك؟
* طالب: ليس صادقًا.
* الشيخ: ليس صادقًا؛ لأنَّ موسى قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ١٠٢]، لكنه (...) أمر بهذه الفعلة.
ثانيًا: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل هو صادق في قوله: ﴿لَأَظُنُّهُ﴾؟ غير صادق، بل إنه يتَيَقَّن أنه صادِق، لكنه (...) على قومِه هو الذي جعله يقول هذا القول.
* طالب: (...).
* الشيخ: وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
* وفيه: التَنَزُّل مع الخصم على وجه لا يكون فيه تقييد لدعوى المُدَّعي.
* وفيه أيضًا: دليل في قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، أن الهدى مِن الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يأتي بما يحسن الاهتداء به، ويُوفِّق من شاء مِن عباده له، فالهدى مِن عند الله، ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ (...) فهو.
* ويستفاد من هذه الآية: أن العاقبة لمن اتبع هدى الله؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص ٣٧]، يعني: وهو كذلك أعلم بمن تكون له عاقبة الدار (...).
* ومنها أيضًا: أن الظالم لا يُفلِح، ومفهومه أن صاحب العدل يُفلِح؛ لأنه إذا انتفى الفلاح عن الظالم وجَب ثبوته لصاحب العدل.
* ومنها: التحذير مِن الظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، والترغيب في العدل؛ لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده.
طيب، كُنَّا ذكرنا أن العاقبة (...).
طيب، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] إلى آخره.
* يستفاد من هذا الآية: أن فرعون قد سيطر على قلوب قومه. وجهُ ذلك: أن مِثل هذا الكلام لا يُقبَل إلا من شخص قد سلب عقولهم، وإلا كان كل واحد يقول: أبأصير إله (...).
طيب، * ومنها أيضًا: تمييز فرعون على قومِه وأنَّه من أشدِّ الناس مكرًا وحيلة؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
* ومنها: إثبات علوِّ الله. من أين نأخذه؟ مِن قوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وهذا دليل على أنَّ موسى قال له: إن الله في السماء.
طيب، * ومنها أيضًا: أن فرعون كان عظيمَ الملك في مملكته، وكان له وزراء يأمرهم.
* ومنها: جواز إسناد الفعل إلى الآمر به إذا كان له سلطانٌ في أمره؛ لقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. ومعلومٌ أنَّ هامان لم يباشر البناء، مَن يباشره؟ العمال، ولكنه نُسب الفعل إليه؛ لأنه الآمر به، فقيل: إسناد الفعل إلى الآمر به لمن كان له سلطة في الأمر. والفقهاء رحمهم الله اعتبروا هذا فقالوا: لو أمر بالقتل غير مكلَّف فقتل، فالقَوَد على من؟ على الآمر، يعني لو قال للإنسان مثلًا: اقتلْ فلانًا، فذهب فقتلَه، فإنَّ الذي يُقتَل الآمر؛ لأنه هو السبب، والسبب مبتدَأ الحكم إليه.
* ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أنَّ الفخَّار أقوى مِن الطين غير المُوقَد عليه، قالوا: إن الطين الموقد عليه أقوى، مِن أين يؤخذ؟ ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ويقال في الأول: لو أن الآجُرَّ اللي هو (...) فرعون، والله أعلم، قد يكون أول من اخترع هذا الشيء، وقد يكون الأمر معلومًا من قبل فأمر به، إنما يؤخذ أنه أقوى من الطين غير الموقد عليه.
* ومنها أيضًا: طغيان فرعون واستكبارُه؛ حيث ذكر الربَّ سبحانه وتعالى بصيغة الإذلال، في قوله: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، فنسبه إليه احتقارًا له لأنَّه يحتقرُ موسى.
* ومنه أيضًا: أنَّ فرعون مِن أكذب الناس؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ولقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨].
* ومنها: التمييز في قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وجه ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيها التمييز.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني لعله يستغرب أن يكذب موسى في هذا الأمر، فأشار بقوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن هناك ما يُصدق سواه، فلا تستغربوا أن يكذب هو كما كذب غيره.
وفي آية أخرى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧]، فما الجمع بينهما؟
قلنا: الجمع بينهما هو أن الله سبحانه وتعالى إما أنه يكون قد نقل الكلام بمعناه، واللفظ مِن عند الله، أو أنه يتكلم بهذا مرة من فرعون وبهذا مرة، ففي مجلس يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وفي آخر يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، حسب ما يرى أنه أنفع للحضور.
{"ayahs_start":37,"ayahs":["وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّیۤ أَعۡلَمُ بِمَن جَاۤءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ","وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی فَأَوۡقِدۡ لِی یَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّینِ فَٱجۡعَل لِّی صَرۡحࣰا لَّعَلِّیۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّی لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ"],"ayah":"وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی فَأَوۡقِدۡ لِی یَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّینِ فَٱجۡعَل لِّی صَرۡحࣰا لَّعَلِّیۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّی لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق