الباحث القرآني

قوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ قال ابن عباس - رضي الله عنهما - بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان. فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر؟ قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع، ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد، وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك. * (فصل) من عَلامات السَّعادَة والفلاح أن العَبْد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورَحمته، وكلما زيد عمله زيد في خَوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من النّاس وقَضاء حوائجهم والتواضع لَهُم وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للنّاس وحسن ظَنّه بِنَفسِهِ، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وَهَذِه الأُمُور ابتلاء من الله وامتحان يَبْتَلِي بها عباده، فيسعد بها أقوام، ويشقى بها أقوام، وكَذَلِكَ الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسُّلْطان والمال قالَ تَعالى عَن نبيه سُلَيْمان لما رأى عرش بلقيس عِنْده ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أم أكفر﴾ فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظْهر بها شكر الشكُور وكفر الكفور كَما أن المحن بلوى مِنهُ سُبْحانَهُ فَهو يَبْتَلِي بِالنعَم كَما يَبْتَلِي بالمصائب قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الأِنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ كلا﴾ أي لَيْسَ كل من وسعت عَلَيْهِ وأكرمته ونعمته يكون ذَلِك إكْراما مني لَهُ، ولا كل من ضيّقت عَلَيْهِ رزقه وابتليته يكون ذَلِك إهانة مني لَهُ. * (موعظة) النّاس في هَذِه الدّار على جناح سفر كلهم، وكل مُسافر فَهو ظاعن إلى مقْصده ونازل على من يسرّ بالنزول عَلَيْهِ وطالب الله والدّار الآخِرَة إنَّما هو ظاعن إلى الله في حال سَفَره ونازل عَلَيْهِ عند القدوم عَلَيْهِ فَهَذِهِ همته في سَفَره وفي انقضائه ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وقالَت امْرَأة فِرْعَوْن ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فطلبت كَون البَيْت عِنْده قبل طلبَها أن يكون في الجنَّة فَإن الجار قبل الدّار. من كَلام الشَّيْخ علي: قيل لي في نوم كاليقظة، أو يقظة كالنوم: لا تبدِ فاقة إلى غَيْرِي فأضاعفها عَلَيْك مُكافَأة لخروجك عَن حدك في عبوديتك. ابتليتك بالفقر لتصير ذَهَبا خالِصا، فَلا تزيفن بعد السبك. حكمت لك بالفقر، ولنفسي بالغنى فَإن وصلتها بِي وصلتك بالغنى، وإن وصلتها بغيري حسمت عَنْك مواد معونتي طردا لَك عَن بابي. لا تركن إلى شَيْء دُوننا فإنه وبال عَلَيْك وقاتلٌ لَك. إن ركنت إلى العَمَل رددناه عَلَيْك، وإن ركنت إلى المعرفَة نكرناها عَلَيْك، وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فِيهِ، وإن ركنت إلى العلم أوقفناك مَعَه، وإن ركنت إلى المخلوقين وكلناك إلَيْهِم، ارْضَنا لَك رَبًّا نرضاك لنا عبدا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب