الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 120، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 215.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرج عن مجاهد وابن زيد من طرق جيدة نحوه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 368، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.]]: (معنى ﴿الْحَسَنَةُ﴾ يريد بها: الغيث والخصب والثمار والمواشي والألبان والسعة في الرزق، والعافية والسلامة). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. أي: أنَّا مستحقوه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 179، و"تأويل مشكل القرآن" ص 391.]] على العادة التي جرت لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه، ويقوموا بحق النعمة فيه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يريد: القحط والجدب والمرض والبلاء والضرّ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يتشاءموا، وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 568، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.]]. وقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصل يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاءة لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 368.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد شؤمهم عند الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 223، والبغوي 3/ 269 بلفظ: (شؤمهم عند الله ومن قبل الله). وأخرج الطبري 9/ 30 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول مصائبهم عند الله) اهـ. وفي رواية قال: (الأمر من قبل الله) اهـ، وذكره الثعلبي 6/ 9 أ، والبغوي 3/ 269 عنه أنه قال: (طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم) اهـ.]]، يريد من قبل الله، أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وجرأتهم [[في (ب): (وجرأتهم على الله عليه)، وهو تحريف.]] عليه. وقال الكلبي: (يقول إن الذي أصابهم هو من الله) [["تنوير المقباس" 2/ 120.]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، 30، و"معاني الزجاج" 2/ 368 - 369، والنحاس 3/ 68، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والماوردي 2/ 251.]] في الطائر أن معناه هاهنا: الشؤم، ومثل هذا قوله تعالى في قصة ثمود وتشاؤمهم بنبيهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: 47]. قال الفراء: (كما تشاءمت اليهود بالنبي ﷺ بالمدينة، فقالوا [[لفظ: (فقالوا) ساقط من (أ).]]: غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مُذْ أتانا) [["معاني الفراء" 1/ 392.]]. قال الأزهري: (وقيل للشؤم: طائر وطَيْر وطِيَرة؛ لأن العرب كان من شأنها عِيَافَةُ الطير وزجرها، والتَّطيُّر ببارحها، وبِنَعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فَسَمَّوا الشؤم طَيْراً وطائِراً وطِيَرَة لتشاؤمهم بها. ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طِيَرَتهم باطلة فقال: "لا طِيَرة ولا هام" [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري رقم (5770) كتاب الطب، باب: لا هامة، ومسلم رقم (2220) كتاب السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" اهـ. والهامة: طائر معروف. وقيل إن عظام الميت وروحه تنقلب هامة تطير، والصفر: داء يأخذ البطن. انظر: "صحيح مسلم بشرح النووي" 14/ 310.]]، وكان النبي ﷺ [[في (أ): (عليه السلام).]] يتفاءل ولا يَتَطَير [[أخرج البخاري رقم (5757) كتاب الطب، باب: الفأل. ومسلم رقم (2223 - 2224) كتاب السلام، باب: الطيرة والفال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: == "لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم". وفي رواية لمسلم قال: "أحب الفأل الصالح" وأخرجا عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة" اهـ.]]، وأصل الفأل الكلمة الحسنة يَسمعُها عليل فيتأول فيها ما يدل على برئه، والطيرة مضادة للفأل، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطِّيَرة واحد [[في (أ): (واحدًا).]]، فأثبت النبي ﷺ الفأل واستحسنه، وأبطل الطِّيَرة ونهى عنها) [["تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طير).]]. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (أي: حظهم) [["مجاز القرآن" 1/ 226 وفيه: (مجازه إنما طائرهم وتزاد (ألا) للتنبيه والتوكيد، ومجاز طائرهم حظهم ونصيبهم) اهـ.]]، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: (طائرهم ما قُضِي عليهم وقُدر لهم) [[سبق تخريجه.]]. والعرب تقول: أطرت المال وَطيَّرته بين القوم فَطَار لكل [[في (ب): (فطار لكل واحد منهم سهمه).]] منهم سَهْمُه، أي: صار له [[النص من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.]]. ومنه الحديث: "أطره خُمراً بين نسائك" [[أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2071) كتاب اللباس والزينة، باب: استعمال إناء الذهب والفضة، وأبو داود 4/ 322 رقم (4043)، والنسائي 8/ 197 - 198 كتاب الزينة، باب: ذكر الرخصة للنساء في لبس السيراء، وباب النهي عن لبس الإستبرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه فقال: "إني لم أبعثها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء". وفي رواية: (فأمرني == فأطرتها بين نسائي) اهـ. وحلة سيراء: أي: مضلعة بالحرير، وأطرتها: أي قسمتها بأن شققتها بينهن، أفاده الخطابي في "حاشية سنن أبي داود".]] أي: فرقة، وطائر كل واحد ما يطير له أي: يخصه، ومنه قول لبيد: تَطِيرُ عَدَائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعاً ... وَوِتْراً والزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ [["ديوانه" ص 200، و"تهذيب اللغة" 3/ 2150، و"الدر المصون" 5/ 429، وتطير: أي تخرج، والعدائد: المال والميراث وقيل: الأنصباء. والأشراك: الشركاء، والزعامة: الرياسة والحظ من المغنم.]] الأشراك: الأنصباء واحدها شرك أي: قسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين فطارت الأنصاب شفعاً ووتراً لمستحقيها، وخلصت الرئاسة للذكور من الأولاد [[هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.]]، وليس هذا من باب الشؤم والتطير في شي، وكلا القولين قد حكاه الزجاج؛ فقال في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا [[في النسخ: (إلى ما ينالهم في الدنيا)، وهو تحريف.]] ما ينالهم في الدنيا). [قال: (وقال بعضهم [[هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 226.]]: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حظهم، والمعنى واحد) [["معاني الزجاج" 2/ 369.]]، فجعل تفسير قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ما وعدوا في الآخرة مما ينالهم في الدنيا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، يريد: أن جميع ما يصيبهم في الدنيا والآخرة هو من الله تعالى، وجعل معنى القولين في الطائر واحداً وإن اختلف الأصلان؛ لأن المعنى فيهما: ما يصيبهم من شرّ وضرّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال الكلبي [[لم أقف عليه.]]: (يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الذي أصابهم من الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب