الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أصل [[(أصل): ساقطة من (ج).]] (الخُلُوِّ) -في اللغة-: الانفراد. والمكان الخالي [[في (ج): (الخال).]]: المنفرد عن الساكن. والخَلِيَّةُ من النُوْقِ: التي ذُبح ولَدُها، فَخَلَت عن الوَلَدِ [[في كتاب "العين": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها. ويقال: هي التي ليس معها ولد) 4/ 308 (خلو). وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب. انظر: "التهذيب" 1/ 1074 (خلو). وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق 1/ 1074، و"المقاييس" 2/ 204.]]. ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية [[انظر: (خلو) في "التهذيب" 1/ 1074، و"مفردات ألفاظ القرآن" 297.]]. والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 99.]]. والسُّنَّة [[من قوله: (والسنة ..) إلى (.. قويما): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن). وانظر: "الزاهر" 2/ 352، و"اللسان" 4/ 2125 (سنن).]]: الطريقة المستقيمة [[قال ابن الأنباري في: "الزاهر" 2/ 352: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق. يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) .. أي: وسطه وجادته). وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).]]. ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة. و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و (سُنَّةُ النبي ﷺ): طريقته. والسُّنَّةُ [[من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (.. وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: "تفسير الطبري" 4/ 100.]]: المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و [سَنَّ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الطبري" 4/ 100.]] سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به [[في "تفسير الطبري" اتبع عليه.]]، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ. قال لَبِيد: مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ [[في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم). والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.]] ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها [[البيت في: ديوانه: 320، وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 100، و"جمهرة أشعار العرب" (137)، و"الزاهر" 2/ 352، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 593، و"تهذيب اللغة" 1/ 206، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 251، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 173، و"اللسان" 1/ 134 (أمم)، و"الدر المصون" 3/ 399. والبيت من معلقته. وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة. وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.]] واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ): فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره [[قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ). "إصلاح المنطق": 378. وانظر هذا المعنى في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي:270، و"تهذيب اللغة" 2/ 1777 (سنن)، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 438 - 439، و"مجالس ثعلب" 2/ 352، و"الصحاح" 2141 (سنن)، و"المقاييس" 3/ 60، و"اللسان": 4/ 2126 (سنن).]]. قال زُهَيْر: تعودها الطرادَ [[في (ب): مطرد.]] فَكلَّ [[في (ج): وكل.]] يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ [[البيت في: "شرح ديوانه" ص187، ورد منسوبا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن)، و"مقاييس اللغة" 5/ 77 (قرن)، و"الدر المصون" 3/ 440، و"اللسان" 4/ 2522 (صوح)، 4/ 2125 (سنن)، 6/ 3609 (قرن). ورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-. وورد الشطر الأول في الديوان، و"اللسان" 6/ 3609 (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..). وورد في الديوان و"اللسان" (تُسَنُّ) -بالتاء-. الطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها. انظر: "اللسان" 5/ 2653 (طرد). السَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس. انظر: "كتاب الفرق" لابن فارس 63، و"القاموس" 944. والقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق. وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق). كتاب الجيم، له: 70. وانظر: "اللسان" 6/ 3609 (قرن). يقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.]] أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ [[في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء. والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب. والدُّفَع: جمع: دُفْعَة. وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: "القاموس" 715 (دفع).]] من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها. شُبِّهَ فِعْلُ النبي ﷺ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو [[(أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.]]: المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)، كـ (الغُرْفَة) [[في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف. أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه). و (اغترَفَهُ): أخذه بيده. واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة). و (الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ. و (الغُرفَة) بضم "العين": بمعنى: المغروف. وهي المراد بالتمثيل هنا. انظر: "القاموس" (841) (غرف).]] من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي ﷺ: (سُنَّة)، و (مسنون). ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ [[انظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1776، و"اللسان" 4/ 2123.]]. فالفعل [[في (ج): (والفعل).]] الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون). ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها [[قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها). "إصلاح المنطق" 54. وانظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1777، و"الصحاح" 2139، و"اللسان" 4/ 2123.]]. فالفعل الذي كان النبي ﷺ يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ). فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 99، 100، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 768، و"بحر العلوم" 1/ 300، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.]]: معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن [[في (ج): (في من).]] [قد] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] كان قبلكم، من الأمم الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها [[في (ج): فهم.]] أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من). والمثبت من (ج).]] المكذِّبِين منهم. والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون [[في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).]] في غيرِكم مِن المَثُلاتِ [[المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره. انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 760 (مثل)، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 271، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 284.]] التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم [[في (ج): (مهلكهم).]] [حتى يبلغ أجلي الذي] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ. فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله عز وجل في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]. وهذا تفسير الآية من غير إضمار. وقال [[في (ج): (قال) بدون واو.]] ابن عباس -في رواية عطاء- [[أورد هذا القول الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 121 ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس. وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 465.]]: قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ. قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ [[في (أ): (وجازين). وفي (ب): (وجازبن). والمثبت من (ج).]] على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها. وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها [[في (ب): (سنها).]] قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم. وقالَ أبو إسحاق [[في: "معاني القرآن" له 1/ 470. نقله عنه بمعناه.]]: معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، ولم يذكر (في الشَّرِّ) [[في "معاني القرآن" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).]]؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو [[في (ج): (وهو).]] إهلاك من اتَّبَعَها. و (العاقبة): آخر الأمر [[انظر: "القاموس" ص 116 - 117 (عقب).]]. يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)، وعاقَبَهُ: إذا [[في (ج): (وإذا).]] جاءَ بعده [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 147، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب).]]. فالعاقب [[في (ب): (كالعاقب). وفي (ج): (والعاقب).]]: الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ [[العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب. انظر: (عقب) في: "اللسان" 5/ 3022، و"القاموس" ص 116.]]. ومنه قيل للنبي ﷺ: (العاقب) [[ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: "إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3532). كتاب التفسير. سورة الصف (61). ومسلم في " الصحيح" رقم (2354) كتاب الفضائل. باب في أسمائه ﷺ، وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وفي لفظ: "ليس بعده نبي". وأخرجه الترمذي في "السنن" (2840). كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي ﷺ. والدارمي في "السنن" (2817). وأحمد في "المسند" 4/ 81، 84 (وانظر: "الفتح الرباني" 2/ 187 - 188). وأخرجه عبد الرزاق في: "المصنف": 10/ 446 رقم 16957) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي). وأخرجه مالك في: "الموطأ" (انظر: "تنوير الحوالك" 3/ 162 - 163). وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري). "تنوير الحوالك" 3/ 163.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب