الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ انتصاب اليوم على الظرف، والعامل فيه معنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: يثبت لهم العذاب يوم تبيض وجوه، و [[في (ج): (أو). بدلا من: (و). و (أو) أولى هنا من (و)؛ لما تتضمنه من معنى المغايرة.]] يعذبون يوم تبيض وجوه [[أو يكون منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم ... انظر: "البيان" للأنباري 1/ 214، "التبيان" (203)، "محاسن التأويل" للقاسمي 4/ 933.]]. ومعنى ابيضاض الوجوه: إشراقها [[في (ج): (وإشراقها). ومن قوله: (إشراقها ..) إلى (عليها غبرة): موجود بمعناه في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 452.]] واستنارتها وسرورها واستبشارها [[(سرورها واستبشارها): ساقط من (ج).]]؛ لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته؛ كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:38 - 39]. ومعنى اسْوِدادِها: حزنها، وكآبتها، وكسوفها؛ لما تصير إليه من العذاب؛ كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 40]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27]. قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية وقد أورد الثعلبي والقرطبي هذا القول وعزواه لعطاء دون رفع لابن عباس. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 96 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 167.]]: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد ﷺ. وقال في رواية سعيد بن جبير [[أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 729، والثعلبي -بسنده- في "تفسيره" 3/ 96 ب. وأوردها البغوي في "تفسيره" 2/ 87، والسيوطي في "الدر" 2/ 111 - 112 ونسب إخراجها لأبي نصر في الإبانة، والخطيب في تاريخه، واللالكائي في "السنة".]]: تَبْيَضُّ وجوهُ أهل السُنَّة، وتَسْوَدُّ [[في (ج): (وتبيض).]] وجوهُ أهل البدعة. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له:1/ 228.]] والزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 454. وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 211، "تفسير الطبري" 4/ 40، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 1/ 38، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 457. "الصاحبي" 390، "الإكسير في علم التفسير" للطوفي 185،193، "ارتشاف الضرب" 2/ 63، 570، 3/ 151.]]: جواب (أمَّا) محذوفٌ مع القول، وهو: [الفاء] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): ساقط. والمثبت من: (ج).]] مع قولٍ مُضمَرٍ، فلما سقط القول، [سقط] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي "معاني القرآن" للفراء: سقطت.]] الفاء معه [[انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 834.]]، والمعنى: (فيقال لهم: اكفرتم بعد إيمانكم؟)، وحَذَف القولَ؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. ومثله كثير في التنزيل؛ كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [[سورة الرعد: 24. وتمامها: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. والمعنى: يقولون: سلامٌ عليكم.]]، وقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا} [[سورة البقرة: 127. وتمامها: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والمعنى: يقولان: ربَّنا ..]]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ [[سورة السجدة: 12. وتمامها: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. والمعنى: يقولون: ربنا ..]] الآية. وقوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: يعني: اليهود؛ شهدوا لمحمد عليه السلام [[في (ب): (ﷺ).]] بالنُّبُوَّةِ، فَلمَّا قَدِمَ عليهم كذَّبوه وكفروا به. وهذا قول عكرمة [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 97 - ب، "تفسير القرطبي" 4/ 167، وأروده السيوطي في "الدر" 2/ 112 ونسب إخراجه للفريابي، وابن المنذر.]] واختيار الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 455.]]. وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم [[أورده بهذا النص الثعلبي في "تفسيره" 3/ 97 ب. وهو معنى قول قتادة الذي أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 40، ونصه عنه -بعد أن قرأ الآية-: (لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: "والذي نفس محمد بيده، لَيَرِدنَّ عليَّ الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رُفِعوا إليَّ ورأيتهم، اختُلِجوا مِن دوني، فلأقولن: ربِّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنَّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". وقد ذكر الثعلبي هذا النص الذي أخرجه الطبري مستدلًا به على معنى قول قتادة الذي ذكره، قائلًا: (ودليل هذه التأويلات) ثم أورد الخبر السابق. وأورد -كذلك- قول قتادة -كما هو عند المؤلف-: البغوي في "تفسيره" 2/ 88 وابن الجوزي في الزاد: 1/ 436. وانظر هذا الخبر وأحاديث أخرى نحوه في "لوامع الأنوار" للسفاريني: 2/ 197.]]. وقد روي عن النبي ﷺ مرفوعًا في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ أي: بعد الإقرار بالميثاق الأول [[أي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف. آية: 172].]]. أخبرنا أبو علي ابن أبي القاسم المذكِّر [[لم أقف على ترجمته.]]، أبنا محمد بن حمدوية النيسابوري [[هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعَيم الضَّبِّي الطهماني، الحاكم النيسابوري، المعروف بـ (ابن البَيِّع). ولد سنة (321 هـ)، الإمام الجليل الحافظ المتفق على جلالة قدره، صاحب "المستدرك على الصحيحين"، و"معرفة علوم الحديث" وغيرها من التصانيف الكثيرة. توفي سنة (405 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 473، "سير أعلام النبلاء" 17/ 162، "طبقات الفقهاء الشافعية" 1/ 198، "لسان الميزان" 6/ 250.]]، [حدَّثنا علي بن حَمْشَاذ [[هو: أبو الحسن، علي بن حمشاذ بن سختويه بن نصر النيسابوري. ولد سنة (285 هـ)، إمام عدل ثقة حافظ عابد. قال عنه الحاكم: (ما رأيت في مشايخنا أثبت في الرواية والتصنيف من علي بن حمشاذ). توفي سنة (338 هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" 25/ 165وفيات (331 - 350 هـ)، "سير أعلام النبلاء" 15/ 398، "تذكرة الحفاظ" 3/ 855، "شذرات الذهب" 2/ 348.]]، ثنا حُمَيد بن حَكيم الدقَّاق [[لم أقف له على ترجمة، إلّا ما ورد في (ذيل ميزان الاعتدال)، للحافظ العراقي، حيث قال: (حُمَيد بن حَكِيم. حديثه في سنن الدارقطني، قال ابن القطان: لا تُعرف حاله). الذيل: 203.]]، ثنا عباس بن الوليد الخلَّال [[هو: أبو الفضل، عباس بن الوليد بن صُبْح الخلال السُلَمي الدمشقي. قال ابن حجر: (صدوق)، ووثقه ابن حبان، قال أبو داود: كان عالما بالرجال والأخبار، لكنه لم يحدث عنه. توفي سنة (248 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 215، "الميزان" 3/ 100، "تهذيب التهذيب" 2/ 295،]] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]، ثنا] [[ما بين المعقوفين ليس في (أ)، وجاء فيه: (ثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد العامري، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر، ثنا عاصم.]] أبو صفوان، القاسم بن [يزيد العامري] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج). وقد وردت رواية القاسم -هذا- عن يحيى بن كثير، في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 77، 109 باسم أبي صفوان، القاسم بن يزيد بن عوانة. ولم أقف له على ترجمة.]]، ثنا يحيى بن كثير، أبو النضر [[في (ب): ثنا أبو النصر. في (ج): أبو النصر. عَدّه ابنُ حجر مِن الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، شيعي، قال ابن حجر: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: (ضعيف ذاهب الحديث جدًا)، وقال الدارقطني: (متروك). انظر: "المجروحين" لابن حبان:3/ 130، "ميزان الاعتدال" 6/ 77، "المغني في الضعفاء" 2/ 410"التقريب" ص595 (7631).]]، ثنا عاصم الأحول [[هو: أبو عبد الرحمن، عاصم بن سليمان الأحول، البصري. تابعي، ثقة حافظ، توفي بعد سنة (140 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 343، "تهذيب التهذيب" 2/ 252.]] وداود بن أبي هند [[هو: أبو بكر أو أبو محمد، داود بن أبي هند - (دينار) - القُشَيري بالولاء، البصري- تابعي، ثقة متقن، إلا أنه يهم إذا حدّث مِن حِفْظِه، توفي سنة (140هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 411، "ميزان الاعتدال" 2/ 201، "تهذيب التهذيب" 1/ 572، "التقريب" ص200 (1817).]]، عن أبي العالية الرِّيَاحِي، قال: قال أُبَيُّ بن كعب [[هو: أبو المنذر، أبَيُّ بن كعب بن قيس، الأنصاري الخزرجي. ويكنى بـ (أبي الطفيل) -أيضًا-، من فضلاء الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، سيد القراء، وأحد كتَّاب النبي ﷺ، توفي سنة (22 هـ)، وقيل: (30 هـ) ورجحه ابن الأثير. انظر: "المعارف" لابن قتيبة: 261، و"أسد الغابة" 1/ 61، "صفة الصفوة" 1/ 245، "الإصابة" 1/ 19.]]: (قال) [[في (أ): (قال قال).]] النبي [[في (ج): (رسول الله).]] ﷺ في قوله، فذكره [[الأثر: أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 40، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 730، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 2/ 88 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 415، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 436، والسيوطي في "الدر" 2/ 112 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وقد أوردوه كلهم موقوفًا على أبي بن كعب - رضي الله عنه - (ولم أر من رفعه سوى المؤلف. ونصه كما عند الطبري: (قال صاروا يوم القيامة فريقين: فقال لمن أسوَدَّ وجهُه، وعيَّرَهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين. يقول: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم ..). وعلى هذا فالآية عامَّةٌ في جميع الكفار، ورجَّح هذا الطبري.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب