الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يعملون الأعمال الصالحة ويتصدقون [[في (أ): (ويصدّقون).]] بالصدقة الكثيرة وقلوبهم خائفة من الله -عز وجل- أن لا يقبل ذلك منهم [[روى الطبري 18/ 33 عن ابن عباس قال: يعملون خائفين.]]. وقال الكلبي: قلوبهم خائفة ألا تقبل منهم. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من البر والعمل الصالح [[في (ظ): (من العمل الصالح. سقط فيها البر).]] وقلوبهم وجلة أيتقبل منهم أم لا [[روى وكيع في "الزهد" 1/ 390، وأحمد في "الزهد" ص 286، والطبري 18/ 32 عن الحسن الشطر الأول مه، ولفظ باقيه عندهم: وهم مشفقون -وعند الطبري: يخافون- أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربَّهم.]]؟. وقال مجاهد في هذه الآية: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل [[رواه الطبري 18/ 32، وذكره السيوطي في الدر المنثور" 6/ 106، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.]]. وقال قتادة والسدي: يُعطون ما أعطوا ويعملون ما عملوا من خير وقلوبهم خائفة من الله [[رواه عن قتادة: عبد الرزاق في تفسيره 2/ 46، والطبري 18/ 33، وذكره السيوطي في الدر المنثور 6/ 106 وزاد نسبته لعبد بن حميد. ولم أجد من ذكره عن السدي.]]. وهذا المعنى الذي ذكره المفسرون هو ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق [[(ويسرق): ساقطة من (ظ)، (ع).]]؟ قال: "لا كما ابنة الصديق! ولكنّه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 159، والترمذي في (كتاب التفسير -ومن سورة المؤمنين 9/ 9، 20، وابن ماجه في أبواب الزهد- باب التوقي على العمل 2/ 425، والطبري في "تفسيره" 18/ 34، والحاكم في "مستدركه" 2/ 393 - 394، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 421. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 105 وعزاه لمن تقدم سوى البغوي، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين. وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 95 - 97.]]. وكانت عائشة تقرأ: (يأتون ما أتوا) [[بفتح الياء، وألف بعدها، و"ما أتوا" مقصور. انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص 98، "المحتسب" لابن جني 2/ 895، "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص 275.]] أي يعملون ما عملوا. يقال: فلان يأتي العمل الصالح ويأتي العمل الخبيث، ولهذا [[في (ظ): (وهذا).]] ذهب وَهْمُها [[وهمها: أي ظنها. انظر: "الصحاح" للجوهري 5/ 2054 (وهم).]] إلى أنّه الذي يزني ويشرب [[ويشرب: ساقط من (أ).]] ويسرق. وسألها عبيد بن عيير عن قراءتها فقالت: أشهد لكذلك [[في (أ): (كذلك).]] كان رسول الله يقرؤها، وكذلك أنزلت [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ)، والإمام أحمد في مسنده 6/ 95، 144. والبخاري في كتابه "الكنى" ص 28. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 248: فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. قال ابن كثير 3/ 248: والمعنى على القراءة الأولى -يعني يؤتون- وهي قراءة السبعة وغيرهم أظهر، لأنَّه قال "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى -يعني: يأتون ما أتوا- لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين. والله أعلم. اهـ.]]. والقراء اليوم مجمعون على ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾. قال ابن عمر: يؤدون الزكاة [[رواه الطبري 18/ 32 من رواية ابن أبجر، عن ابن عمر. وفي سنده جهالة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 106 وزاد نسبته للفريابي. وذكر ابن عطية 10/ 370 عن ابن عباس وابن جبير أنهما قالا: هو عام في جميع أنواع البرّ. ثم قال ابن عطية: وهذا حسن، كأنَّه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعه الله ما بلغه جهدهم.]]. وإنّما خَصَّ إيتاء الزكاة من بين الطاعات؛ لأن من أدّى الزكاة وأطاع الله فيها فهو في غيرها أطوع، وكأنَّ إيتاء الزكاة عبارة عن الأعمال الصالحة، إذْ هو الأفضل والأشق على النفس. قال الحسن في هذه الآية: المؤمن جمع إحْسانًا وشفقة [[رواه الطبري 18/ 32. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 105 وزاد نسبته لابن أبي حاتم.]]. فأما نظم الآية فقد ذكر الفراء وجهًا، وذكر الزَّجَّاج وجها آخر، وجمعها صاحب النظم وشرحهما. قال الفراء: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنّهم [[عند الفراء: وجلةٌ من أنّهم.]] من أنَّهم فإذا ألقيت (مِنْ) نصبت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. وقال الزَّجَّاج: قلوبهم خائفة؛ لأنهم إلى ربهم راجعون، أي لأنهم يوقنون بأنّهم يرجعون إلى الله يخافون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17.]]. وقال صاحب النظم: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿وَجِلَةٌ﴾ واقعًا على قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وهو على تأويل: خائفون [[في (أ)، (ع): (خائفة).]] رجوعهم. أي يخافون رجوعهم إلى ربِّهم. [فيكون الخوف منهم واقعًا على البعث والحساب وما يكون فيهما. وهذا معنى قول الفراء. والقول الآخر: أن يكون الخوف واقعًا على مضمر، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ سببًا له على تأويل: وقلوبهم وجلةٌ أنَّها لا تقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] راجعون. والخوف واقع [[في (أ): (واقع عليه على أنّه) بزيادة عليه.]] على أنه لا يقبل منهم نفقاتهم. وقوله [[في (أ): (قوله) سقطت الواو.]] ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ سببٌ لهذا الخوف [[والمعنى على هذا: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. انظر: "الدر المصون" 8/ 353.]]. وهذا معنى قول أبي إسحاق وأكثر المفسرين لأنهم جعلوا الخوف واقعا على أن لا يقبل [[في (ظ)، (ع): (يتقبّل).]] منهم [[انظر: "الطبري" 18/ 32، القرطبي 12/ 132.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب